الذكاء الاصطناعي. إلى أين
"المعالج الفكري الآلي"، هو الاسم الذي اقترحناه كبديل لمصطلح "الذكاء الاصطناعي" القائم على تشبيه العمليات الفكرية المعقدة بالذكاء البشري، فقد بيّنّا في المقالتين السابقتين أن التفوق التقني في هذا المعالج الآلي لا يجعله جديرًا باسم "ذكاء"، نظرًا لافتقار هذا المعالج لملكة الإبداع والتعاطف الإنساني، التي يتمتع بها المخلوق البشري المتفوق الذي ميزه الله بهذه الملكة الاستثنائية.
كما بيّنّا أن وضع ضوابط لاستخدام هذا المعالج هو أمر لا بد منه لترشيد استخدامه، والتقليل من سلبيات هذا الاستخدام إن وضع في غير نصابه الصحيح.
في هذه المقالة سنتعرّض للحديث عن أهم الضوابط الأخلاقية والمهنية والاجتماعية، وحتى الشرعية، لاستخدام هذه التقنية المتطورة، بحيث تكون إضافة مهمة لعالم الإنسان، لا بلاءً يدفع ثمنه لاحقًا...
إن التكنولوجيا عمومًا سهّلت الحياة البشرية ماديًّا وصعّبتها معنويًّا، وليس المعالج الفكري الآلي استثناء لذلك، بل لعله يمكن أن يفوق كل الأدوات التكنولوجية السابقة في أضراره، إن لم يبادر الإنسان إلى وضع الضوابط لنفسه قبل أن يفقد زمام الأمور، ولعله من الممكن تلخيص هذه الضوابط بالآتي:
الأمانة: إن على المستخدم لهذا المعالج الفكري في عملٍ ما أو بحثٍ، أن يكون أمينًا في استخدامه، فيصرّح عن استخدامه له كوسيلة لجمع المعلومات، فإن كان لا يستطيع التصريح بذلك، لاعتباراتٍ أخلاقية أو اجتماعية أو مهنية، أو لأنه نسخ ما قدمه له نسخًا ووقع عليه، فهو يقوم بغش الآخرين، وينسب لنفسه عملًا لا فضل له فيه، وهذا بحد ذاته غير جائز على جميع الأصعدة، فأنت لا يحقّ لك أن توقّع على عملٍ كتبه غيرك، حتى ولو كان هذا الغير آلة مفكّرة، لأنك في النهاية لست صاحب هذا العمل، والغاية في اعتبار الشرع لا تبرر الوسيلة، والنتيجة أن على المستخدم أن يسأل نفسه: هل يمكنني أن أصرّح باستخدام الذكاء الاصطناعي في هذا العمل، وبحدود استخدامه، دون مواربة ولا تورية ولا تزوير؟ فإن كان الجواب نعم، فليقم بذلك التصريح، وليستخدمه قدر ما يشاء، مع الالتفات إلى البنود اللاحقة.
المسؤولية: إن على المستخدم أن يتحمل كامل المسؤولية عن المحتوى الناتج من استخدامه، بصوابه وخطئه، ولذا فإن عليه أن يراجع ويدقق ويمحص، لأن أي خطأ يقع فيه المعالج ولا يتم تصحيحه من قبل المستخدم، سينعكس سلبًا على العمل الذي يتم استخدامه فيه، وعلى دقة النتائج وسلامتها.
عدم الإضرار: إن على المستخدم أن يلتفت إلى أن استخدام المعالج الفكري الآلي لا يجوز أن يسبب الأذى لأحد، على أي مستوى كان، كأن يقوم بتصميم الصور المضللة أو المواقف المغشوشة للتأثير على الرأي العام مثلًا، أو لتشويه سمعة أحد، أو لأي هدف سيء آخر... إن الاستخدام المضرّ يجعل من النعمة نقمة، ولا بد للمستخدم من الالتفات إلى أن سهولة ارتكاب الأخطاء لا يعني أبدًا أنها مبرّرة، بل هي تبقى على حالها من السوء... لكنها تحتاج إلى إرادة للامتناع، وحسن إدارة للموارد المتاحة.
