مشاهد عراقية.. يوم في حياة العراق بعيداً عن الأخبار العاجلة

: أسرة التحرير 2026-01-14 10:19

عندما تفتح القنوات الإخبارية العالمية، غالباً ما يظهر العراق في صورة "الخبر العاجل"، دخان، أو سجالات سياسية، أو أرقام اقتصادية جافة، لكن خلف هذه الشاشة، هناك عراق آخر يعيشه نحو 46 مليون إنسان، عراق الصمود اليومي، والجمال المخبأ في التفاصيل الصغيرة، والقدرة المذهلة على استعادة "الحياة العادية" في كل صباح.

يبدأ اليوم العراقي في وقت مبكر جداً، تحديداً في الساعة الخامسة فجراً، في هذا الوقت، يكون صوت "قعقعة" معدن الصواني في الأفران التقليدية.

رائحة الصمون الحجري الساخن هي "عطر الصباح" الذي يجمع العراقيين، في الأحياء القديمة مثل "الأعظمية" أو "الكرادة"، يقف الموظف بجانب العامل البسيط، كلاهما ينتظر دوره للحصول على خبزه الساخن، وتكون الحوارات هنا هي أسئلة عن الصحة، وأحوال العائلة، ودعوات متبادلة بالرزق وغير ذلك.

في المقاهي الشعبية، يبدأ طقس "استكان الشاي"، وهو طقس هندسة قائمة بذاتها، ويجب أن يكون ثقيلاً، شديد السواد في الأسفل، وشفافاً في الأعلى مع كمية وافرة من السكر، وغالباً ما ينكه بالهيل، هذا الكوب الصغير هو المحرك الذي يدفع آلاف العمال والطلاب لبدء يومهم بطاقة وتفاؤل.

خلايا النحل البشرية 

ومع صعود الشمس، تتحول المدن العراقية إلى مسارح مفتوحة للحركة، في بغداد، يعتبر سوق الشورجة القلب النابض للتجارة، وهنا، يتلاشى صدى الأخبار السياسية تحت أصوات الباعة المتجولين وهم يرددون أهازيج شعبية مبتكرة لتسويق بضائعهم.

تتجلى في هذه الأسواق قيمة "العصامية" العراقية، نرى الشباب يحملون بضائعهم على "العربات" يبتسمون رغم التعب، ويتبادلون النكات مع الزبائن، هذه الحيوية تعكس رغبة العراقي في بناء حياته بيده، بعيداً عن انتظار الحلول من الأعلى، كسوق أربيل، يختلط عبق التوابل بجمال الأزياء الكردية الملونة، مما يرسم لوحة من التنوع الذي يعيشه الناس في تسامح يومي فطري.

البرلمان العائلي

عند الساعة الثالثة ظهراً، يسود هدوء نسبي في الشوارع، فالعراقي الآن يتناول غداءه، فالغداء في البيت العراقي هو "المناسبة الاجتماعية الأهم".

لا يمكن تخيل مائدة عراقية دون "المرق" (الفاصولياء، البامية، أو الباذنجان) بجانب الرز (التمن)، وفي أيام الجمعة، تتربع "الدولمة" أو "السمك المسكوف" على العرش، حول هذه المائدة، تجتمع العائلة الممتدة، هنا تحل المشاكل، وتتخذ القرارات، ويمارس "الضحك المر" الذي يتميز به العراقيون، حيث يحولون مصاعبهم إلى نكات تلطف أجواءهم، فان هذا الترابط الأسري هو "شبكة الأمان" الحقيقية التي حمت المجتمع العراقي عبر العقود.

بعد الغداء، يتوجه المثقفون والشباب والباحثون عن الهدوء إلى منطقة شارع المتنبي. في مقهى الشابندر التاريخي، تشم رائحة التاريخ والورق القديم.

المشهد هناك مذهل، شباب في مقتبل العمر يجلسون بجانب شيوخ عاصروا أزمنة مختلفة، يتناقشون في رواية جديدة، أو يبحثون في مخطوطة تاريخية، بعيداً عن صخب المواقع الاجتماعية، يعود العراقي هنا إلى جذوره المعرفية، الشاي يتدفق بغزارة، والنقاشات تدور حول الفن والشعر..، مما يثبت أن "العراق يقرأ" في كل الظروف.

وعندما يبرد الجو قليلاً، يخرج العراق بكامل أناقته إلى الكورنيش، سواء كان كورنيش "أبو نواس" في بغداد أو "شط العرب" في البصرة، تصبح ضفاف الأنهار مساحة للتنفس. ففي كثر من الأحيان العوائل تفترش الأرض، وتوقد نيران "المسكوف" التي تضيء ضفاف الأنهر الرئيسية.

في المساء تتحول المقاهي الشعبية إلى "مدرجات" كروية، يشجع العراقيون أنديتهم المفضلة سواء المحلية أو الأندية العالمية بحماس ينسيهم كل هموم النهار، فان كرة القدم في العراق هي لغة توحد الجميع.

في الليل، تظهر ملامح "النخوة" العراقية في حفلات الزفاف الجماعية أو المناسبات الاجتماعية، حيث يهب الجيران لمساعدة بعضهم البعض في الطبخ والاستقبال، وكأنهم عائلة واحدة كبيرة.

ما يجمع العراقيين في يومهم العادي هو حب الحياة، والقدرة على خلق الفرح من أبسط الأشياء، يعيش العراقي يومه بـ "قناعة" مذهلة، يخطط للغد، يضحك بملء فيه، ويشرب شايه بمرارة محببة تشبه تاريخ بلاده.

العراق في يومه العادي هو لوحة من الصمود الجميل، حيث الرصيف ينبض بالحياة، والقلوب لا تزال مفتوحة لكل عابر سبيل.

العودة إلى الأعلى