منصات التواصل وإنقاذ القراءة.. كيف أعادت مجتمعات "بوك توك" و"بوك تيوب" الروح إلى جسد الكتاب الورقي
في الوقت الذي ساد فيه اعتقاد شبه حتمي بأن هيمنة الشاشات الرقمية والمحتوى البصري الخاطف ستقضي على القراءة التقليدية، شهد المشهد الثقافي العالمي تحولاً استثنائياً عكس اتجاه الرياح تماماً. فلم تسهم التكنولوجيا الرقمية في تهميش الكتاب المطبوع، حيث تحولت فضاءات إلكترونية متخصصة، لاسيما مجتمعات "بوك توك" على منصة تيك توك و"بوك تيو" على يوتيوب، إلى الرئة التي تنفس منها سوق النشر العالمي ليعيد إحياء مبيعات الكتب الورقية.
لقد نجحت هذه المجموعات الافتراضية في نزع صفة العزلة عن القراءة، محولة إياها من طقس فردي هادئ إلى كرنفال جماعي تفاعلي يضج بالحياة والمشاعر، الأمر الذي انعكس في قفزات ترويجية هائلة أربكت حسابات دور النشر الكبرى والمكتبات التقليدية وعززت فرص بقائها وتطورها.
شرارة العودة للورق
بدأت هذه الظاهرة تتشكل ملامحها بوضوح إبان فترات الإغلاق العالمي التي فرضتها جائحة كورونا، إذ تراجعت حينها قنوات التسويق التقليدية للكتب بشكل حاد نتيجة قيود التباعد التي منعت القراء من التردد على المكتبات والمقاهي الثقافية، مما دفع بالمبيعات المباشرة نحو مستويات متدنية.
تلاشت جولات توقيع الكتب وتوقفت المؤتمرات والمهرجانات الأدبية الكبرى مثل مهرجان لوس أنجلوس تايمز للكتاب. ووصل القلق ببعض الكتاب البارزين، مثل الروائية مادلين ميلر صاحبة رواية "أغنية أخيل"، إلى التفكير الجدي في العودة لمهنة التدريس بعدما تقلصت فرص ترويج مؤلفاتهم بالوسائل الكلاسيكية.
في ظل هذه العزلة والجمود، وجد أبناء "جيل زد" والشباب أنفسهم محاصرين خلف شاشات الحواسيب بداعي الدراسة والعمل عن بُعد، ما تسبب في حالة من الإعياء الرقمي والاشتياق إلى أنشطة ملموسة وخارجة عن فضاء الإنترنت. ومن هنا تحولت القراءة إلى ملاذ آمن، وأصبح الإمساك بكتاب ورقي وتصفحه طقساً حسياً يساعد على قطع الاتصال بالشاشات وإيجاد مساحة من السلام النفسي وسط ركام القلق اليومي.
لم يعد اقتناء الكتاب بغرض الهروب من الواقع فحسب، حيث تحول إلى أداة لمواجهة المشاعر المعقدة والتكيف معها، وهو ما يفسر كيف أصبحت مجتمعات القراءة الافتراضية فضاءً تشاركياً يعبر فيه القراء عن مشاعرهم وهوياتهم ويتعافون جماعياً، مستخدمين طقوس القراءة ومقاطع الفيديو القصيرة للتعبير عن لحظات البكاء أو الضحك أو الدهشة التي تصاحب قراءاتهم.
أرقام تتحدث
تتجاوز هذه الحركية حدود الحماس العابر لتتحول إلى محرك اقتصادي ضخم يعيد رسم ملامح العائدات المالية لقطاع النشر عالمياً. ففي الولايات المتحدة، سجل سوق الكتب المطبوعة مبيعات استثنائية بلغت 825 مليون نسخة في عام 2021، بزيادة لافتة بلغت 125 مليون نسخة مقارنة بمبيعات عام 2019 السابقة للجائحة.
وتشير تقارير المتابعة الاقتصادية إلى أن الكتب التي لاقت رواجاً فيروسياً على منصة تيك توك أسهمت في دفع نمو مبيعات فئة أدب اليافعين بنسبة 30% مطلع عام 2022، مما قاد السوق الكلية للكتاب الورقي للنمو بمعدل 9%.
