مخاطر استهداف منشآت الطاقة النووية في الشرق الأوسط

: اسرة التحرير 2026-03-23 10:04

يمثل استهداف المنشآت النووية في الشرق الأوسط سيناريو كارثياً يتجاوز بكثير حدود الصراع العسكري التقليدي. فمع تصاعد الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تحولت المنشآت النووية من منشآت محمية بموجب القانون الدولي إلى أهداف عسكرية محتملة.

يحذر هذا التقرير من أن أي هجوم على هذه المنشآت - سواء كانت مفاعلات تشغيلية أو منشآت تخصيب - قد يؤدي إلى كارثة إشعاعية تمتد آثارها لعقود، وتطال ملايين البشر في المنطقة وخارجها، وتسبب أضراراً بيئية واقتصادية وصحية لا يمكن إصلاحها بسهولة.


أولاً: المنشآت النووية في المنطقة - أهداف في مرمى النيران

تمتلك دول الخليج وإيران وإسرائيل منشآت نووية متعددة، بعضها قيد التشغيل الفعلي، مما يجعل المنطقة بأكملها عرضة لخطر كارثة إشعاعية في حال تعرض أي من هذه المنشآت لهجوم وجميع هذه المنشآت معرضة للهجوم وفي مرمى النيران للأطراف المتنازعة.


ثانياً: السيناريوهات الكارثية - ماذا يحدث عند استهداف منشأة نووية؟

1 مفاعل بوشهر: قنبلة موقوتة على شاطئ الخليج

يعد مفاعل بوشهر الإيراني أخطر الأهداف على الإطلاق. حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي مجلس الأمن الدولي من أن استهداف هذا المفاعل - حتى لو كان استهداف خطوط الطاقة المغذية له - قد يؤدي إلى كارثة نووية  حيث يحتوي المفاعل على آلاف الكيلوغرامات من الوقود النووي. أي اختراق للقلب النووي أو فقدان أنظمة التبريد سيؤدي إلى انصهار الوقود وارتفاع هائل في درجة الحرارة و سيؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة جداً من الإشعاع.

امتداد جغرافي واسع: في أسوأ السيناريوهات، ستمتد المنطقة المتضررة لمئات الكيلومترات من موقع المفاعل، لتشمل مراكز سكانية كبرى في دول الخليج العربي، ما يستدعي عمليات إخلاء طارئة، وقيوداً على الغذاء، وتوزيع اليود للوقاية من التعرض للإشعاع .

.2 منشآت التخصيب: تسرب المواد المشعة والتلوث البيئي

استهداف منشآت مثل نطنز أو فوردو - رغم أنها ليست مفاعلات قيد التشغيل - يحمل مخاطر جسيمة أيضاً. هذه المنشآت تحتوي على مخزونات كبيرة من غاز سادس فلوريد اليورانيوم (UF6) ومواد مشعة أخرى.

المخاطر:

تسرب الغازات السامة: تعرض طوابير الطرد المركزي للتدمير قد يؤدي إلى تسرب غاز سادس فلوريد اليورانيوم، وهو غاز شديد السمية والتفاعل.

تلوث التربة والمياه الجوفية: قد يؤدي التدمير إلى تلوث إشعاعي للتربة والمياه يستمر لعقود.

تشتيت المواد النووية: قد يؤدي القصف إلى تطاير جزيئات مشعة في الهواء، ملوثة مناطق واسعة.

تحذير الوكالة الدولية: أكد غروسي أن "أي هجوم على أي منشأة نووية يجب تجنبه دائماً"، مشيراً إلى أن الوكالة لديها إرشادات واضحة للعمل في حال حدوث تسرب إشعاعي، بما في ذلك إمكانية إخلاء مناطق بحجم مدن كبرى .

  3- الهجمات على منشآت الطاقة والمياه في دول الخليج

لا تقتصر المخاطر على المنشآت النووية وحدها. التهديد الإيراني باستهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه في دول الخليج يحمل تداعيات إنسانية وبيئية كارثية.

التهديدات المحددة:

محطات التحلية: تعتمد دول الخليج بشكل شبه كامل على تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب. استهداف هذه المحطات سيؤدي إلى حرمان ملايين البشر من المياه النظيفة .

مفاعل براكة الإماراتي: تم تسميته صراحة في القائمة الإيرانية كهدف محتمل. المفاعل يقع في منطقة الظفرة، على بعد 53 كيلومتراً من مدينة الرويس، ويوفر 25% من طاقة الإمارات .

تكامل المخاطر: صرح مسؤولون أن "الخطر على محطات الطاقة والمياه في الخليج متزايد، حيث أصبحت الطاقة والمياه والضغوط الجيوسياسية متشابكة بشكل متزايد" .


ثالثاً: التداعيات الصحية والإنسانية - جيل كامل من المعاناة

.1 تحذيرات منظمة الصحة العالمية (WHO)

وصفت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، حنان بلخي، السيناريو النووي بأنه "أسوأ سيناريو ممكن" وأعربت عن قلقها العميق قائلة:

"بقدر ما نستعد، لا يوجد شيء يمكن أن يمنع الضرر الذي سيحدث... في المنطقة - وعالمياً إذا حدث هذا في النهاية - والعواقب ستستمر لعقود."

