ملتقى "الحسين رمز الوحدة الإسلامية" يواصل حضوره السنوي في تركيا: فعاليات روحية وثقافية تُحيي عاشوراء من إسطنبول إلى قارص

2026-05-30 11:31

تقرير: صباح الطالقاني

مركز الامام الحسين الثقافي/ اسطنبول

في أجواءٍ إيمانية مفعمة بروح الولاء، انعقد في إسطنبول الملتقى السنوي الثالث بعنوان: "الحسين عليه السلام رمز الوحدة الإسلامية"، والذي نظّمه مركز الإمام الحسين (عليه السلام) الثقافي التابع لمركز الإعلام الدولي في قسم إعلام العتبة الحسينية المقدسة، بالتعاون مع مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) في تركيا، وبحضور وفد رسمي من كربلاء المقدسة.

احتضنت قاعة بلدية باغجلر الكبرى هذا الحدث السنوي، الذي استهل بتلاوة عطرة من القرآن الكريم، أعقبها ترحيبٌ مؤثر من سماحة الشيخ علي أكبر يورتسفن، رئيس مجمع آل البيت (عليهم السلام)، مؤكداً في كلمته أن حضور العتبة الحسينية يشكل جسراً للتواصل والتآخي بين الشعوب المسلمة، ومثمّناً الدور البارز لمركز الإمام الحسين الثقافي في تنسيق وتنظيم هذا الملتقى المبارك.

وفي كلمة مؤثرة، تحدث ممثل العتبة الحسينية سماحة الشيخ علي القرعاوي قائلاً:

"نجتمع في رحاب محرم الحرام، تحت خيمة الحسين (عليه السلام)، الذي مثّل الكرامة والحرية، لنعيد قراءة نهضته الخالدة بوصفها رمزا لوحدة الأمة وصوتا صادقًا للحق"، مشيراً إلى أن الحسين (عليه السلام) حين قال:

"إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي"، أراد لهذا النداء أن يبقى خالداً، يوحد الأمة على درب الإيمان والعمل الصالح.

وتابع الشيخ القرعاوي: "لقد ترجمت صرخته المدوية "هيهات منا الذلة" جوهر الآية الكريمة: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، ليبقى صوت الحسين فوق كل محاولات الإذلال والاستبداد".

إعلام العتبة الحسينية.. صوتٌ للعقل والضمير

من جانبه، ألقى الأستاذ الحسن نعمة، معاون رئيس قسم الإعلام في العتبة الحسينية، كلمة أكد فيها أن إعلام العتبة هو مشروع رسالي يجمع بين المهنية والهوية، ويتجاوز الشعائر إلى قضايا الإنسان والعدالة والتعايش، قائلاً:

"إعلامنا لا ينحصر في تغطية المناسبات، بل يعالج هموم المعاصرين، ويحارب الفكر المتطرف، ويخاطب العالم بلغاته".

وبيّن أن افتتاح مركز الإمام الحسين (عليه السلام) الثقافي في إسطنبول، جاء انسجاماً مع هذا النهج، ليكون همزة وصل فكرية وإنسانية مع المجتمع التركي، داعياً إلى توسيع هذا الحضور ليشمل دولاً أخرى، مؤكداً أن الحسين (عليه السلام) هو نداءٌ خالدٌ للحرية في وجه الظلم، وصوت للعدالة حين يُخرس الحق.

وختم كلمته بتقديم الشكر لمؤسسة آل البيت في تركيا، مؤكداً أن الإعلام يجب أن يُوظف لخدمة الإنسان وأن يحمل نداء الحسين إلى كل ضمير حي.

وثائقيات ومعارض فنية تُجسد كربلاء اليوم

لم تقتصر فعاليات الملتقى على الخطاب فقط، بل شملت عروضاً وثائقية من إنتاج قسم الإعلام في العتبة، تناولت الخدمات الصحية والتنظيمية والاجتماعية المقدّمة للزائرين، إلى جانب إنجازات العتبة في ميادين التعليم والرعاية الاجتماعية وذوي الاحتياجات الخاصة.

كما تزيّنت أروقة القاعة بمعرضٍ فني ضم صوراً توثق تاريخ وتراث كربلاء، ومعالمها الدينية والثقافية، مخلّدةً ذاكرة المدينة المقدسة بعدسة الإبداع.

من إسطنبول إلى أغدير وقارص.. راية الحسين ترفرف في الشرق التركي

وفي اليوم التالي، انتقلت الفعاليات إلى مسجد فاطمة الزهراء (عليها السلام) في القسم الآسيوي من إسطنبول، حيث أُقيم مجلس عزاء تخلله إلقاء كلمات ومراثي حسينية، واختُتم بتوزيع هدايا تبركية من مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) على المشاركين في مسابقة دينية.

