عودة الكفاءات العراقية من الاغتراب إلى الاستثمار: رافعة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني

: أسرة التحرير 2026-02-28 09:14

يشهد العراق منذ عام 2024 تحولاً لافتاً في مشهده التنموي، مع تصاعد وتيرة عودة المغتربين العراقيين لإطلاق مشاريع استثمارية في وطنهم الأم، في ظاهرة انتقلت من إطار الحنين الفردي إلى مشروع وطني ذي أبعاد اقتصادية واستراتيجية واضحة. ويعكس هذا التحول تداخلاً بين تحسن المؤشرات الأمنية والاقتصادية، وتطور البيئة التشريعية، وتنامي فرص الاستثمار في قطاعات حيوية، لا سيما في بغداد وكربلاء.

وتشير بيانات مصفوفة تتبع النزوح (DTM) التابعة إلى المنظمة الدولية للهجرة إلى عودة 58,941 عراقياً من الخارج خلال الفترة من مايو 2018 حتى ديسمبر 2024، توزعوا على 18 محافظة و75 قضاءً. وتُظهر الأرقام أن أكثر من سبعة آلاف عراقي يعودون سنوياً من دول المهجر، في مؤشر على تبدل المزاج العام لدى الجاليات العراقية المنتشرة في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الجوار.

وتتصدر تركيا قائمة دول المغادرة بنسبة 27%، تليها سوريا بنسبة 16%، فيما ترتبط العودة من دول مثل ألمانيا والسويد وفنلندا غالباً بنقل الخبرات الفنية ورؤوس الأموال.

مؤشرات تنموي

دخل العراق عام 2026 بمؤشرات تنموية أفضل، إذ ارتفع مؤشر التنمية البشرية إلى 0.712 عام 2024، ما وضع البلاد لأول مرة ضمن فئة "الدول ذات التنمية البشرية العالية”". كما تراجعت نسبة الفقر من 20.5% عام 2018 إلى 17.5% في 2024.

في المقابل، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.3% عام 2024 نتيجة التزامات تحالف أوبك+ بخفض إنتاج النفط، ما أعاد التأكيد على ضرورة تنويع الاقتصاد، وهو المسار الذي تراهن عليه الحكومة عبر خطة التنمية الوطنية (2024–2028) بميزانية تبلغ 184 مليار دولار.

بيئة قانونية محفزة

تلعب الهيئة الوطنية للاستثمار دوراً محورياً في ربط المستثمرين المغتربين بالفرص الاستراتيجية، معلنة عن أكثر من 135 فرصة استثمارية نوعية خلال عام 2025.

ويمنح قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل مزايا مهمة، أبرزها:

 • إعفاءات ضريبية لمدة 10 سنوات.

 • حق تملك الأراضي للمشاريع السكنية والصناعية بشروط تفضيلية.

 • حرية تحويل رأس المال والأرباح بالعملة الصعبة.

 • ضمانات قانونية ضد المصادرة أو نزع الملكية دون تعويض عادل.

كما عزز العراق ثقة المستثمرين بانضمامه في أبريل 2024 إلى اتفاقية سنغافورة للوساطة واتفاقية نيويورك للاعتراف بالأحكام الأجنبية، ما وفر آليات دولية معترفاً بها لفض المنازعات.

استقطاب العقول

في إطار إصلاح إداري جديد، أطلقت الحكومة بموجب الأمر الديواني رقم 5 لسنة 2026 مشروع "النافذة الواحدة الرقمية" للكفاءات العراقية، بهدف تقليل الروتين وربط العائدين مباشرة بالمؤسسات المستفيدة. كما يبرز توجه لتطوير عمل وزارة الخارجية لتضم ملف شؤون المغتربين بصورة مؤسسية أوسع.

ريادة الأعمال

شهد عام 2024 جمع الشركات الناشئة العراقية تمويلاً يتراوح بين 30 و40 مليون دولار، ساهمت فيه شبكات مستثمرين مغتربين. ومن أبرز النماذج:

كما وفرت مبادرة “ريادة” المدعومة حكومياً تدريباً لـ92 ألف شاب، وأسهمت في إطلاق 12 ألف مشروع جديد بقروض ميسرة.

بوصلة الاستثمار

في كربلاء، افتُتحت خمسة مشاريع غذائية كبرى عام 2025 بقيمة ملياري دولار، إلى جانب أول محطة طاقة شمسية صناعية بقدرة 300 ميغاواط. كما طرحت الهيئة الوطنية للاستثمار مشروع “مترو النجف – كربلاء” بنظام (DBOMFT) لاستيعاب ما يقارب 20 مليون زائر سنوياً.

أما بغداد، فتشهد توسعاً عمرانياً واسعاً مع خطة لبناء 100 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى تطوير “مركز بغداد للتكنولوجيا” ليكون حاضنة للابتكار.

إصلاحات مصرفية

ينفذ البنك المركزي العراقي خطة إصلاح مصرفي شاملة، تضمنت تفعيل نظام البنوك المراسلة وربط المصارف العراقية بالمصارف العالمية مثل JPMorgan Chase، وإطلاق سندات وطنية بعائد يصل إلى 10%، فضلاً عن تفعيل منصات إلكترونية لتسهيل شراء الدولار للأغراض التجارية.

تحديات قائمة

رغم هذا الزخم، ما تزال البيروقراطية وتضارب الصلاحيات، ونقص الكوادر الفنية المحلية، وتقلبات سعر الصرف في السوق الموازية، تشكل تحديات أمام المستثمرين. كما يفرض تغير المناخ وشح المياه ضغوطاً إضافية على المشاريع الزراعية والحيوانية.

آفاق 2030

تتوقع التقديرات نمواً اقتصادياً يتراوح بين 2.5% و3.2% عام 2026، في إطار مرحلة انتقال اقتصادي. ويرى خبراء أن نجاح "رؤية العراق 2030" مرهون بإدارة استراتيجية لملف المغتربين، عبر تعزيز الشراكات المحلية، والاستثمار في التدريب التقني، والتوجه نحو قطاعات الغاز والطاقة المتجددة والزراعة الحديثة.

وبحجم استثمارات بلغ 102 مليار دولار، يبدو العراق في عام 2026 أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاده على أسس متنوعة.

ويشكل المغتربون، بما يمتلكونه من خبرات عالمية وفهم عميق للبيئة المحلية، جسراً حقيقياً نحو تنمية مستدامة تعيد رسم ملامح الاقتصاد العراقي في العقد المقبل.

العودة إلى الأعلى