بالتفصيل تداعيات الحرب على الشارع الأمريكي

: حيدر المنكوشي 2026-03-29 11:59

يكشف هذا التقرير عن الأبعاد المتعددة للتداعيات التي يعيشها المجتمع الأمريكي، بدءاً من الأزمة الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع التضخم وتراجع ثقة المستهلك، وصولاً إلى الانقسامات السياسية والاجتماعية العميقة التي أحدثتها الحرب.

يشهد الشارع الأمريكي تحولاً دراماتيكياً في الموقف من الحرب المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بعد مرور شهر على بدء النزاع. فبدلاً من التعزيز المعتاد للتأييد الشعبي الذي تشهده الحروب في أيامها الأولى، واجهت الإدارة الأمريكية موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية وتراجعاً حاداً في التأييد، مدفوعاً بارتفاع حاد في أسعار الوقود وتدهور الثقة الاقتصادية، إلى جانب مخاوف عميقة من الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد تشبه حربي العراق وأفغانستان.

المشهد الشعبي - أمريكا تحتج ضد الحرب

 شهدت أكثر من خمسين مدينة أمريكية، بما في ذلك نيويورك، سان فرانسيسكو، لوس أنجلوس، شيكاغو، وواشنطن العاصمة، مظاهرات حاشدة احتجاجاً على الحرب مع إيران. رفع المتظاهرون الأعلام الإيرانية ولافتات كتب عليها "أوقفوا الحرب على إيران" و"لا تتدخلوا في إيران"، مرددين هتافات مفادها أن "الخطر الأكبر على العالم اليوم هو ترامب وأمريكا".

قال أحد المحتجين، أنتوني برودنت، لصحيفة "نيويورك تايمز": "أنا لا أؤيد هذه الحرب. إنها لا تقصف المدنيين فحسب، بل تترك إيران في حالة دمار. لقد رأينا نفس المصير في العراق وأفغانستان، ورأينا الدمار في غزة".

Card image cap

انقسام حاد في الرأي العام

أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة انقلاباً واضحاً في التأييد الشعبي للحرب:

- 43% من الأمريكيين يعارضون الحرب، مقابل 27 %فقط يؤيدونها (الباقي غير متأكد).

- تجاوزت نسبة عدم الرضا عن كيفية تعامل ترامب مع الأزمة 60%.

- أغلبية واضحة من الأمريكيين يعتقدون الآن أن قرار خوض الحرب كان خطأً.

ما يثير القلق بشكل خاص هو أن المعارضة للحرب تمتد إلى الناخبين المستقلين الذين عادةً ما يحددون نتائج الانتخابات الحاسمة - بأغلبية ساحقة.

"هل ستتمكن أمريكا من تجاوز هذه المحنة دون أن تفكك نسيجها الاجتماعي والسياسي؟"

الجغرافيا الديموغرافية للاحتجاجات

تتركز المظاهرات المناهضة للحرب بشكل رئيسي في:

- المناطق الساحلية الكبرى: نيويورك، واشنطن، سان فرانسيسكو، شيكاغو، لوس أنجلوس.

- المدن الجامعية: آن آربر (ميشيغان)، بوسطن (ماساتشوستس)، حيث يتزعم الشباب من جيل Z والألفية حركة الاحتجاج.

- الجاليات المسلمة والإيرانية الأمريكية: في مدن مثل هيوستن، ديترويت، ولوس أنجلوس.

التداعيات الاقتصادية - معركة تضخم وغلاء

شكل ارتفاع أسعار الوقود أبرز أعراض الأزمة التي تمس حياة الأمريكيين اليومية:

- متوسط سعر الغالون من البنزين كان 2.90 دولار ليصل الى 3.88 - 3.98 دولار بمعدل ارتفاع 34%

- خام برنت كان 75-80 دولاراً ليصل 114-120 دولاراً (بلغ 150$ في بعض الأوقات) بمعدل ارتفاع 60%

وهذا الارتفاع هو الأكبر خلال 20 يوماً منذ إعصار كاترينا عام 2005 وقد تجاوزت الأسعار في كاليفورنيا وواشنطن 5 دولارات للغالون الواحد.

مخاوف التضخم وعودة "الركود التضخمي"

أطلق جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جرس الإنذار محذراً من أن "ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع التضخم العام إلى الارتفاع"، معرباً عن قلقه العميق إزاء "مستوى خلق الوظائف المنخفض للغاية".

تشير تقديرات "أوكسفورد إيكونوميكس" إلى أن:

- ارتفاع أسعار النفط سيوسع الفجوة بين المستهلكين ذوي الدخل المرتفع والمنخفض.

- كلما طال أمد النزاع العسكري، زاد الضغط على الأسر الأمريكية بسبب الأسعار المرتفعة.

"حصل ترامب على تأجيل طبي خلال حرب فيتنام بسبب "نتوءات عظمية" في كعب قدمه عام 1960"

 شبح التجنيد الإجباري - هل يُستدعى أبناؤنا؟

في مقابلة لها على قناة فوكس نيوز، رفضت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، استبعاد إمكانية فرض التجنيد الإجباري في الحرب مع إيران بشكل قاطع. وعندما سألتها المذيعة ماريا بارتيرومو: "الأمهات قلقات من أننا سنشهد تجنيداً إجبارياً، وأنهن سيرين أبناءهن وبناتهن يشاركون في هذا الأمر"، ردت ليفيت: "الرئيس ترامب لا يرفع الخيارات عن الطاولة بحكمة. هذا ليس جزءاً من الخطة الحالية، لكن الرئيس، مرة أخرى، يبقي خياراته على الطاولة بحكمة".

