النقرس .. مرض قديم يعود بقوة في زمن العادات الغذائية الخاطئة

: فاطمة حميد 2026-03-11 09:10


لم يعد الألم المفاجئ في مفصل إصبع القدم الكبير مجرد عرض عابر يمكن تجاهله. ففي كثير من الحالات يكون هذا الألم الحارق، الذي يوقظ صاحبه ليلاً ويمنعه من الحركة، إشارة واضحة إلى الإصابة بداء النقرس، أحد أكثر أمراض المفاصل إيلاماً وانتشاراً في العصر الحديث.


هذا المرض الذي عُرف تاريخياً باسم “داء الملوك” أو “مرض الأغنياء” بسبب ارتباطه قديماً بالإفراط في تناول اللحوم والأطعمة الدسمة، لم يعد اليوم مقتصراً على طبقة معينة. فمع تغير أنماط الحياة وانتشار الوجبات السريعة وقلة النشاط البدني، بات النقرس يهدد شريحة واسعة من الناس.


النقرس… عندما تتحول المفاصل إلى ساحة التهاب


طبياً، يحدث النقرس نتيجة ارتفاع مستوى حمض اليوريك في الدم، وهو ناتج طبيعي لتحلل مواد تسمى البيورينات الموجودة في بعض الأطعمة ويصنعها الجسم أيضاً بشكل طبيعي.


لكن المشكلة تبدأ عندما يفشل الجسم في التخلص من هذا الحمض عبر الكلى بالسرعة الكافية، فيرتفع تركيزه في الدم، ويتحول تدريجياً إلى بلورات دقيقة حادة تترسب داخل المفاصل والأنسجة المحيطة بها. هذه البلورات تشعل استجابة التهابية قوية في الجسم، فتندلع نوبة النقرس بألمها الشديد والمفاجئ.


نوبات مفاجئة… وألم لا يُحتمل


تُعرف نوبات النقرس بأنها تأتي بشكل مفاجئ وغالباً في ساعات الليل، حيث يستيقظ المريض على ألم شديد في المفصل المصاب، ويكون في الغالب مفصل إصبع القدم الكبير، لكنه قد يصيب الكاحل أو الركبة أو الرسغ.


ومن أبرز الأعراض التي ترافق النوبة:

 • ألم حاد يصل إلى ذروته خلال ساعات.

 • تورم واضح في المفصل المصاب.

 • احمرار وسخونة في المنطقة الملتهبة.

 • حساسية شديدة للمس، حتى أن ملامسة الغطاء قد تصبح مؤلمة.

 • صعوبة في الحركة نتيجة شدة الالتهاب.


أنماط الحياة الحديثة تزيد الخطر


يرى مختصون أن انتشار النقرس في السنوات الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بأنماط الحياة المعاصرة. فالإفراط في تناول اللحوم الحمراء والأحشاء الحيوانية والمأكولات البحرية، إضافة إلى المشروبات الغازية والعصائر المحلاة، يرفع مستويات حمض اليوريك في الجسم.


كما تلعب السمنة وقلة النشاط البدني دوراً كبيراً في زيادة احتمالية الإصابة، فضلاً عن عوامل أخرى مثل الاستعداد الوراثي وبعض الأمراض المزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الكلى.


السيطرة ممكنة… إذا تغيرت العادات


رغم الألم الشديد الذي يسببه النقرس، إلا أن السيطرة عليه ممكنة إلى حد كبير إذا التزم المريض بتعليمات طبية واضحة، تبدأ بتغيير نمط الحياة قبل أي شيء آخر.


وينصح الأطباء بضرورة:

 • التقليل من الأطعمة الغنية بالبيورينات مثل اللحوم الحمراء والكبد والمأكولات البحرية.

 • الإكثار من الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة.

 • شرب كميات كافية من الماء لمساعدة الكلى على التخلص من حمض اليوريك.

 • الحفاظ على وزن صحي وممارسة النشاط البدني بانتظام.

 • الالتزام بالعلاج الدوائي الذي يصفه الطبيب لتخفيف الالتهاب وخفض مستوى حمض اليوريك.


الوقاية… أسلوب حياة قبل أن تكون علاجاً


اللافت أن كثيراً من النصائح الطبية الحديثة تتقاطع مع مبادئ صحية دعا إليها الإسلام منذ قرون، وفي مقدمتها الاعتدال في الطعام والشراب وتجنب الإسراف.


فالإفراط في الطعام، خصوصاً اللحوم، يعد من أبرز العوامل التي ترفع خطر الإصابة بالنقرس، بينما يساعد شرب الماء بانتظام والحركة والنشاط البدني على دعم وظائف الكلى وصحة المفاصل.

يبقى داء النقرس مرضاً مؤلماً لكنه ليس قدراً محتوماً. فبقدر ما يرتبط ظهوره بالعادات اليومية، فإن السيطرة عليه تعتمد أيضاً على تغيير تلك العادات.



العودة إلى الأعلى