"الصيام المعنوي جوهر العلاقة بين العبد والله"
جاء في خطبة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في استقبال شهر رمضان: "واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم..."
وجاء في عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وجلدك وشعرك."
كما جاء في الصحيفة السجادية عن الإمام زين العابدين عليه السلام في دعائه عند دخول شهر رمضان: "وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك واستعملنا فيه بما يرضيك، حتى لا نصغي بأسماعنا إلى لغو ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، ولا نبسط أيدينا إلى محظور ولا نخطو بأقدامنا إلى محجور، وحتى لا تعي بطوننا الا ما أحللت ولا تنطق ألسنتنا إلا ما قلت، ولا نتكلف إلا ما يدني من ثوابك ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابك، ثم خلص ذلك كله من رياء المرائين وسمعة المستمعين، ولا نشرك فيه أحدا دونك ولا نبتغى به مرادا سواك."
وقال الصادق عليه السلام أيضًا: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وفرجك ولسانك وتغض بصرك عما لا يحل النظر إليه والسمع عما لا يحل استماعه إليه واللسان من الكذب والفحش."
فاعلم يرحمك الله ان الصوم حجاب ضربه الله عز وجل على الألسن والأسماع والأبصار وسائر الجوارح، ... وقد جعل الله على كل جارحة حقا للصيام، فمن أدى حقها كان صائما ومن ترك شيئا منها نقص من فضل صومه بحسب ما ترك منها. (جامع أحاديث الشيعة للسيد حسن البروجردي الجزء : 9 صفحة : 242))
إن التمعن في هذه الأحاديث الشريفة وغيرها مما وصلنا من منابع حكمة أهل البيت عليهم السلام يلفت نظرنا وقلبنا وعقلنا إلى حقيقةٍ يغفل عنها الكثيرون ويستخفّون بأهمّيتها، ألا وهي مسألة الصوم المعنويّ، فالصوم في حساباتنا الإسلامية صومان، ماديّ يشمل الجسم وجوارحه، ومعنوي يشمل القلب ومفاتحه، وكما أن الإنسان جسم وروح، مادة ومعنى، كذا هو الصوم الذي يخاطبه كلّه...
وليس الصوم بهذا المعنى استثناءً عن سائر العبادات الإسلامية، فالصلاة والزكاة والحج والخمس وكل عملٍ يقوم به الإنسان ابتغاء وجه الله تتشارك فيه المادة والمعنى، ويقوم به الجسم لترتقي به الروح، فإذا كل حركةٍ يأتي بها الجسم تنعكس سلبًا أو إيجابًا على نفسه وروحه، ومنها العبادات... التي يحرص ديننا الحنيف على الجانب الروحي فيها، ويأتي الصيام في مقدمتها، لأنه أرقى مدرسة روحية ونفسية يمكن أن يحظى بها الإنسان في حياته، على تنوع شخصيات البشر وقدراتهم واستعداداتهم لتقبل التربية الروحية البنّاءة.
ذلك أن الصيام كما يوضح نبينا وأهل بيته عليهم السلام فريضة واجبة على كل من يستطيعه، وهو ليس امتناعًا عن الطعام والشراب والملذات الدنيوية لفترة زمنية محددة كما هو ظاهر، بل هو شروط لا بد من توفرها، وليس الامتناع عن هذه المباحات إلا جزءًا منها يساعد على وضع حجر الأساس، أما تتمة البناء فهو تهذيب النفس بمنعها عن المعاصي كلها، تلك المعاصي التي قد يستخف بها فاعلها في مواقيت أخرى، وربما يقوم بها ثم يستغفر عنها، لكنه في شهر الصيام ممنوع أن يمسّها، لأنها مفطرة كما الطعام والشراب، مفسدة للصوم موجبة لغضب الرب.
والملفت هنا أن شهر الصيام الذي هو شهر الرحمة والمغفرة، وصفه النبي (ص) بأنه "شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم..." فإن نبينا العظيم ينبئنا بميزات الصيام في هذا الشهر، وبما نجنيه من خلاله من الخير والبركة والارتقاء في سلم تهذيب النفس وتنقيتها من الشوائب، وهي متّجهة إلى بارئها خالصة أعمالها لوجهه الكريم، لكن ذلك مشروط بأن نحسن أداء صيامنا، وقد كان تركيز النبي في خطبته على جانب الثواب والأجر، كما تطرّق إلى شروط الصيام المعنوي، وترك تفسيرها وتوضيحها للأحاديث اللاحقة، ولعل مفتاح ذلك التفسير كان جوابه لأمير المؤمنين عليه السلام حينما سأله في نهاية الخطبة: "يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟" فقال: "يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل..."