وقد منحت الأوساط المهنية تيك توك جائزة "شخصية العام في قطاع النشر" خلال مؤتمر "فيوتشر بوك" لعام 2022 تقديراً لهذا التأثير غير المسبوق. ووفقاً للبيانات الإحصائية لمؤسسة "سيركانا بوكسكان"، فإن المؤلفين الذين حظوا بدعم وتداول واسع داخل مجتمع "بوك توك" نجحوا في بيع نحو 46 مليون نسخة ورقية في السوق الأمريكية خلال عام 2023 وحده، بنمو قدره 40% مقارنة بالعام السابق، مما جعل مبيعات هذا المجتمع تسيطر على ما لا يقل عن 7% من إجمالي مبيعات الكتب في الولايات المتحدة، أي ما يعادل كتاباً واحداً من بين كل اثني عشر كتاباً مطبوعاً يُباع في البلاد.
ولعل النموذج الأبرز لهذه القوة الترويجية يتجسد في الكاتبة كولين هوفر، التي تجاوزت مبيعات كتبها حاجز 20 مليون نسخة، حيث حققت مؤلفاتها الأكثر مبيعاً وحدها حوالي 9 ملايين نسخة ورقية في عام 2023.8 وفي بريطانيا، حققت دار النشر الشهيرة "بلومزبري" قفزة هائلة في أرباحها بنسبة بلغت 220%، وهو ما أرجعه القائمون عليها جزئياً إلى تداول إصداراتهم بشكل فيروسي عبر قنوات التواصل.
ولم تكن الأسواق الأوروبية الأخرى بمعزل عن هذه الحركية الاقتصادي المتسارعة، إذ كشفت البيانات المشتركة لمؤسستي "نيلسن آي كيو بوك داتا" و"ميديا كنترول" أن ترشيحات مجتمع "بوك توك" ساهمت في بيع ما يزيد على 50 مليون كتاب عبر الأسواق الأوروبية الرئيسية في عام 2025، محققة إيرادات قاربت 800 مليون يورو.
واستأثرت ألمانيا بنصيب الأسد من هذه المبيعات بحجم بلغ 28 مليون كتاب وعائدات ناهزت 482 مليون يورو، وهو ما يمثل أكثر من ضعف مبيعاتها المسجلة في عام 2023 والتي بلغت حينها 12 مليون نسخة.
وفي بريطانيا، نُسب بيع 11 مليون كتاب في عام 2025 مباشرة إلى ترشيحات وتوصيات المنصة الرقمية، وهو ما يمثل 6% من المبيعات الإجمالية. وحتى في إيطاليا، التي تصنف عادة في مراتب متأخرة أوروبياً من حيث معدلات استيعاب القراءة، حصد وسم "بوك توك" أكثر من 600 مليون مشاهدة، مما يؤكد حدوث انتعاشة حقيقية واهتمام متجدد بالكتاب المطبوع بين القراء الإيطاليين.
جماليات القراءة ومقاومة الشاشات
ترتبط عودة الكتاب المطبوع إلى الصدارة بشكل وثيق بتنامي رغبة القراء في دمج التقدير الأدبي بالثقافة البصرية الجمالية.11 فعلى منصة إنستغرام، تجاوز عدد المنشورات المرتبطة بوسم "بوكستغرام" (Bookstagram) عتبة 83 مليون منشور بحلول نهاية عام 2022 2، بينما حققت قنوات شهيرة على يوتيوب، مثل قناة "بولاند باناناز بوكس" (polandbananasBOOKS) التي تديرها منشئة المحتوى كريستين ريتشيو، مئات الآلاف من المشتركين الذين يتابعون المراجعات الطويلة والمنوعة لمختلف التصنيفات الروائية.
على ضوء هذا التمازج الرقمي البصري، تحولت القراءة إلى هوية جمالية متكاملة يُشار إليها بـ "جماليات الكتب" (Book Aesthetic)؛ حيث يُنظر إلى الكتاب المطبوع بصفته تحفة فنية وقطعة ديكور تعزز من تميز المساحة الشخصية للقارئ. وبات القراء يشاركون صوراً ومقاطع فيديو منسقة بعناية، يعرضون فيها رفوف كتبهم المرتبة جغرافياً أو حسب تدرج الألوان، مستعينين بقطع إضافية كالشموع المعطرة والنباتات المنزلية والإضاءة الطبيعية لتهيئة أجواء قراءة مستوحاة من عوالم الفانتازيا أو الريف الهادئ.
وقد وجد هذا التوجه صدى كبيراً لدى فئة ديموغرافية نشطة؛ إذ إن نحو 50% من مستخدمي منصات القراءة الرقمية في الولايات المتحدة يقعون في الفئة العمرية بين 10 و29 عاماً، بينما تشكل الإناث نحو 61% من هذه القاعدة التفاعلية.
