"الذكاء الاصطناعي... إلى أين؟" (1)
جاء في الحديث الشريف عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) أنه قال: "إنّ الله عزّ وجلّ لما خلق العقل قال له أقبل فأقبل، ثمّ قال له أدبر فأدبر، فقال تعالى: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقًا هو أكرم عليّ منك، بك أُثيب وبك أُعاقب ، وبك آخذ وبك أعطي."[1]
والعقل من الذكاء كالبدن من الروح، أي أنه وعاؤه ومستقرّه، وبما أن العقل بصفاته المعروفة مختص بالإنسان وحده، فهو من نعم الباري عليه، وهو السمة الأساس التي تميزه عن سائر المخلوقات، وبالتالي فهو مسؤول عنه وعن حسن استخدامه له في سبل الطاعات والنأي به عن سبل المعاصي، فقد قال عز من قائل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).
مما لا شك فيه أن الخالق لم يخلق شيئًا عبثًا، ولم ينعم على الإنسان بنعمةٍ إلا كان له فيها حكمة، ولعل أبرز نعم الله على البشر هي هذا الكائن الاستثنائي الذي منحه الله القدرة على التحليل والاستنتاج والإبداع والتفكير، فهو يقوم بعملياتٍ ذهنية معقدة كانت ولا تزال سببًا لسعادة الإنسان وشقائه، منذ مطلع وجوده على هذه الأرض، فهو نبراس السعادة إذا ما جرى في طاعة الله وضمن ضوابط أوامره ونواهيه، وهو شرارة نارٍ تحرقه وتذويه إذا ما شذّ وابتعد عن مساره الصحيح، ولم يراع أمر الله فيه...
بلى... والحديث القدسي الوارد في مطلع حديثنا يلخّص مهمة العقل في حياة الإنسان، ومسؤوليته العظمى عن سعادته وشقائه، في دنياه وآخرته.
وكما أن الحضارة الإنسانية بجانبيها السلبي والإيجابي ترجمت قدرة الإنسان على التحكم في نعم الله العظيمة، أو عجزه عن ضبطها، كذا فقد جاءتنا على جناح العصر الحديث باكتشافات واختراعاتٍ شتى، كان الهدف منها تسهيل حياة الإنسان وجعلها أكثر راحةً وأقل عناء، لكنها وبحكم عدم خضوعها للضوابط الإلهية، وتركيزها على عنصر المادة والمصلحة والنفعية في حياة الإنسان وإغفالها للجانب الروحي والمعنوي، دخلت في متاهاتٍ ودروبٍ خرجت بها في كثير من الأحيان عن مسارها الأساسي، فغدت نقمةً بدل أن تكون نعمة، والشواهد كثيرة على صحة ما نقول، فالراحة الجسدية التي نعم بها مستخدمو وسائل النقل الحديثة مثلًا أودت بهم إلى المعاناة من قلة النشاط والحيوية الجسدية، والسمنة وأمراضها... وسرعة التواصل التي نعم بها مستخدمو الإنترنت، من بريد إلكتروني وووسائل تواصل اجتماعي متنوعة، أودت بهم إلى المعاناة من الوحدة والتباعد الاجتماعي والكآبة... وهكذا...
ولعل آخر صيحات التكنولوجيا الذكية التي صعقت بها الجنس البشري هي تلك التي يطلقون عليها اسم "الذكاء الاصطناعي".
والذكاء الاصطناعي عمومًا هو فرع من فروع علوم الحاسوب، يهدف إلى تصميم أنظمة قادرة على محاكاة قدرات الإنسان العقلية، مثل التعلم والفهم والتفكير وحلّ المشكلات واتخاذ القرارات.
ويعمل الذكاء الاصطناعي من خلال خوارزميات ومعالجات بيانات ضخمة، تُمكّن الأجهزة والبرامج من اكتساب المعرفة وتحسين أدائها بمرور الوقت دون تدخل بشري مباشر.
ولئن تجاوزنا ووافقنا على إطلاق هذا المصطلح على هذه الخدمة التكنولوجية المتطورة، فإننا ينبغي أن لا نغفل عن حقيقةٍ مهمة يمنعنا ديننا ومعتقدنا الإلهي وخلقنا النبوي عن تجاوزها، ألا وهي الأمانة...