وأشارت بلخي إلى دروس التاريخ من كارثة تشيرنوبيل عام 1986 ومن قصف هيروشيما وناغازاكي عام 1945، محذرة من أن تشيرنوبيل تسببت رسمياً في 30 وفاة في الأشهر الأولى، لكن آثارها استمرت لعقود مع ارتفاع في حالات السرطان والقلق النفسي بين السكان. و قُدر عدد الضحايا هيروشيما وناغازاكي في اليابان بين 110,000 و 210,000 شخص .

.2 التأثيرات الصحية المباشرة والطويلة الأمد

المتاعب الحادة ومتلازمة الإشعاع الحادة (ARS) تؤدي إلى غثيان، قيء، تساقط الشعر، فشل الأعضاء، والوفاة في غضون أيام أو أسابيع. وارتفاع حاد في معدلات الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان، خاصة سرطان الغدة الدرقية واللوكيميا وكذلك زيادة خطر التشوهات الخلقية بين الأطفال المولودين في المناطق الملوثة بالإضافة الى الاضطرابات النفسية وقلق مزمن، اكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بين الناجين وهنالك احتمالية تأثير الإشعاع على المادة الوراثية للأجيال القادمة

3 تحذيرات اليونيسف: خسائر فادحة في صفوف الأطفال في سياق متصل، كشف تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أن التصعيد الأخير في المنطقة أدى إلى "مقتل أو إصابة ما يعادل فصل دراسي كامل من الأطفال يومياً" . هذا يعكس حجم المعاناة الإنسانية التي قد تتضاعف بشكل هائل في حال وقوع حادث نووي.


رابعاً: تداعيات جيوسياسية واستراتيجية - انهيار النظام النووي العالمي

.1 انهيار الأعراف والقوانين الدولية

تمثل استهداف المنشآت النووية في الصراع الحالي انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني والأعراف المتبعة منذ عقود.

القوانين المنتهكة:

اتفاقيات جنيف: تحظر صراحة استهداف المنشآت التي تحتوي على مواد خطرة قد تسبب خسائر فادحة في صفوف المدنيين.

اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية: تفرض التزامات على الدول بحماية المنشآت النووية.

توجيهات الوكالة الدولية للطاقة الذرية: تؤكد أن الهجمات المسلحة على المنشآت النووية "لا ينبغي أن تحدث أبداً" لأنها "قد تؤدي إلى إطلاق إشعاعي بعواقب وخيمة داخل وخارج حدود الدولة التي تعرضت للهجوم" .

.2 إنذار من تكرار نموذج زابوريجيا

يحذر محللون من أن ما يحدث في الشرق الأوسط يعكس الانتهاكات التي شهدها العالم في محطة زابوريجيا للطاقة النووية في أوكرانيا، التي احتلتها القوات الروسية منذ مارس 2022. فقد أصبحت المحطة الأوروبية الكبرى "رهينة نووية"، واعتمدت على خط كهرباء واحد فقط بدلاً من عشرة خطوط كانت متاحة قبل الحرب .

.3 خطر استخدام الأسلحة النووية

أثار مستشار الذكاء الاصطناعي للرئيس ترامب، ديفيد ساكس، تحذيراً خطيراً بشأن احتمال لجوء إسرائيل إلى استخدام سلاح نووي إذا شعرت بأن وجودها مهدد:

"إسرائيل يمكن أن تُدمّر بشكل خطير... ثم عليك أن تقلق بشأن تصعيد إسرائيل للحرب من خلال التفكير في استخدام سلاح نووي."

خامسا: التداعيات الاقتصادية الإقليمية والعالمية

  تعطيل إمدادات الطاقة العالمية

استهداف محطات الطاقة وتحلية المياه في الخليج سيؤدي إلى:

- ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز: سبق أن أدت التوترات في مضيق هرمز إلى ارتفاع الأسعار بشكل قياسي .

- أزمة مياه حادة في دول الخليج: تعتمد دول المنطقة بنسبة تصل إلى 90% على تحلية المياه، واستهداف هذه المحطات سيؤدي إلى شلل الحياة المدنية.

- تأثير مضاعف على الأسواق العالمية: تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن 45 مليون شخص قد يواجهون مستويات شديدة من الجوع إذا استمرت الحرب وارتفعت أسعار الوقود .

في حال وقوع كارثة نووية، ستكون تكاليف التعافي هائلة:

إخلاء وتهجير: قد يحتاج مئات الآلاف إلى الإخلاء الدائم من مناطق ملوثة.

تطهير التربة والمياه: عملية تستغرق عقوداً وتكلف مليارات الدولارات (قياساً على تشيرنوبيل وفوكوشيما).

تعويضات للضحايا: ستدفع الحكومات والمؤسسات الدولية تعويضات ضخمة للمتضررين.

خسائر اقتصادية كلية: تقدر بمئات المليارات من الدولارات من الإنتاج المفقود والبنية التحتية المدمرة.


المصادر:

  • تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)
  • منظمة الصحة العالمية (WHO)
  • وكالات صحفية دولية



العودة إلى الأعلى