"الذكاء الاصطناعي... إلى أين؟
بعدما ناقشنا في الجزء السابق من المقالة تعريف ما اصطُلح على تسميته بالذكاء الاصطناعي، وقدمنا عرضًا لمعنى فكرة الأمانة في التعامل مع هذه الخدمة التكنولوجية المتطورة، ووصلنا إلى افتقار هذه التسمية للدقة والموضوعية، واقترحنا استبدالها بعبارة "المعالِج الفكريّ الآلي"، ثم تطرّقنا إلى بعض أسباب وسلبيات استخدامه غير المرشَّد، كان لا بد لنا من اقتراح بعض الضوابط التي يمكن أن تحسّن وترشّد استخدام هذه الخدمة، لنصل من خلالها إلى أفضل النتائج، بحيث نحافظ على أمانة الاستخدام وشروطه، بلا إفراطٍ ولا تفريط.
اِعرفْ حدود قدرة "المعالج الفكري الآلي" ولا تنبهرْ به: إن المبالغة في التعامل مع وسائل التكنولوجيا عمومًا، ووضعها كبديلٍ للوسائل العادية لا كمساعد، هي المشكلة الأساس، وعليه فإن أهم شرط من شروط استخدام "المعالِج الفكري الآلي" هو الانطلاق من وعي حدوده العلمية، فهو ليس عقلًا، ولا كائنًا قائمًا بذاته يملك حرية التصرف والقرار، ولئن كان صانعوه ومبرمجوه قد استطاعوا الوصول به إلى مرحلة متقدمة، تجعله قادرًا على تطوير طرق بحثه بأسلوبٍ يُشعر الباحث بأنه أمام كائنٍ مستقلّ، فإن الوعي لحدود مقدرة هذا المعالِج والتعامل معه انطلاقًا منها يحدّ من المشاكل الناتجة عن الإفراط في تقديره... ولتوضيح هذه الفكرة سنمضي في طرحها من خلال مثال، قد ينطبق على معظم الحالات...
أنت ككاتب أو باحثٍ مثلًا تحتاج إلى مراجع عديدة في بحثك وشواهد من هذه المراجع تدعم الفكرة التي تعالجها، وإن ذلك يكلفك عناء المطالعة والبحث في الكتب والمكتبات الورقية والإلكترونية حول الموضوع المطروح، فماذا تفعل؟
أنت مخيّرٌ بين أن تستأنف بحثك بطريقتك التقليدية التي تعوّدتها، أو أن تطوّر أسلوبك فتعود إلى الذكاء الاصطناعي لتستعين به، وهو طبعًا لن يخذلك، بل سيقوم بالعمل كاملًا عنك إن شئت، وما عليك إلا أن تطرح السؤال بدقة وتضع ضوابط الإجابة، فتكرّ أمامك العناوين والموضوعات المتعلّقة ببحثك، وهنا تجد نفسك منبهرًا بهذا الكائن العجيب الذي لا يزودك بالمعلومات فقط بل يقدمها إليك على طبقٍ من ذهب... وهنا مكمن المشكلة، فإن مجرد اعتقادك أن هذا الكائن هو "ذكاء" يكفي ليجعلك تتعامل معه كما تتعامل مع إنسان، ولو أطلقت عليه اسم "معالِج" لتعاملتَ معه بشكل أفضل، كما أن سعيك لحذف نفسك وعقلك من المعادلة مشكلة أكبر وخطورة أعظم، فأنت لم تطلب المساعدة بل طلبت المبادلة، وها هو البحث الذي أردتَه مكتوبٌ ممهورٌ بتوقيعك، دون أن يكون لك في كتابته فضل أو جهد سوى طرح السؤال!
إن النتيجة أخطر مما تتوقع، فالراحة التي حصلت عليها الآن ستدفع ثمنها غدًا من عقلك، لأنك غدوت اتكاليًّا كسولًا تحصل على غذائك الفكريّ كالوجبة السريعة التحضير، ظاهرها دسم ولذيذ وباطنها مليء بالسموم...
وغدًا حين تحتاج القيام ببحث جديد، ستغدو أكثر اتكالية، ولن تعتمد على نفسك وعقلك حتى في أصغر المعلومات، طالما أنك قادر بنقرة زر أن تحصل على ما تريد، وهنيئًا لك سمنتك الفكرية التي لا تدلّ على صحتك العقلية أبدا!
ولكن مهلًا: هل أنا أقترح عليك أن لا تستفيد من هذه الخدمة التكنولوجية العظيمة، وأن تكتفي بالبحث بالطرق التقليدية فقط، مع أن الاستفادة متاحة ولها الكثير من الإيجابيات؟!
طبعًا لا... فالتقدم العلمي سلاح ذو حدين، ومن يحسن استخدامه سيقلل من أضراره، وبالتالي فإن استعانتك بالمعالج الفكري الآلي مهمة، لكنها يجب أن تخضع لعقلك أنت وخياراتك وضوابطك، فيكون هذا المعالج مجرد مصدر للمعلومات وناقلٍ لها من شبكة الانترنت إليك، لا بديلًا لك في صياغتها وترتيبها ووضعها في شكلها النهائي.
