جهود استرداد الآثار العراقية المنهوبة والتحولات في القانون الدولي
تمثل قضية استرداد الممتلكات الثقافية المسروقة والمصدرة بصورة غير مشروعة أحد أكثر الملفات تعقيداً في أجندة الدبلوماسية الدولية المعاصرة، حيث تتجاوز في جوهرها مجرد استرجاع قطع مادية لتلامس مفاهيم السيادة الوطنية، والحق في الذاكرة التاريخية، والعدالة الانتقالية للشعوب التي تعرضت لنهب تراثها.
إن قصة استعادة آلاف القطع الأثرية العراقية، وعلى رأسها لوح "حلم جلجامش"، تقدم نموذجاً فريداً لتشابك الجهود القانونية الفيدرالية مع الضغوط الدبلوماسية، مما أدى إلى كسر حصانة "السوق الرمادية" للفن والآثار التي ازدهرت لعقود تحت غطاء الثغرات القانونية في الدول المستوردة.
جذور استلاب التراث
لفهم أبعاد المعركة الدبلوماسية الحالية، يجب البدء بتحليل الجذور التاريخية التي جعلت من العراق "متحفاً مفتوحاً" عرضة للاستلاب.
منذ القرن التاسع عشر، خضع التراث العراقي لأنظمة قانونية متفاوتة، بدأت بـ "نظام التقاسم" والفرمانات العثمانية التي سمحت للبعثات التنقيبية الأجنبية بأخذ حصص كبيرة من المكتشفات لتغذية متاحف لندن وباريس وبرلين. ورغم أن هذه الاتفاقيات كانت تحمل صبغة قانونية في حينها، إلا أنها تعكس اختلال موازين القوى الاستعماري، حيث كانت الدول الكبرى تفرض شروطها على الولايات العثمانية الضعيفة آنذاك.
وقد مر فقدان التراث العراقي بمراحل تاريخية متباينة الأثر، ففي الحقبة العثمانية ، كانت الفرمانات ونظام التقاسم هي الآلية الرسمية التي أدت لخروج قانوني لقطع كبرى مثل بوابة عشتار. تلتها فترة الانتداب والملكية التي شهدت بعثات تنقيبية منظمة وزعت المكتشفات بين العراق والمتاحف العالمية. أما المنعطفات الأخطر فقد بدأت مع أحداث عام 1991، حيث نُهبت متاحف المحافظات وظهرت الألواح المسمارية لأول مرة في السوق الرمادية. ثم جاء غزو عام 2003 الذي شهد كارثة نهب المتحف الوطني والنبش العشوائي، مما أفقد آلاف القطع سياقها الأثري (مثل لوح جلجامش). وأخيراً، مثلت حقبة داعش (2014-2017) مرحلة التدمير الأيديولوجي والتهريب التمويلي، حيث تحولت الآثار إلى "ألماس دموي" لتمويل الإرهاب .
المعايير والثغرات الزمنية
تعتمد جهود الاسترداد على ترسانة من الاتفاقيات الدولية، لكن الفعالية الحقيقية لهذه الترسانة تصطدم دائماً بعقبات هيكلية تجعل من عملية الاسترجاع "ماراثوناً قانونياً" منهكاً.
اتفاقية اليونسكو لعام 1970 ومبدأ عدم الرجعية
تعتبر اتفاقية اليونسكو لعام 1970 الوثيقة الدولية الأهم لحظر ومنع استيراد وتصدير الملكية الثقافية بطرق غير مشروعة. ومع ذلك، فإن أحد أكبر عوائق هذه الاتفاقية هو "عدم الرجعية"؛ فهي لا تلزم الدول باستعادة الممتلكات التي نُهبت قبل دخولها حيز التنفيذ، مما يحمي المجموعات الاستعمارية في المتاحف الكبرى. كما أن مبدأ "التقادم القانوني" يحدد فترة زمنية لرفع دعاوى الاسترداد، وهو ما قد يضيع حقوق الدول إذا تأخر اكتشاف مكان القطعة .
إضافة إلى ذلك، تبرز عقبات أخرى مثل مبدأ "العناية الواجبة" الذي أقره اتفاق يونيدروا 1995؛ فرغم أنه يضع عبء الإثبات على المقتني (كما في قضية هوبي لوبي)، إلا أنه يتطلب تحقيقات فيدرالية معقدة لإثبات الإهمال. كما يصطدم مبدأ "السيادة الدائمة على الموارد الثقافية"، الذي يرسخ حق الدول في ملكية ما تحت الأرض، بقوانين "الحيازة المكسبة" في بعض دول المقصد التي تمنح الملكية لمن يحوز القطعة لفترة معينة .