وتكشف الدراسات المقارنة أن هذه النزعة الجمالية تتجاوز الفروق الثقافية والجغرافية. ففي الهند، وعلى الرغم من تنوع صيغ القراءة بين النسخ المطبوعة والملفات الرقمية والكتب الصوتية لتفادي التكلفة العالية للكتب الورقية، يصر طلاب الجامعات والشباب على اقتناء الكتب المطبوعة متى ما سمحت ظروفهم المادية. ويعبر هؤلاء عن ارتباطهم الحسي برائحة الورق ومتعة تقليب الصفحات وسهولة تدوين الملاحظات اليدوية والتعليقات على الهوامش.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الحركية من ضغوط اجتماعية؛ إذ يقر بعض القراء الشباب بأن متابعة حسابات المؤثرين الذين يستعرضون قراءة عشرات الكتب شهرياً تولد لديهم شعوراً بالقلق والضغط لمواكبة هذه الوتيرة السريعة، مما يدفعهم أحياناً نحو تفضيل الكتب القصيرة أو السريعة لمجرد الحفاظ على حضورهم داخل المجتمع الرقمي.
إعادة صياغة أدوار دور النشر
أحدثت هذه الطفرة الرقمية تغييراً جذرياً في أساليب عمل وتوزيع دور النشر العالمية التي سارعت إلى تبني استراتيجيات تسويقية تتماشى مع لغة العصر الرقمي. فقد حلت الحملات الرقمية الموجهة والممولة عبر منصات التواصل محل الإعلانات الورقية التقليدية في الصحف والمجلات؛ لكونها أقل تكلفة وأوسع انتشاراً وأكثر دقة في استهداف القراء.
وكمثال على ذلك، أطلقت دار "بنغوين راندوم هاوس" حملة رقمية مخصصة لرواية "الليلة الماضية في نادي التلغراف"، أثمرت عن تضاعف مبيعات الرواية بسبعة أضعاف بفضل ربط العمل بصناع المحتوى المناسبين لجمهوره المستهدف. وبدأت دور النشر بتزويد المؤثرين بنسخ قراءة مبكرة ومجانية بهدف إيجاد زخم جماهيري حول العناوين الجديدة قبل صدورها الرسمي.
ولم يتوقف التغيير عند حدود التسويق، وانما طال البنية التصميمية والجمالية للمنتج المطبوع نفسه؛ إذ استجابت دور النشر لمتطلبات الصورة الرقمية عبر ابتكار إصدارات خاصة لهواة جمع الكتب تتميز بأغلفة فخمة، وعناوين بارزة ومذهبة، وحواف ملونة ومزخرفة لجذب عين المشاهد عبر الشاشة وتحويل الكتاب إلى قطعة فنية تليق بالعرض التمريري.
وبصورة موازية، نجحت هذه المجتمعات الرقمية في إعادة دمج المكتبات العامة في النسيج الثقافي للشباب بشكل لافت؛ إذ استخدم أمناء المكتبات وسوم "بوك توك" و"بوك تيوب" لإطلاق نوادي القراءة الكلاسيكية وتقريب الكتب الصعبة والتاريخية من عقول اليافعين.
ونتيجة لذلك، شهدت المكتبات العامة زيادة هائلة في حجز الكتب الورقية واستعارتها؛ حيث كشفت تقارير المكتبات الكندية أن الكتب ذات النسخ المحدودة الموصى بها في نوادي القراءة الرسمية المدعومة رقمياً شهدت قفزة في طلبات الحجز بنسبة 561% بين عامي 2019 و2022، في حين ارتفعت معدلات حجز الكتب غير محدودة النسخ بنسبة مذهلة بلغت 1,430%.
ويقدر مديرو بعض فروع المكتبات العامة بأن التوجهات الرقمية الشائعة باتت تتحكم في نحو 30% إلى 40% من حجم طلبيات الكتب الورقية المخصصة للمكتبات.
أما التحول الأكثر ثورية في الجانب التجاري واللوجستي، فيتمثل في الصعود المذهل لمتجر تيك توك "تيك توك شوب"(TikTok Shop)، الذي حقق مبيعات عالمية قياسية بلغت 33.2 مليار دولار في عام 2024، مدفوعاً ببيع ما يزيد على 59 مليون كتاب مطبوع.
ويعتمد هذا النموذج اللوجستي المبتكر على شراكة تقنية متكاملة مع موزعي الكتب الكبار مثل مجموعة "إنغرام" (Ingram) للمحتوى، ما يسمح لآلاف البائعين والمؤثرين بعرض ملايين العناوين الورقية وبيعها دون الحاجة لامتلاك مستودعات أو إدارة مخزون مادي.
