"شهور النور، بين الاستغفار والمغفرة، أبواب الدخول إلى ساحة الرحمة الإلهية"

الاستغفار والتوبة والمغفرة والرحمة... مفرداتٌ ومعانٍ عظيمة جليلة تزخر بها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تضع للإنسان نواميس حياته، وتشير إلى مواطن صلاحها وفسادها، وكيفية التعامل مع الذنوب والخطايا التي لا يخلو منها بشر، إلا المعصومون.

بل إن الأمر مهم وجلل، ولولا ذلك لما خصص الباري وثقاته من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، مسارًا خاصًّا لتكريس الاستغفار والتوبة كشرعة تستقيم بها حياة الإنسان، وتتشذب بها الجوانب الشاذة المتشظية من جوانبها، تمامًا كما تتشذب الشجرة اليانعة وهي تنمو وتأخذ حيزها في الزمان والمكان، فينبت لها غصن نافرٌ هنا وآخر ناقصٌ هناك، ليأتي البستانيّ فيسوّي ما تناثر وشذّ ويجعلها كلها على صعيد واحد...

لكن الفرق بين الشجرة والإنسان أن المخطئ والمستغفر واحد، فالإنسان الذي يشذّ ويذنب ويخرج عن حيز الصواب والانتظام، هو نفسه الذي يدرك جرمه ويحيط بذنبه ويستغفر ويشذّب ويهذّب، حتى تنتظم أمور حياته وتتطهّر نفسه من عوالق الأدران والخطايا...

ومع أن فكرة التوبة وأساليبها ومقوماتها قديمة قدم الإنسان، فهي بدأت مع الخطيئة الأولى، حين (عصى آدم ربه فغوى)، ثم (تلقى من ربه كلمات فتاب عليه)، ورافقت الإنسان في رحلته على هذه الأرض، حتى غدت جزءًا لا يتجزّأ من تاريخه، تلازمت مع حركاته وسكناته، تمامًا كما تلازمَ الذنب مع هوى النفس ووسوسة الشيطان، وكانت لها وجوه مختلفة ومظاهر كثيرة، أبرزها لنا السلوك البشري المتكامل للأنبياء والصالحين في سلوكياتهم وآدابهم والشرائع الإلهية التي نشروها بين أقوامهم وأتباعهم...  

إلا أن أسلوب الاستغفار والاستنابة والتوبة كانت له آداب خاصة مع أهل البيت عليهم السلام، فبهم ومعهم تكاملت النفس البشرية، التي سنّ الله عزّ وجلّ لها سننها منذ بدء الخليقة حتى عصرنا هذا، بل منذ أبي البشر آدم عليه السلام حتى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله، الذي أتى بخاتم الرسالات وأكمل الشرائع، فكان حقيقًا بالإسلام الذي اكتملت به فصول التشريعات الإلهية، أن يكون مصدرًا لاكتمال فصول التوبة بجميع مراحلها ووجوهها...

وتتالى الآيات الكريمة التي تحثّ على الاستغفار، وتصف حال المستغفر وتوبته، ومغفرة الله سبحانه للتائب:

قوله تعالى: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا...﴾ (سورة هود، الآية 3)

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (سورة نوح، الآيتان 10–11)

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سورة الأنفال، الآية 33)

﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (سورة النساء، الآية 110)

وخلاصة الأمر تتلخص في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ( سورة طه: الآية 82)

ومن الطبيعي أن تقوم الأحاديث الشريفة عن النبي وأهل بيته المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بمهمة التوضيح والتفسير والتأويل والموافقة والمصادقة على الآيات الكريمة، فإذا هم يتكلمون في هذا الأمر ويفيضون، وكيف لا يفعلون وهم يعلمون أن "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (النبي الأعظم (ص)- محمد الريشهري، ميزان الحكمة، دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 338).

وقد قال الإمام علي (عليه السلام): "العَجَبُ مِمَّنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاِسْتِغْفَارُ" (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج7 ص126)، 

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (وسائل الشيعة، ج7، ص127)

وعنه عليه السلام: "أكثروا الاستغفار، إن الله لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم" (وسائل الشيعة، ج7، ص127).

ولعله من العسير علينا إحصاء ما ورد في القرآن والحديث الشريف عن الاستغفار والتوبة، ويكفينا منها ما ذكرناه، ولعل من أبرز مصاديقها ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في الأدعية المشهورة، كالمناجاة الشعبانية ودعاء كميل وغيرهما، وما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام في دعائه يوم عرفة، وما ورد عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية من أدعية ومناجاة في الاستغفار والتوبة...

ولكننا نتوقف هنا، مع إدراكنا لأهمية الاستغفار وفضله ودوره في تكامل النفس البشرية وسعيها نحو رضا الله عز وجل، فنسأل أنفسنا: 

ما هي حقيقة الاستغفار؟ أهو قول "أستغفر الله" وكفى؟ أم أن له درجاتٍ ومطالب لا بد من توفّرها حتى يتم؟

ويجيبنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في جواب لسائل:

 أَتَدْرِي مَا الاِسْتِغْفَارُ؟ إنّ الاستغفار درجةُ العِلّيين وهو اسم واقع على ستة معان:

أوّلها: الندم على ما مضى.

