"لاجئو المناخ" في العراق: عندما يبتلع الجفاف حضارة القصب والجاموس

: أسرة التحرير 2026-01-21 08:54

في أطراف مدينة الناصرية (مركز محافظة ذي قار)، في دُور تحولت إلى عشوائيات مكتظة، تجلس الخمسينية "أم حسين" أمام غرفتها المبنية من الطوب وسقف "الچينكو". 

لم تكن أم حسين تحلم يوماً بالسكن في المدينة، هي التي كانت "ملكة" في بيئتها الطبيعية بقرية شرق ذي قار، حيث كانت تجوب المساحات المفتوحة وترعى ماشيتها. اليوم، تصف حياتها بكلمات موجزة وقاسية: "نحن هنا في سجن صغير سيقضي على حياتنا يوماً ما".


أرقام صادمة: نزوح يتضاعف

وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) الصادرة في عام 2025، تسبب التغير المناخي والبيئي في نزوح أكثر من 168,000 عراقي من مناطقهم الأصلية.

في ذي قار وحدها، صنف المسؤولون المحليون جميع مناطق الأهوار ضمن "الدائرة الحمراء". 

أن معدلات النزوح من مناطق الأهوار تضاعفت ثلاث مرات خلال الأشهر الماضية نتيجة الجفاف المستمر الذي لم يعد مجرد أزمة مياه، بل صار "إبادة بيئية".

وكذلك الجاموس، الذي يُعد العمود الفقري لاقتصاد سكان الأهوار منذ العصر السومري، يلفظ أنفاسه الأخيرة. يقول المزارع صباح إسماعيل (38 عاماً)، وهو أحد القلائل الصامدين في ريف الناصرية: "كنت أملك 130 رأساً من الجاموس، والآن لا أملك سوى 50. نصفها نفق بسبب العطش، والنصف الآخر بعناه لنسدد ديون الأعلاف".

تشير الإحصائيات الميدانية إلى أن العراق خسر آلاف الرؤوس من الجاموس في السنوات الثلاث الأخيرة. 

ويؤكد الخبير البيئي جاسم الأسدي (رئيس منظمة طبيعة العراق) أن أعداد الجاموس انخفضت من 150 ألفاً في 2015 إلى أقل من 65 ألفاً حالياً، عازياً ذلك إلى ملوحة المياه العالية التي تسبب الأمراض، واختفاء المراعي الخضراء.

التغير في نمط الحياة كان الصدمة الأكبر للنازحين. فالعائلات التي كانت تعيش على الاكتفاء الذاتي من الحليب (القيمر) وصيد الأسماك والزراعة، وجدت نفسها فجأة في قاع الهرم الاقتصادي بالمدن.


 الرجال يضطر أغلبهم للعمل كحراس أمن، عمال بناء، أو بائعي خضار متجولين بأجور يومية زهيدة لا تغطي إيجارات السكن.


المرأة الريفية فقدت دورها القيادي في إدارة إنتاج الحليب والزراعة، وأصبحت حبيسة المنازل الضيقة في العشوائيات، مما أدى لانتشار أمراض الضغط والسكري والاكتئاب النفسي بينهن نتيجة الصدمة الثقافية والمكانية.


أسباب الأزمة

تتفق التصريحات الرسمية والخبراء على أن الكارثة ناتجة عن ثلاثة عوامل رئيسية:

 * تغير المناخ: ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية (تجاوزت 50 مئوية) مع انعدام الأمطار.

 سياسات دول الجوار: السدود التي أقامتها تركيا وإيران على منبعي دجلة والفرات وروافدهما، مما قلل الحصص المائية بنسبة 70%.

 سوء الإدارة الداخلية: غياب خطط الري الحديثة واستمرار التجاوزات على الحصص المائية.


هوية مهددة بالزوال

الأهوار العراقية المسجلة على لائحة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2016، لم تعد اليوم وجهة سياحية كما كانت قبل سنوات، بل تحولت إلى "أرض مشققة" يغادرها سكانها مرغمين. إن استمرار الهجرة المناخية لا يعني فقط تكدس السكان في المدن وزيادة البطالة، بل يعني زوال واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية التي ارتبطت بالماء والقصب.

"الناس رحلوا.. ولم يتبقَ سوى عدد قليل من المنازل الصامدة وسط الغبار".. بهذه الجملة يختصر صباح إسماعيل واقع الجنوب العراقي اليوم، بانتظار معجزة مائية قد لا تأتي.


المصادر:

 * المنظمة الدولية للهجرة (IOM) - تقارير النزوح لعامي 2024 و2025.

 * تصريحات رسمية من مجلس محافظة ذي قار ووزارة الموارد المائية.

 * لقاءات ميدانية أجرتها وكالات (فرانس برس، رويترز، والجزيرة نت).

 * بيانات منظمات.

وسوم : المناخ"

العودة إلى الأعلى