وصايا امير المؤمنين علي عليه السلام منهاج حياة لا تنتهي صلاحيته

2026-06-03 13:09

صباح الطالقاني

قبسٌ من نور كتاب الله العزيز وليست وصايا من وصي رسول الله صلى الله عليه وآله فحسب، تلك هي الكلمات التي نطقَ بها امير المؤمنين علي عليه السلام خلال ايام حياته الشريفة وخصّ بها اصحابه الميامين.

ورغم ان التاريخ لمَن يقرأ مليء بمآثر الكلام لسيد البلغاء ووصي رسول الله إلا انني آثرتُ التوقف عند كلمات نورانية قدّمها على طبق من ذهب لصاحبهِ المخلص الجليل كميل ابن زياد رضوان الله عليه.

ومع ان تلك الوصايا تجاوزت بأبوابها الثلاثين باباً إلا انه لا يسعنا مع عِظَم معانيها سوى التوقف على اليسير منها، وبالخصوص الوصايا التي نحنُ اليوم بأمسّ الحاجة لا ستذكارها، واتخاذها بوصلةً في اوقات المحِن والفِتن التي تمرّ بها الامة الاسلامية في حاضرها.

نقلَ تلك الوصايا سعيد بن زيد بن أرطاة والذي قال، لقيتُ كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أخبرك بوصية أوصاني بها يوماً هي خير لك من الدنيا بما فيها؟

فقلتُ: بلى. فقال: أوصاني يوماً فقال:

يا كميل ابن زياد سمِّ كل يوم باسمِ الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وتوكّل على الله

واذكرنا وسمِّ بأسمائنا، وصلِّ علينا واستعِذ بالله ربنا

وادرأ بذلك عن نفسك وما تحوطه عنايتك، تكفَ شر ذلك اليوم إن شاء الله.

يا كميل إن رسول الله صلى الله عليه وآله أدبّهُ الله عز وجل، وهو أدّبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين.

يا كميل ما مِن عِلم إلا وأنا أفتحه وما من سرّ إلا والقائم عليه السلام يختمه.

يا كميل لا تأخُذ إلا عنّا، تكُن منّا.

يا كميل البركة في المال من إيتاء الزكاة ومواساة المؤمنين، وصلة الأقربين وهم الأقربون لنا.

يا كميل حُسن خُلُق المؤمن من التواضع، وجماله التعفف، وشرفه الشفقة، وعزّهُ ترك القال والقيل

يا كميل جانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين.

يا كميل لا بأس بأن لا يُعلم سِرُّك.

يا كميل لا تُرينَّ الناس افتقارك واضطرارك، واصطبر عليه احتساباً بعزٍ وتستُّر.

يا كميل قُل عند كل شدة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم تكفِها. وقل عند كل نعمة الحمد لله تزد منها. وإذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر الله يوسع عليك فيها.

يا كميل إذا وسوس الشيطان في صدرك فقل: أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمد الرضي من شرّ ما قدر وقضى، وأعوذ بإله الناس من شر الجنة والناس أجمعين. تكفي مؤونة إبليس والشياطين...

يا كميل إنما تستحق أن تكون مستقرّاً إذا لزمتَ الجادّة الواضحة التي لا تُخرجك إلى عوج ولا تزيلك عن منهج ما حملناك عليه وما هديناك إليه.

يا كميل إن اللسان يبوح من القلب والقلب يقوم بالغذاء، فانظر فيما تغذّي قلبك وجسمك، فإن لم يكن ذلك حلالاً، لم يقبل الله تعالى تسبيحك ولا شكرك.

يا كميل قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي قولاً والمهاجرين والأنصار متوافرون يوماً بعد العصر يوم النصف من شهر رمضان، قائم على قدميه فوق منبره: عليّ [منّي] وابناي منه، والطيبون منّي وأنا منهم وهم الطيبون بعد أمّهم، وهم سفينة من ركبها نجى ومن تخلّف عنها هوى، الناجي في الجنة والهاوي في لَظى.

ان هذه الوصايا الثمينة تشهد عمق مدرسة أمير المؤمنين علي عليه السلام في تهذيب النفس، وبناء الإنسان المؤمن عقيدةً وسلوكاً، فهي تجمع بين التوحيد والذكر، والأخلاق والمعاملة، والحذَر من الفِتن، والثبات على ولاية أهل البيت عليهم السلام.

لذلك تبقى هاديةً للأجيال، وبوصلةً روحيةً في أزمنة الشدّة، ومنهاجاً عملياً لا تنقضي صلاحيته، ما دام الإنسان يطلب الهداية ويستلهم منها دروس النجاة والاستقامة..

فسلامٌ على امير المؤمنين يوم وُلد في أقدس بقعة في الارض وسلامٌ عليه حين استُشهد في بيت الله، وحين يُبعثُ حيّاً ليسقي محبّيه ومواليه من حوض الكوثر، مثل ما قال له رسول الله صلى الله عليه وآله" يا علي انت قسيم الجنة والنار، وانت صاحب حوضي يوم القيامة".


العودة إلى الأعلى