وعند إتمام عملية الشراء من قِبل المستخدم، يتم شحن الكتاب وتوصيله للعميل مباشرة من مخازن الموزع الرئيسي، مما يوفر سرعة استجابة فائقة تتماشى مع شروط الشحن الصارمة للمنصة، ويحمي صغار المستثمرين والمؤلفين من المخاطر المالية المرتبطة بتخزين السلع وتكدسها.
التحديات الثقافية وتباين جغرافية التأثير
على الرغم من هذه الانتعاشة الاقتصادية الباهرة، تثير الهيمنة المتزايدة للخوارزميات الرقمية على ذائقة القراء نقاشات نقدية واسعة داخل الأوساط الثقافية. فمع تحول منصات التواصل إلى قنوات ترويجية وتجارية رئيسية، يبدي بعض النقاد تخوفهم من تراجع معايير التقييم الفني لصالح السعي وراء العائدات المالية. ويرى هؤلاء أن اتجاه منشئي المحتوى نحو المنشورات الممولة والروابط الربحية المشتركة قد يؤثر سلباً على مصداقية التوصيات، حيث قد تُمتدح بعض الأعمال بداعي المنفعة المادية المتبادلة وليس لقيمتها الفنية الحقيقية.
ويبرز في هذا الإطار التباين البنيوي بين المنصات؛ فبينما يركز مجتمع "بوك توك" على مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تتجاوز دقيقة واحدة وتعتمد بالأساس على الإثارة البصرية والمؤثرات الصوتية والمشاعر الفورية تجاه نهايات الروايات، يميل مجتمع "بوك تيوب" إلى تقديم مراجعات أعمق تحلل البناء الدرامي والأسلوب والعمق الموضوعي للشخصيات، مما يجعله أكثر تعبيراً عن التقييم الرصين والقيمة الأدبية بعيدة المدى.
كما تسبب هذا التركيز السريع لوسائل التواصل في ترسيخ ظاهرة "تصنيف الكتب وفق العناصر المكررة"(Tropeification)، حيث تدفع دور النشر باتجاه إنتاج وتصميم كتب تركز على صيغ وحبكات جاهزة ومرغوبة جماهيرياً مثل "رومانسية المافيا" أو "الأعداء الذين يتحولون إلى عشاق"، بأغلفة مسطحة ذات لون موحد ومصممة لتبدو جذابة في الفضاء الرقمي، وهو ما يراه البعض تسطيحاً للأدب على حساب القيمة الفكرية العميقة للنصوص.
وتتكامل هذه التحديات الفنية مع فجوات جغرافية وثقافية واضحة؛ فنظراً لكون المركز الرئيسي لتوجيه الخوارزميات وصناعة "التريندات" يقع في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فإن الكتب والروايات المكتوبة في بلدان أخرى تجد صعوبة بالغة في منافسة هذا الدفق الثقافي العابر للحدود.
ويشير المهتمون في السوق الأسترالية، على سبيل المثال، إلى أن سيطرة الكتب الأمريكية الرائجة دفعت بمؤلفات الكتاب المحليين الأستراليين إلى ذيل قوائم المبيعات الوطنية، ما استدعى إطلاق مسابقات ومبادرات محلية لتشجيع القراء على التفاعل مع الإنتاج الأدبي المحلي.
وفي العالم العربي، بدأ وسم "بوك توك" في الانتشار كأداة هامة لتشجيع القراءة وتسهيل وصول الأجيال الشابة إلى الكتب، إلا أن خبراء الشأن الثقافي ينبهون إلى ضرورة عدم حصر القراءة في قائمة محدودة من الأعمال المترجمة الأكثر مبيعاً عالمياً، والحرص على توجيه هذه المنصات الرقمية نحو تسليط الضوء على الإرث الأدبي العربي والإنتاج الفكري الجاد الذي يثري العقل ولا يكتفي بمداعبة المشاعر العابرة.
العلاقة بين الكلمة والشاشة
في المحصلة، يتبين أن مجتمعات القراءة الرقمية لم تكن معولاً لهدم الثقافة الورقية، حيث كانت طوق النجاة الذي أعاد صياغة طقوس القراءة بما يتوافق مع متطلبات العصر الرقمي. لقد نجحت منصات التواصل في إثبات أن شغف الإنسان بالقصص الورقية الملموسة يظل حاجة نفسية واجتماعية عميقة لا تلغيها الشاشات، بل تدعمها متى ما وُجهت بالشكل الصحيح.
ومن خلال تفعيل المزاوجة بين القيمة الأدبية والجمالية البصرية والحلول اللوجستية المتطورة، ضمنت هذه المنصات استمرار تدفق الحبر على الورق وبقاء الكتاب كجسر حي للتواصل الإنساني والمعرفي عبر الأجيال.