واشار السيناتور الديمقراطي جون فترمان لصحيفة "ديلي ميل": "الخط الأحمر بالنسبة لي هو عدم وجود قوات أمريكية على الأرض في إيران".

وطالب عدد من الأهالي ارسال بارون ترامب نجل الرئيس ترامب والبالغ من العمر 19 عاما الى الحرب وتصاعد القلق بين الأسر الأمريكية، خاصة الأمهات، بعد التصريحات الرسمية. علّق أحد مستخدمي منصة X قائلاً:

"هذا يجب أن يكون نداء اليقظة الأخير لكل والد صوت لترامب. لقد حملوا حملاتهم على طاولة مطبخك، والآن يريدون أطفالك، ليس ابني، ليس ابنتي. "

استعاد العديد من الأمريكيين ذاكرة كيفية تجنب ترامب للتجنيد خلال حرب فيتنام. فقد حصل ترامب على تأجيل طبي بسبب "نتوءات عظمية" في كعب قدمه عام 1968، وهو أمر أثار جدلاً واسعاً على مر السنين.

Card image cap

المجتمع المنقسم - المسلمون الأمريكيون بين المطرقة والسندان

بالنسبة لنحو 3.5 مليون مسلم في أمريكا بما في ذلك جالية إيرانية أمريكية كبيرة، فإن الحرب على إيران تمثل اختباراً وجودياً يصل في أسوأ وقت ممكن - تحت ظل حركة شعبوية يمينية جعلت من حرب الحضارات مبدأها التنظيمي ومن "الآخر الديني" عدواً مفضلاً. هذه المعضلة الأخلاقية نفسها التي طاردت العراقيين الأمريكيين في 2003 والسوريين الأمريكيين بعد عقد من الزمان: كيف تعارض حكومة مستبدة دون أن تصفق للصواريخ الأجنبية التي تسقط على أسطح منازل أقاربك؟

وأعربت شخصيات إعلامية محافظة بارزة مثل تاكر كارلسون و ميغين كيلي عن معارضتها الصاخبة للحرب مع إيران، محذرة من مغبة الانزلاق إلى مستنقع جديد في الشرق الأوسط.

التداعيات الانتخابية

انخفضت نسبة تأييد ترامب إلى أدنى مستوى لها منذ عودته إلى البيت الأبيض، وفقاً لاستطلاع أجرته رويترز، حيث يخسر الرئيس الجمهوري بسبب ارتفاع أسعار الوقود واستياء الجمهور من الحرب. يواجه الحزب الجمهوري معركة صعبة للحفاظ على أغلبيته الضئيلة في الكونغرس في انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر.

ذاكرة الحروب السابقة

القلق المنتشر في أمريكا اليوم ليس مجرد رد فعل على القتال الدائر. الأمريكيون لا يستجيبون ببساطة لاندلاع القتال - إنهم قلقون بشدة مما سيأتي بعد ذلك ذكريات العراق وأفغانستان لم تتلاش، وهناك إحجام واسع وعميق عن التعثر في صراع آخر طويل الأمد في الشرق الأوسط. مجرد اقتراح إمكانية نشر قوات برية أثار ذعر الناخبين الذين يخشون أن تتصاعد عملية محدودة إلى شيء أكبر بكثير وأكثر تكلفة.

حيث يصف الباحثون المشهد النفسي الحالي بأنه "تعب من الحرب" جذوره عميقة وصلبة، متجذرة في عدم الرضا عن الوضع الاقتصادي الحالي، وعدم الثقة في النخبة السياسية، وصدمة عشرين عاماً من الحروب التي لا نهاية لها. بالنسبة لأي إدارة أمريكية، فإن شن حرب على إيران، من الناحية السياسية المحلية، هو انتحار سياسي محتمل.

أمريكا على مفترق طرق

تقف الولايات المتحدة اليوم أمام واقع جديد لم تشهده منذ عقود: حرب لا تحظى بتأييد شعبي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمات تضخمية وتراجع في الثقة، ومجتمع منقسم بشدة بين مؤيد ومعارض، وحزب حاكم يعاني من شرخ داخلي.

إن التداعيات على الشارع الأمريكي تتجاوز بكثير أسعار البنزين المرتفعة أو حتى الخسائر البشرية. إنها تشمل تآكل الثقة في المؤسسات بين فضيحة التداول من الداخل واستبعاد إمكانية التجنيد ، وإعادة إحياء الصدمات الجماعية من حروب الشرق الأوسط السابقة، واختباراً وجودياً للمجتمعات المسلمة التي تجد نفسها مرة أخرى تحت مجهر الشك.

مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر، ومع استمرار عدم اليقين بشأن مدة الحرب ومداها، يبقى السؤال الأكبر: هل ستتمكن أمريكا من تجاوز هذه المحنة دون أن تفكك نسيجها الاجتماعي والسياسي؟

يبدو أن الدروس المستفادة من فيتنام والعراق لم تُستوعب بالكامل بعد، أو أن الجروح لم تندمل بما يكفي لمنع تكرار المأساة.


المصادرعدد من الوكالات الخبرية الدولية

العودة إلى الأعلى