ثم اتسعت رقعة إحياء عاشوراء هذا العام لتصل لأول مرة إلى مدينتي أغدير وقارص في أقصى الشرق التركي، وهي مناطق تشكّل منبعاً تاريخياً لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) الذين هاجروا خلال القرن الماضي إلى مدن مثل إسطنبول وأنقرة وسيواس وبورصا وكوتاهيا.

ففي مدينة أغدير، نُصب مأتم عاشوراء بالتعاون مع مؤسسة آل البيت، وألقيت كلمات وقُرئت قصائد ومجالس عزاء، وكان لافتاً فعالية خط راية يا حسين، حيث شاركت أنامل الأطفال والنساء بملء الراية السوداء بكلمة "يا حسين" بلونها الأبيض، رمزاً لوحدة الموقف والحق.

كما شهد ختام الفعاليات هناك توزيع الهدايا التبركية عبر قرعة بين مئات المشاركين من مختلف الأعمار، في مشهد جسّد التفاعل الشعبي الكبير.

قارص.. مدينة الإحياء العاشورائي الجديد

وفي صباح اليوم التالي، واصل وفد العتبة المقدسة مسيرته إلى مدينة قارص، حيث أُقيمت فعاليات مشابهة وسط حضور جماهيري واسع، عبّر عن شوقه لهذا التواصل الروحي مع كربلاء، واعتبر حضور وفد العتبة مبادرةً تضامنية تعبّر عن عمق التلاقي بين الأرواح والرسالة.

أفلام تُنطق الحجر وصور تنقش الذاكرة

في حضرة الوجدان الحسيني، حيث لا يخبو وهج الذكرى، لم يكن الملتقى السنوي الثالث في إسطنبول مجرد مناسبة، بل استحضار حيّ لكربلاء، سكن الصور والأفلام، وتجلّى في نبض العيون ودمع القلوب.

عروض وثائقية أنتجها قسم الإعلام في العتبة الحسينية المقدسة، جسدت الخدمة كأنها مشاهد تُنطق الحجر، لا تعرض لقطات بل تروي حكايات، تبدأ من سرير مريض في مأتم الزائرين، ولا تنتهي عند عجلة تنقل المتعبين، بل تستمر حيث تعب المحبين يصبح راحةً للآخرين، وحيث التنظيم لا يُرى إلا في ملامح المودّعين.

وفي فيلمٍ آخر، تنبض كربلاء خارج الأسوار، إذ تسرد الكاميرا حكايات مشاريعٍ حملت العراق على أكتاف الحسين، من مدارس تُعلم، إلى مستشفيات تُعالج، إلى مؤسسات تحتضن اليتيم وتمدّ يدها للكفيف، كل هذا بلغة لا تُكتب بالحبر بل بالرحمة.

في بهو الملتقى، تصاعدت شهقات بصرية من معرضٍ فنيّ جسّد ملامح كربلاء، من أزقتها إلى قبابها، ومن مواكبها إلى شهدائها. كانت الصور لوحاتٍ تنظر إليك كما تنظر إليها، تحملك حيث لا تصل الأرجل، وتذكّرك أن كربلاء ليست مكاناً، بل ذاكرة تمشي على جدار القلب.

أمسيات العزاء.. حيث تنحني الأرواح أمام وجع الطف

في اليوم التالي، تجدد اللقاء الحسيني في القسم الآسيوي من إسطنبول، حيث شهد مسجد فاطمة الزهراء (عليها السلام) مجلس عزاء، اختلطت فيه الدموع بالذكرى، وتمازجت القصائد بأنين القلوب.

الكلمة الافتتاحية لممثل العتبة الحسينية أطلقت شرارة العزاء، ثم علت أصوات الشعراء والرواديد، كأن كل بيتٍ حسيني يُلقى هناك، يُسحب من أرض الطف ليُزرع في قلوب الحاضرين. كانت الليلة عبوراً آخر إلى حيث سكن الوجع، إلى حيث توقف الزمان في عاشوراء وبقيت القلوب تمشي خلف الحسين.

واختُتم المجلس بتوزيع هدايا مباركة من مرقد سيد الشهداء، توّجت بها الفعالية، وكأنها لمسَةُ حنو من الحسين لعشاقه في بلاد الغربة، توزع كما وزّع هو قلبه على أصحابه في صحراء العطش.

عاشوراء.. في مدن العشق القديم لأهل البيت

لم تكن إسطنبول وحدها هي مقصد القافلة الحسينية، بل توغلت في الجغرافيا التركية حتى لامست حدود العشق المنسي، فوصلت إلى أغدير وقارص، حيث الجبال تهمس بحبّ الحسين، وحيث القلوب تنتظر منذ زمن أن تسمع من كربلاء خبراً.

في أغدير، نُصب مأتم عاشوراء، واحتشد الناس كباراً وصغاراً، بقلوبٍ عطشى للذكرى. توالت الكلمات والقصائد، ثم ارتفعت راية "يا حسين" خُطّت تحت إشراف الخطاط ضرغام مال الله، حيث كتب الأطفال والنساء باللون الأبيض فوق السواد، وكأنهم يزرعون الحق في ليل هذا العالم.