وهنا بيت القصيد في الصيام المعنوي، الذي هو الهدف الحقيقي من الصيام، ولعله سبب تكريم هذه العبادة حتى جعلها الله له خاصة حين قال: "كل عمل ابن آدم هو له غير الصيام، هو لي وأنا أجزي به." (الخصال - الشيخ الصدوق - ص 45)...
إن التمعن في شروط الصيام وآثاره على الإنسان يمكن أن يفسر لنا سبب اختصاص الله عز وجل نفسَه القدسية بهذه العبادة الاستثنائية، فالصيام هو عنوان انصياع الإنسان وامتثاله لإرادة الله عز وجل، فهو يمتنع عن المباح من طعام وشراب وغيره ليواسي المحرومين ويتذكر قدرة الله عليه ونعمته، وما هو إليه صائر حين يصير إليه محرومًا من كل الملذات الدنيوية، فتصغر الدنيا في عينه، وهو كذلك يمتنع عن المحرمات من غيبة ونميمة ونظرٍ حرام وسمع حرام وظلمٍ للعباد وو... وهي أمور حرمها الله في كل وقت، لكنه جعلها مبطلة للصيام خاصة ومفسدة له، وذلك لأن الإنسان حين يرتبط المادي عنده بالمعنوي يصبح أكبر أثرًا في نفسه وتذكّرًا لعظيم جرمه، فمن منا يرضى بأن يصوم يومًا بكامله ممتنعًا عن كل ما لذ وطاب، ثم يفسد صيامه بغيبةٍ ما، فلا يكون له من صيامه إلا الجوع والعطش؟...
إن الصيام مدرسة أخلاقية لا مثيل لها، فالصائم يمتنع عن المباح والحرام في السر والعلن، وفي هذه الرقابة الذاتية تقوية وتمكين لعنصر الإرادة والعلاقة الخالصة مع الله، فأنت في وحدتك لا يراك سوى الله، لكنك لن تأكل ولن تشرب ولن تعصي الله... وهذه الخصال هي زبدة عمل المؤمن وخلاصة تقواه، وهي الورع عن محارم الله كما ذكر النبي (ص) في خطبته...
والشاهد أن النبي لم يجعل أفضل الأعمال تلاوة القرآن الكريم مثلًا، على عظيم أجرها وأثرها، ولا الصلوات المستحبة رغم أهميتها في بناء النفس والعلاقة مع الله، ولا الأدعية العظيمة التي وردتنا عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، والتي تختزل التربية الروحية بأرقى معانيها، بل كان الجواب: "الورع عن محارم الله"، ذلك أن الورع هو جوهر الصيام، فلا تلاوة القرآن الكريم ولا الصلوات المستحبة ولا الأدعية الخاشعة تنفعنا إن لم نتورع عن محارم الله، والورع هو ترك الشبهات والأمور المشتبه فيها خشية الوقوع في الحرام، وهو أعلى درجات التقوى والتحرج من الآثام... ولذا فإن عملنا لا يكون مقبولًا إلا بالامتناع عما حرم الله مطلقًا، وبالامتناع عما أباحه أيضًا في حدود الوقت المسموح به، حتى نصل إلى درجة الورع، فنمتنع عما فيه شبهة أيضًا، وبذلك يكتمل الصيام ويرتضيه لنا الله عبادةً خالصة لوجهه الكريم، يجزينا به أحسن الجزاء.
إن الصيام هو المدرسة التي إن تخرّجنا منها ناجحين، كانت لنا درعًا يقينا من مفاسد الدنيا ومغرياتها، فهو باشتماله على الجانبين المادي والمعنوي للإنسان، وبربطه بينهما وتنسيقه لعملهما وتهذيبه للجوارح كلها، يجعل النفس البشرية المتطهرة من الأدران في شهر رمضان، جاهزة لاستقبال عامٍ من الخير والعطاء وطاعة الله في كل الأوقات، فتنسحب بركات الصيام ونتائجه الإيجابية البناءة للنفس البشرية على عمر الإنسان كله، لا على شهر من سنته فحسب.
جعلنا الله وإياكم من الصائمين القائمين الورعين المتّقين، وألهمنا وإياكم اتباع سنة سيد المرسلين وعترته الطاهرين، في كل ما أشاروا إليه من أصول وفروع الدين، والحمد لله رب العالمين.


