مدينة قُم: من النشأة الأولى إلى حاضرة علمية للتشيّع

تُعدّ مدينة قم واحدةً من أهم المدن الدينية في العالم الإسلامي، وخصوصاً في المذهب الشيعي الاثني عشري. فقد تحوّلت خلال قرون طويلة من مدينةٍ صغيرة في وسط إيران إلى مركزٍ دينيّ وعلميّ عالمي، يقصده ملايين الزائرين وطلبة العلوم الدينية.

ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة مسار تاريخي طويل ارتبط بالهجرة العلوية، وباحتضان أهلها لأهل البيت (عليهم السلام)، وبنشوء واحدة من أكبر الحوزات العلمية في العالم الإسلامي.


أولًا: الموقع الجغرافي وأصل التسمية

تقع مدينة قم في وسط إيران، على بُعد نحو 140 كيلومترًا جنوب طهران. ويُرجع المؤرخون اسم "قم" إلى عدة احتمالات، منها أنها مأخوذة من كلمة فارسية قديمة، أو من فعل عربي بمعنى "القيام"، في إشارة إلى قيام أهلها بنصرة أهل البيت. قبل الإسلام، كانت المنطقة تضم قرى صغيرة، ولم تكن قم مدينة ذات شأن سياسي أو ديني كبير، بل كانت تابعة إدارياً لمدن أكبر مثل الري وأصفهان.


ثانيًا: قم في صدر الإسلام وبداية التشيّع (القرن الأول والثاني الهجري)

دخل الإسلام إلى منطقة قم في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وتحديداً بعد فتح بلاد فارس سنة 23هـ/ 644م في عهد عمر بن الخطاب، غير أن التحول الأهم في تاريخ المدينة جاء لاحقاً، مع هجرة قبيلة الأشعريين من الكوفة إلى قم. في عام 83هـ/ 702م، هاجر عدد من الأشعريين – وهم من الشيعة الموالين لأهل البيت – إلى قم هرباً من اضطهاد الدولة الأموية، وشكّلت هذه الهجرة نقطة التحول الكبرى، حيث أصبحت قم تدريجياً مدينة ذات أغلبية شيعية، وهو أمر نادر في ذلك العصر.


ثالثًا: قم كملجأ للعلويين وأنصار أهل البيت

خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، أصبحت قم ملجأً آمنًا للعلويين وأتباع الأئمة، خاصة في ظل القمع العباسي. وقد ذُكرت قم في العديد من الروايات الشيعية باعتبارها مدينة موالية لأهل البيت.

ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله:

"ستُقبض أرض الكوفة من المؤمنين… وتأزر العلم بقم كما تأزر الحية في جحرها."

وهذا يعكس مكانة المدينة المبكرة في الوعي الشيعي.


رابعًا: قدوم السيدة فاطمة المعصومة (201هـ)

يُعدّ عام 201هـ/ 816م من أهم التواريخ في تاريخ قم، حيث وصلت إليها السيدة فاطمة بنت الإمام موسى الكاظم عليه السلام، المعروفة بـ فاطمة المعصومة، أثناء رحلتها من المدينة المنورة إلى خراسان لزيارة أخيها الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.

توفيت السيدة المعصومة في قم بعد مرضٍ لم يدم طويلاً، ودُفنت فيها، ليصبح مرقدها لاحقاً قلب المدينة الديني والروحي، ومنذ القرن الثالث الهجري، بدأ المرقد يستقطب الزائرين، مما ساهم في ازدهار المدينة عمراناً واقتصاداً.


خامسًا: قم كمركز علمي في القرون الهجرية الأولى

منذ القرن الثالث الهجري، برزت قم كمركز مهم لرواية الحديث الشيعي، وظهر فيها علماء كبار مثل:

زكريا بن آدم القمي (ت نحو 210هـ)

أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (ت 297هـ)

وقد اشتهرت "مدرسة قم الحديثية" بصرامتها في توثيق الرواة، حتى أنها خالفت أحيانًا مدرسة بغداد في قبول بعض الروايات.


سادسًا: قم في العصور الوسطى (السلجوقي – الصفوي)

شهدت قم فترات من التراجع والازدهار تبعاً للأوضاع السياسية، وتعرضت المدينة للتدمير الجزئي خلال الغزو المغولي في القرن السابع الهجري (حوالي 617هـ/ 1220م)، لكنها استعادت مكانتها لاحقاً.

ومع قيام الدولة الصفوية في إيران عام 907هـ / 1501م، وإعلان التشيّع الاثني عشري مذهباً رسمياً للدولة، نالت قم دعماً كبيراً، وأُعيد إعمار مرقد السيدة المعصومة، وبُنيت المدارس والمساجد.


سابعًا: تأسيس الحوزة العلمية الحديثة (القرن 20)

رغم مكانتها العلمية القديمة، فإن التحول الأكبر في تاريخ قم الحديث جاء عام 1340 هـ / 1922 م، عندما أسس المرجع الكبير الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي الحوزة العلمية الحديثة في قم.

بدأت الحوزة بعدد محدود من الطلبة لا يتجاوز 300 طالب، لكنها سرعان ما توسعت. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، أصبحت تضم عشرات الآلاف من الطلبة من إيران وخارجها.


ثامنًا: قم ودورها السياسي في القرن العشرين

أدت الحوزة العلمية في قم دوراً محورياً في الحراك السياسي الإيراني، خاصة خلال:

ثورة التنباك (1891م)

الحركة الدستورية (1906م)

الثورة الإسلامية الإيرانية (1979م)

وكان الخميني قدس سرّه (1902–1989) من أبرز علماء قم، ومنها انطلقت خطبه التي مهدت لسقوط النظام الملكي.


تاسعًا: قم في العصر الحديث

اليوم، تُعد قم مدينة كبرى يناهز عدد سكانها 1.3 مليون نسمة (بحسب إحصاءات العقد الثالث من القرن 21). وتضم:

أكثر من 300 مدرسة دينية

آلاف العلماء وطلبة العلوم الدينية من أكثر من 100 دولة

مؤسسات بحثية ومكتبات ضخمة، أبرزها مكتبة آية الله المرعشي التي تضم أكثر من 250 ألف مخطوطة وكتاب نادر

خاتمة

منذ هجرة الأشعريين في القرن الأول الهجري، مروراً بمرقد السيدة المعصومة، وصولاً إلى تأسيس الحوزة العلمية الحديثة، شكّلت مدينة قم نموذجاً فريداً لمدينة نمت حول العقيدة والعلم. ولم تكن قم مجرد مدينة دينية، بل كانت ولا تزال فاعلاً أساسياً في تشكيل الفكر الشيعي، وفي التأثير على التاريخ السياسي والثقافي لإيران والعالم الإسلامي.


المصادر والمراجع

1-تاريخ قم– حسن بن محمد القمي (القرن الرابع الهجري)

2- تاريخ الأمم والملوك – محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ)

3- معجم البلدان – ياقوت الحموي (ت 626 هـ)

4- بحار الأنوار – العلامة محمد باقر المجلسي (ت 1111 هـ)

5- عيون أخبار الرضا – الشيخ الصدوق (ت 381 هـ)

6- رجال النجاشي – أحمد بن علي النجاشي (ت 450 هـ)

7- الفهرست – الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)

8- قم في التاريخ – رسول جعفريان

9- تاريخ التشيع في إيران – رسول جعفريان

10- الحوزة العلمية في قم: النشأة والتطور – جعفر سبحاني

11- دائرة المعارف الإسلامية الشيعية – مركز دائرة المعارف (قم)


العودة إلى الأعلى