الثاني: العزم على ترك العود إليه أبدا.

والثالث: أن تؤدّيَ إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله سبحانه ليس عليك تَبِعة.

الرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيَّعتها فتؤدّيَ حقَّها.

والخامس: أن تعمد إلى اللّحم الذي نبت على السُّحت فتذيبَه بالأحزان حتى تُلصِقَ الجلد بالعظم وينشأَ بينهما لحم جديد.

والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر الله. 

(نهج البلاغة، حكمة رقم 417، الملحق بالمعجم المفهرس، ص224.)

إن هذه الوقفة تعلمنا بأهمية الاستغفار والسبيل إليه... إنها مدرسة أمير المؤمنين التي نتعلم منها سبل الطاعات ونقف على حقائق النفس البشرية وألغازها، فلا نستطيع إلا أن نلتزم بقواعدها وقوانينها، إن شئنا السير على صراطه المستقيم...

إنها قواعد قد تبدو صعبة التنفيذ، لكن التمعن فيها، مع اعتراف الإنسان لنفسه بأنه يريد فعلًا أن يتطهر من أدران الذنوب، ليكون جديرًا برضا الباري عزّ وجلّ، يجعلنا نعلم أنها ليست صعبة، بل هي شروط لا بد منها لاكتمال فكرة التوبة، فما معنى أن نستغفر عن ذنبٍ دون ندمٍ فعليّ عليه، بل لعلنا ننوي الرجوع إليه؟ وما معنى أن نستغفر عن خطأ ألحقنا من خلاله أذى بالآخرين، ثم لا نقوم بالتعويض عليهم؟ وما معنى أن نطلب المغفرة من الله ثم لا نعوّض عما ضيّعنا من حقوق أنفسنا ومن حولنا؟... 

كلها مراتب لا بد من عبورها بنجاحٍ لمن أراد نيل المغفرة حقا...

إنها الأساليب التطهيرية التي جعلها الله بمتناول الجميع، وما عليهم إلا أن يعزموا على التغيير والإصلاح، فإذا هم بإصلاح أنفسهم قد أصلحوا مجتمعًا بأسره...

من هنا كان الدخول إلى بابٍ من أبواب المغفرة والرحمة جعله الله فرصة لمن أراد اغتنام الفرص...

إنها أيام من أيام الله رفع الله قدرها وخصها بما لم يخصّ به سواها، لحكمة عنده علمنا بعضها وخفي عنا أكثرها... ولعل أبرز ما نعلمه عنها أن ارتباط الإنسان بالزمان يجعله يتأثر به، ويقف عنده، وهل دنياه بأجمعها إلا زمان محدود يأكل عمره؟

أفلا يكون له في هذا الزمان الفاني بصحرائه القاحلة واحة يزهر فيها ويستثمر خصبها ليجني منها أطيب الثمر لآخرته؟

بلى، وقد اختارها الخالق لنا، وأرشدنا إليها بلسان نبيه وأوليائه، إذ يقول إمام المتقين (ع): "شهر رمضان شهر الله ، وشعبان شهر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )، ورجب شهري" (وسائل الشيعة، ج10، ص 481).

إنها أشهر النور الثلاثة، محطات رحمة الله ومغفرته لعباده... ولكن، ترى، علام جعل الله هذا الخير في ثلاثة شهور لا في شهر واحد؟ ولم جعل من رجب وشعبان مقدمة لشهر الصوم والمغفرة؟ أما كان من الممكن أن ندخل إلى شهر رمضان مباشرة دونما تمهيد؟

ويجيبنا حديث قدسي مروي عن النبي (ص)، أن الله جل وعلا قال: "كل عمل ابن آدم هو له، غير الصيام هو لي وأنا أجزي به..." (الفتّال النيسابوري، روضة الواعظين ج 2 ص 349، والحر العاملي، وسائل الشيعة ج 10 ص 403)

أي عمل عظيم هو الصيام، الذي اختص الله نفسه به، من بين كل أعمال الإنسان!

وأي علاقةٍ وثيقة تقوم بينه وبين الاستغفار والتوبة، فرمضان هو شهر الصيام، وهو كذلك شهر المغفرة والرحمة!

وأي صلةٍ حميمةٍ تربطه بشقيقيه السابقين له، رجب وشعبان، حتى كانا تمهيدًا لا يستغنى عنه للوصول إليه، وقد فاحت من أيامهما الكثير من نفحات صيامه؟

إنها أسئلة لا بد من الإجابة عليها، وهذا ما سوف نفعله إن شاء الله في المقالة المقبلة، فنسأل الله التوفيق لها والسداد.  

العودة إلى الأعلى