حماية الخصوصية: على المستخدم أن يلتفت إلى أن هذا المعالج الفكري الآلي متصل بمحركات عالمية أكبر منه، وهو ليس بمنأى عن التجسس والتدخل الخارجي، حتى لو أكّد لك قانون استخدامه أن خصوصيتك محمية، فقد أثبتت التجربة أن جميع وسائل التواصل الالكترونية خاضعة لقوى الاستكبار مختَرَقة من قبلها، وبالتالي فالمدعو بـ "الذكاء الاصطناعي" ليس إلا أحدها، بل هو على رأسها، لما يتيحه من تفاعل مع مستخدميه، جعل البعض منهم يجعله مستشاره القانوني أو الطبي أو النفسي أو... مما دفعهم إلى ائتمانه على أسرارهم حتى الشخصية منها، وهنا مكمن الخطورة، فما لا يمكن أن يعرفه عنك أحد قد أودعته بملء إرادتك بين فكّي هذه الآلة وتحت رحمة خوارزميات مجهولة، يمكن أن تدخل إلى مجتمعك ووطنك وبيئتك، دون أن تشعر، فتعرف عنك وعن محيطك كل شيء، دون أن يكلفها ذلك أكثر من ضغطة زر. إن على المستخدم أن يعي هذه النقطة، وأن لا يقوم باستخدام المعالج الفكري الآلي كأمين سر، بل كآلةٍ يمكن استشارتها ولكن لا يمكن ائتمانها واتباعها والتسليم لها...
التحقق والدقة: إن على المستخدم أن يقوم بمراجعة المعلومات التي يحصل عليها عبر هذا المعالِج، وأن لا يتبعه اتباعًا أعمى، وأن يدقّق في المصادر والمراجع التي يذكرها بالعودة إليها وتحقيقها، فما أكثر ما يورد المعالج الفكري الآلي من معلومات غير دقيقة، تجعل العمل المعتمد عليها بعيدًا عن العلمية والموضوعية والدقة المتوخاة.
الاعتدال في الاعتماد: إن على المستخدم أن يلتفت إلى أنه يستخدم هذا المعالج مساعدًا لا بديلًا عن عقله وصوته، وعليه بعد أن يستلم المادة المطلوبة منه أن يسأل نفسه، هل هذه الأفكار تعبر عني حقًّا، وهل هي لي أنا أم لهذه الآلة؟ فإن عليه أن لا يقوم بانتداب الآلة لتحل محله بمحض إرادته، وأن لا يستبدل عقله وشخصيته بها، لأنه في الحقيقة يغش الآخرين حين يجعلها ناطقة بصوته، كما أنه يلغي نفسه ويمحو مواهبه بالاعتماد الزائد أو الكليّ عليها.
التطوير الذاتي: إن أهم ما يمكن أن يجعل المعالج الفكري الآلي نعمة نحسن استثمارها، لا نقمة ننأى بأنفسنا عنها، هو أن نستخدمه لتحسين مهاراتنا لا لإلغائها، وهذا أمر متاح بل مطلوب، ومن السهل تحقيقه، وذلك عبر معرفة حدود الاستخدام وتطويع الآلة لإرادة الإنسان، والتعامل معها باستمرار ودون نسيان، على أنها آلة لا أكثر.
خلاصة القول: ربما لا تكون الضوابط المذكورة لاستخدام المعالج الفكري الآلي هي كل الضوابط التي يجب مراعاتها، بل هي ما حضر في الذهن منها، وهي على الأقل بعض الضوابط، وقد تكون أكثرها أهمية، وقد توصلنا إليها عبر النظرة العلمية الموضوعية إلى هذا الكائن الافتراضي الذي توصّل إليه العقل البشري، بعد سلسلة من الاختراعات والتقنيات المتطورة، وعبر سبر ما ينبغي للإنسان الالتزام به للمحافظة على عقله والارتقاء به أكثر، على جميع المستويات الفكرية والأخلاقية والإنسانية، لكي يكون العقل البشري منتجًا فاعلًا باستمرار، وليتابع طريقه في عالم التطور والإبداع، لا ليسلم قياد هذا الإبداع إلى الآلة الصماء، لأن الآلة ما كانت ولن تكون إنسانًا، بكل ما في الكلمة من قدرة وإرادة وروح وإبداع، أودعها الباري في هذا المخلوق الذي فضّله على العالمين.