كانت تلك الراية صفحةً للعقيدة، يكتبها من لم يعرف كربلاء ولكنها سكنت في دمه، ومن لم يرَ الحسين لكنّه يراه في كل شهقة عزاء. واختُتمت الفعالية بقرعة وزّعت فيها الهدايا، لكن الجائزة الحقيقية كانت في احتضان الروح لذلك اللهب الحسيني الذي لا يحرق بل يطهّر.

قارص.. صباح آخر من كربلاء

وفي صباحٍ آخر يشرق باسم الحسين، وصلت القافلة إلى مدينة قارص، وهناك، كما في أغدير، تفتّحت القلوب للذكرى. تكررت المشاهد، لكن البكاء لم يكن تكراراً، بل تجديداً للعهد.

الناس في قارص لم يستقبلوا الوفد، بل استقبلوا أنفسهم في مرآة كربلاء، كأنهم يقولون بصمتهم: "نحن هنا، ننتظر أن يمر بنا الحسين، كما مرّ من قبل بعاشقيه".

بصمة لا تزول من الوجدان التركي

ثلاث سنوات مرّت، ومركز الإمام الحسين (عليه السلام) الثقافي في إسطنبول، التابع لمركز الإعلام الدولي في قسم إعلام العتبة الحسينية، ما زال ينقش اسمه في الذاكرة التركية، لا كزائر، بل كأخٍ كبير يعود ليحتضن.

إسطنبول، أغدير، قارص... مدنٌ ليست مجرد جغرافيا، بل محطات في مسير الحسين إلى القلوب. ومع كل فعالية في رمضان وشعبان، في محرم وصفر، يتجدّد النبض، ويكبر الحنين، لأن نور أهل البيت لا يحتاج دعوة ليُضيء، يكفي أن تفتح له نافذة القلب.

ثلاثة أعوام من التواصل والبناء الروحي

الجدير بالذكر أن مركز الإمام الحسين (عليه السلام) الثقافي في إسطنبول، التابع لمركز الإعلام الدولي في قسم إعلام العتبة الحسينية، يواصل منذ ثلاث سنوات تنظيم هذا الملتقى السنوي باسم الإمام الحسين عليه السلام، ليُكرّس الحضور الحسيني في وجدان المسلمين في تركيا.

وامتدت فعاليات هذا العام إلى مناطق جديدة، لتجسّد توسّعاً في الرؤية والرسالة، كما يواصل المركز تنظيم الفعاليات والمناسبات الخاصة بشهري محرم وصفر، إلى جانب برامج شهر رمضان وشعبان، بهدف ترسيخ مبادئ أهل البيت (عليهم السلام) في الوجدان التركي المسلم، بروح التآخي والمحبة والوحدة.

خاتمة.. حيثُ لا تنتهي القافلة ولا يهدأ النداء

في الطريق من كربلاء إلى القلوب، لم تكن القافلة التي وصلت إلى إسطنبول ثم أغدير وقارص، مجرد وفد يحمل شعائر، بل كانت كأنفاس الحسين (عليه السلام) تتنقّل بين الأرواح، تفتح النوافذ الموصدة على نداءٍ لم يغب: "هل من ناصرٍ ينصرني؟".

كانوا هناك، من نساءٍ وأطفالٍ وشيوخٍ، لا يحملون سيوفاً، ولا يركبون خيولاً، بل يحملون دموعًا لا تخون، وذاكرةً لم تعش الطف لكنها ورثته في الجينات الروحية. إنهم يجيبون النداء بدمع العين، وارتجاف الصوت، وارتعاش القلب وهم يخطّون "يا حسين" على رايةٍ سوداء كانت تنتظر بياض أرواحهم.

في كل صورةٍ عُلّقت، كانت كربلاء تسكن إطارها، وفي كل مرثيةٍ قُرئت، كانت زينب تقف على المنبر من جديد، وفي كل فيلمٍ عُرض، كان صوت العباس يملأ الأزقة البعيدة بنداء الخدمة والفداء.

هذا الملتقى لم يكن فعالية تُختم، بل شعلة تُسلَّم. إنه تجذير للحسين في ذاكرةٍ لا تعرف الحذف، وزرعٌ لصوته في أرضٍ عطشى لما تبقّى من النبوة في عالم ضاعت فيه البوصلة.

وهكذا، تستمر القافلة.. لا تحمل متاعاً، بل قيماً. لا تبحث عن محطة، بل تزرع كل مدينة تمرّ بها بدمعة، ونبض، وراية، ليظلّ الحسين حيّاً في الذاكرة، ومضيئاً في الضمير، وعابراً للحدود، لأن الرسالة إذا اشتعلت بالحقيقة، لا يطفئها الزمن، ولا يحاصرها المكان.


المرفقات

العودة إلى الأعلى