اتفاقية يونيدروا 1995: نحو تشديد "العناية الواجبة"
لسد الثغرات في اتفاقية 1970، جاءت اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص لعام 1995، والتي تميزت بتبني معايير أكثر صرامة تجاه الحائزين. تفرض هذه الاتفاقية على المشتري أو المقتني إثبات أنه بذل "العناية الواجبة" عند الشراء، بما في ذلك التحقق من قانونية التصدير من بلد المنشأ. وبموجب هذا الإطار، لا يكفي الادعاء بـ "حسن النية" إذا كانت ظروف البيع مريبة أو إذا كان السعر لا يتناسب مع القيمة الحقيقية للقطعة.
استرداد تاريخي
يمثل لوح "حلم جلجامش" نموذجاً مثالياً لكيفية تضافر التحقيقات الجنائية مع التعاون الدبلوماسي لاستعادة التراث الوطني. هذا اللوح، الذي يبلغ قياسه 6 في 5 بوصات، يحمل نصاً مسمارياً باللغة الأكدية يصف أحلام جلجامش التي فسرتها والدته بأنها نبوءة بقدوم صديق جديد، وهو النص الذي يعتبر من أقدم الآداب الإنسانية.
رحلة اللوح من الخفاء إلى المزاد
تبدأ القصة في عام 2003، عندما اشترى تاجر آثار أمريكي اللوح من عائلة تاجر عملات في لندن، وكان اللوح حينها غير مقروء ومغطى بالأوساخ. تم تهريب اللوح إلى الولايات المتحدة عبر البريد الدولي دون التصريح عنه للجمارك، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لقوانين التجارة الفيدرالية. بعد تنظيف اللوح وترجمته، أدرك الخبراء قيمته الفريدة، وبدأت عملية "غسيل المنشأ".
في عام 2007، قام التاجر ببيع اللوح باستخدام "رسالة منشأ مزورة" تدعي أن القطعة كانت موجودة في صندوق من الأجزاء البرونزية القديمة التي بيعت في مزاد عام 1981 بسان فرانسيسكو. كان الهدف من هذا التزوير هو الالتفاف على القوانين الأمريكية (مثل قانون حماية الممتلكات الثقافية العراقية الطارئ لعام 2004) التي تفرض قيوداً مشددة على أي آثار خرجت من العراق بعد عام 1990.
التدخل الفيدرالي ومصادرة "هوبي لوبي"
في عام 2014، اشترت شركة "هوبي لوبي" اللوح في صفقة خاصة مقابل 1.67 مليون دولار لعرضه في "متحف الكتاب المقدس" بواشنطن. وبفضل التحقيقات التي أجرتها وحدة مكافحة اتجار الآثار التابعة لوزارة العدل الأمريكية، تم كشف التزوير في المنشأ. لم تستطع الشركة الدفاع عن حيازتها للوح لأنها لم تمارس "العناية الواجبة" الكافية، خاصة وأن دار المزادات كانت قد تلقت تحذيرات من أن المنشأ "لن يصمد أمام التدقيق". وفي أيلول 2019، صادر العملاء الفيدراليون اللوح، لتبدأ بعدها الإجراءات القانونية لإعادته إلى بغداد في تموز 2021.
تحدي الاسترداد الأكبر
شهد عام 2021 تحولاً نوعياً في الاستراتيجية العراقية، حيث انتقل الملف من مجرد مطالبات قانونية متفرقة إلى "حملة وطنية شاملة" أدت لاستعادة آلاف القطع في عمليات كبرى ومتلاحقة.
تعد دفعة تموز 2021 من الولايات المتحدة هي الأضخم في تاريخ العراق، حيث استردت نحو 17,000 قطعة أثرية من شركة هوبي لوبي وجامعة كورنيل، شملت أرشيفات مدينة إيريساغريغ وألواحاً مسمارية نادرة . تبعتها في شباط 2022 استعادة 337 قطعة من لبنان (متحف نابو الخاص)، ضمت ألواحاً تعود للعصور الأكدية والبابلية القديمة. وفي أيار 2023، نجحت الدبلوماسية العراقية في استرداد 6,000 قطعة من المملكة المتحدة (المتحف البريطاني) كانت قد استُعيرت منذ عام 1923 لأغراض بحثية. أما في تموز 2024، فقد تم استلام 181 قطعة من الولايات المتحدة وأوروبا، شملت تماثيل برونزية وهياكل عظمية نادرة من موقع النمرود بمحافظة نينوى.