انتبه للمحتوى الذي تحصل عليه، دقّق وتأكّد من المصادر قبل أن تنسخ وتمضي: إن المعالج الفكري الآلي هو آلة، تلقِّمها فتعطيك، وبالرغم من قدرته على التحليل الذاتي والبحث المتطور إلا أنه قابل للخطأ، وقد يعطيك أسماء لمصادر غير موجودة أحيانًا، أو ينقل إليك المحتوى بالمعنى لا بالحرفية، وهذا يتعارض مع أسلوب البحث العلمي عند استخدام الشواهد والنقل من المصادر، إذ لا بد من النقل الحرفي الأمين، بل إن الصفحات المذكورة في متن البحث وهوامشه يمكن أن تكون غير صحيحة أحيانًا، والباحثون الذين استعانوا بهذه الخدمة التكنولوجية في أبحاثهم ثم دقّقوا بعدها يفهمون ما أرمي إليه، لأنهم حتمًا واجهوه... من هنا فالوجبة الدسمة السريعة المبهرة التي بين أيدينا ليست جاهزة للاستهلاك كما قد يبدو لنا للوهلة الأولى، بل هي تحتاج لمراجعةٍ وتدقيقٍ قد يصل بالباحث إلى مرحلة يفضّل معها لو لم يلجأ إليها...
والحل يكمن في طريقة استعمال هذه الخدمة؛ إنك حين تطرح سؤالك يجب أن تكون مستعدًّا للاستفادة من المعلومات كطريقٍ أقصر نحو المصادر، لا كبديل، وهنا يأتي دور التمحيص، فما وجدته صحيحًا أخذت به، وبقيتَ أنت المسيطر على البحث وصاحبه ومنظّم أدواته، ولم تسلّم قيادك لهذا الكائن الخرافي ليعبث بمعلوماتك كما يشاء.
انتبه إلى ما يكتبه لك المعالج الفكري الآلي في صفحته الرئيسة، وخذه على محمل الجد:
إن صانعي هذه الخدمة ومبرمجيها قد قدموها للمستهلك بطريقةٍ علميةٍ موضوعية، ولم يقولوا له خذ هذا الكائن المعصوم واستبدل عقلك وملكاتك الفكرية به، ولنلق نظرة الآن على شاشة حاسوبنا أو هاتفنا الذكي لنقرأ في تطبيق الذكاء الاصطناعي ما يأتي:
"قد يُقدّم الذكاء الاصطناعي معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة، لذلك يُنصح بالتحقّق من المعلومات المهمة من مصادر موثوقة.
وتُستخدم أيضًا صيغ أخرى مشابهة، مثل:
"الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد تحتوي على أخطاء."
"لا تعتمد على هذه المعلومات كبديل عن الاستشارة المتخصصة."
"هذا النظام قد يخطئ أحيانًا."
هذه العبارات تُسمّى غالبًا تنبيه الدقة أو إخلاء مسؤولية (Disclaimer)
وهدفها تذكير المستخدم بأن الذكاء الاصطناعي، أو بعبارةٍ أدق المعالج الفكري الآلي، هو أداة مساعدة، وليس مصدرًا معصومًا من الخطأ.
خلاصة القول: إن الهدف الأساس من استخدام هذه الخدمة التكنولوجية المتطورة هو اختصار الوقت والجهد وتقديم الأفضل، لكن هذا الاختصار نفسه قد يعوّد الإنسان على الكسل الذهني، فلماذا يكلّف نفسه بما تستطيع الآلة أن تقوم به في لحظات؟ ولماذا يسعى ويشقى لتقديم الأفضل وهو قادرٌ بطرفة عين أن يحصّله من خلال سؤال يطرحه على هذا المعالج المتطور؟ هنا جوهر المشكلة، فالراحة الجسدية التي وفرتها التكنولوجيا المتطورة للإنسان على صعيد وسائل الاتصال والنقل، ليست شيئًا أمام الراحة الذهنية التي يوفرها له هذا المعالِج العجيب، لكن هذه الراحة نفسها ليست راحة، بل هي تجرّدٌ من القدرة، وانتفاءٌ عن الفكرة، وهبوطٌ في المدارك، وتراخٍ في الملكات... وبداية انحدارٍ على كل المستويات، وأخطر ما في الأمر أن المستهلك لهذا المنتج غير واعٍ لخطورته، أو أنه واعٍ لكنه غير مستعدٍّ لتحمل تبعات هذه المخاطر، ولا يمكن أن تحل هذه المشكلة إلا عبر التعامل الواعي والمسؤول، مع الإدراك الكامل لمسؤولية الإنسان تجاه ما يفكر فيه وما يقدمه للآخرين من أفكار.
إن سوء استخدام هذه الخدمة المتطورة يحوّلها إلى مشكلة بدل أن تكون حلًّا، ولعل تركيزنا في هذه المقالة على سلبياتها دون إيجابياتها نابع من ضرورة التوعية إلى أهمية هذه السلبيات، وانعكاسها الضارّ على الفكر البشري الحديث، بل إن من الضروري أيضًا أن يعي المفكّر الملتزم ضوابط هذه الخدمة من الناحية الشرعية والاجتماعية، لا العلمية فحسب، وهذا ما سنتحدث عنه في الجزء القادم من المقالة بإذن الله.