دور "التحالف المؤسسي" في تحقيق الاختراق
لم يكن هذا النجاح ممكناً لولا التنسيق الوثيق بين ثلاث جهات رئيسية:
اولا: وزارة الخارجية وسفارة العراق في واشنطن: التي تولت الجانب التفاوضي وتوقيع محاضر الاستلام الرسمية مع السلطات الأمريكية.
ثانيا: وزارة الثقافة وهيئة الآثار: التي قدمت الخبرة الفنية للتحقق من أصالة القطع وربطها بالمواقع الأثرية العراقية.
ثالثا: جهاز المخابرات الوطني: الذي ساهم في تتبع خيوط التهريب والشبكات الدولية التي تتعامل بالآثار المنهوبة.
كان استرجاع هذه المجموعات، التي شملت آلاف الألواح المسمارية من أرشيف مدينة "إيريساغريغ" السومرية، رسالة قوية إلى "السوق الرمادية" بأن العراق لن يتنازل عن ذرة من ترابه الثقافي. إن عودة هذه القطع على متن الطائرة الرئاسية التي أقلت رئيس الوزراء كانت لحظة رمزية أعادت الاعتبار للسيادة الوطنية.
التحديات
تطرح قضية استعادة القطع الأثرية من متحف "نابو" في لبنان تساؤلات حرجة حول دور المتاحف الخاصة في المنطقة العربية في تدوير الآثار المنهوبة. فالمتحف، المملوك لشخصيات ذات نفوذ سياسي في لبنان، كان يعرض قطعاً عراقية دون أن يكون قادراً على إثبات شرعية منشئها.
يرى الخبراء أن التعاون اللبناني في إعادة هذه القطع لم يكن مجرد لفتة أخوية، بل كان نتيجة ضغط قانوني وتحقيقات بدأت منذ عام 2018. تكمن الخطورة في أن الدول المجاورة للعراق تُستخدم كـ "مناطق ترانزيت" حيث يتم تخزين الآثار المنهوبة لسنوات حتى "تبرد" قانونياً، ثم يتم تزوير أوراقها لتظهر وكأنها كانت ضمن مجموعات خاصة قديمة قبل طرحها في الأسواق الدولية.
تعديلات مقترحة
يهدف العراق، بدعم من دول كبرى مثل مصر وإيطاليا، إلى تعديل اتفاقية اليونسكو 1970 في عدة محاور جوهرية:
اولا: إلغاء الحواجز الزمنية: المطالبة بأن يكون حق الاسترداد غير مقيد بتاريخ عام 1970، خاصة للقطع التي ثبت خروجها بطرق غير مشروعة في فترات الاحتلال.
ثانيا: تجريم الحيازة دون منشأ معتمد: تحويل عبء الإثبات بشكل كامل ودائم على الحائز، بحيث تصبح أي قطعة أثرية لا تملك "جواز سفر ثقافي" من بلد المنشأ قطعة مشبوهة قانوناً.
ثالثا: توسيع ولاية الإنتربول واليونسكو: منح هذه المنظمات "أنياباً قانونية" لفرض عقوبات على الدول التي ترفض التعاون في إعادة المنهوبات، بما في ذلك فرض قيود على المعارض الفنية الدولية لتلك الدول.
الخلاصة
تؤكد دراسة ملف الآثار المستردة أن النجاح في هذا المجال يتطلب "نفساً طويلاً" وتكاملاً بين الأدوات الدبلوماسية، القانونية، والتقنية.
إن استعادة لوح جلجامش وآلاف الرُقم الطينية لم تكن لتتحقق لولا تحول العراق من "وضعية الدفاع" إلى "وضعية الهجوم القانوني"، مستفيداً من تغير الأعراف الدولية التي بدأت تنظر إلى حيازة آثار الشعوب الأخرى كوصمة أخلاقية وقانونية.
تتلخص التوصيات للمرحلة المقبلة في مأسسة ملف الاسترداد عبر تحويل اللجان المؤقتة إلى هيئة وطنية دائمة، وتعزيز الشراكات الفيدرالية مع وزارات العدل في الدول المستوردة، وتفعيل الدبلوماسية الثقافية النشطة من خلال تنظيم معارض دولية للقطع المستردة لزيادة الوعي العالمي بحق العراق في حماية تراثه.