ربما يتساءل القارئ عن علاقة الأمانة بما نحن فيه، وأين هو موضعها من هذا الموضوع الذي يعالج إيجابيات وسلبيات هذه الخدمة المتقدمة المسماة بالذكاء الاصطناعي، والجواب يأتي في البنود الآتية:
أ- عدم الأمانة في التسمية: فالذكاء ملكة إلهية يسبغها الخالق على عباده ليتمكنوا من القيام بمهامهم الذهنية الإنسانية المحكومة بتفاصيل خلقهم، ومنها التحليل والتفكير والاستنتاج، والإبداع والاختراع والتعاطف... وبما أن الآلة الجامدة التي صنعها الإنسان لا تقدر على ذلك كله، فمصطلح الذكاء الاصطناعي ليس بدقيق، بل هو مبالغ فيه، لأن الآلة المتطورة رغم قدرتها على التحليل والاستنتاج وجمع المعلومات وربطها بطريقةٍ ذاتية ربما تفوق في سرعتها ودقتها العقل البشري العادي، إلا أنها تفتقر إلى أهم ملكة يختص بها العقل البشري، ألا وهي التفاعل الوجداني، فالآلة المبرمجة لا تمتلك قدرة على التعاطف أو فهم القيم الإنسانية إلا عبر ما تُبرمج عليه، أي أنها تبني أداءها على ما يتمّ تلقينها إياه، فالحق والباطل وتمييزهما مثلًا ليسا مكوّنين فطريين عندها، بل مرتكزَين على تعريفاتٍ متعددة يمكن للآلة عبر شبكتها العنكبوتية المتصلة ببرامج متنوعة أن تعرّفهما وتبني عليهما... والمسؤول الأول والأخير عن حكم الآلة في هذا السياق هو المبرمِج الأساسي، وما تتصل به الآلة من برامج متاحة... من هنا فاسم "الذكاء الاصطناعي" لا يعبر عن هذا النشاط الفكري الآليّ، بل لعل الأقرب إلى التعبير عنه وصفه بـ "المعالِج الفكري الآليّ".
ب- عدم الأمانة في استخدام الخدمة التكنولوجية: فالإنسان بطبعه ميّال لما يسهل عليه أعماله، وأكثر الناس لا يبذلون جهدًا في ما يستطيعون أن يتجاوزوه، فراكب السيارة قلما يمشي، ومستخدم الآلة الحاسبة قلما يستخدم الحساب الذهني، والمشاهِد للبرامج التلفزيونية والأفلام والوثائقية والمسلسلات الشيّقة قلما يلجأ إلى القراءة والمطالعة التي تنقل إليه أخبار العالم وأسراره، أو تسلّيه بقصصه ورواياته... فتكون الخدمة التكنولوجية باستخدامها غير المرشّد وغير الأمين، قد أساءت في مواضع كثيرةٍ إلى المستهلك، وزرعت في حياته سلبياتٍ شتى قد يستطيع تجاوزها وقد لا يستطيع...
ت- الوقوع في الأخطاء: فمع أن التكنولوجيا المتطورة لما يسمونه بالذكاء الاصطناعي، المعتمدة على الخوارزميات المعقدة الدقيقة، هي قليلة الخطأ عمومًا، لكنها غير معصومة، أي أن الخطأ وارد دائمًا، وبما أن الإنسان لفرط اعتماده عليها وتعوده على استثمارها بشكلٍ مبالغ فيه، وإغفاله لتنمية مهاراته الإنسانية الخاصة التي استبدلها بها، يصبح عبدًا لها تتحكم فيه أكثر مما يتحكم فيها، فإن الخطأ المحتمل الذي يمكن أن تقع فيه يصبح مركّبًا ومضاعفًا، لأنه لا يَكون مراقَبًا مدقَّقًا بما فيه الكفاية، وهذا ما يحصل في أحيانٍ كثيرة، عندما يصل الإنسان إلى هذا الدرك من سوء استغلال الموارد والاعتماد عليها دون العودة إلى ملكاته الإنسانية المتفوّقة... وإن أكبر الأخطار التي تواجهها الملكات الفكرية الإنسانية بسبب ما يسمونه بالذكاء الاصطناعي، اقتناع الإنسان بأن الآلة تفوقه قدرة، فترتخي عزائمه وتضعف إرادته ويتقبل الأمر الواقع، وبما أن الآلة تريحه من عناءٍ كثير ومجهودٍ أكثر، فهو يسلم إليها قياد نفسه وحياته وحاضره ومستقبله، فتتعطل الملكات وتنخمد القدرات وتنطفئ شعلة الذكاء البشري الوقّاد والإبداع الإنساني المتوهّج...
هذه بعض السلبيات التي تنتج عن عدم الأمانة في استخدام "المعالج الفكري الآلي" الذي اصطُلح على تسميته بـ "الذكاء الاصطناعي"، وهي سلبيات يمكن تجاوزها إذا استعمل الإنسان هذا التطور التكنولوجي الفذّ بوعي ومسؤولية، مع الانطلاق الدائم من فكرة التفوق البشري، والتعامل معه على أنه منتج إنساني بامتياز، أي أنه رغم تطوره وإنجازاته المذهلة ليس كاملًا ولا إعجازيًّا، بل هو ثمرة العقل البشري المسؤول، الذي يحسن إدارة النعمة واستثمارها، بلا إفراطٍ ولا تفريط.
إننا نحن البشر تستعبدنا أدواتنا، ولن نصل إلى السعادة الحقيقية في الحياة الدنيوية والأخروية إلا مع إيماننا المطلق بالعدالة الإلهية، فنحن لسنا آلهة ولا أنصاف آلهة، بل عبادٌ ناقصون، نتكامل بقدر ما نحسن أن نتعامل، ونرتقي بقدر ما نتّقي، ونعتلي صهوة المجد بقدر ما نبقى على العهد، وليس العهد إلا أمانتنا، وإيماننا بأننا تحت سطوة الخالق الجبار، لا نفعل ولا نكتشف ولا نخترع ولا نختار إلا بتوفيقٍ منه لاتخاذ القرار، وهذا لا ينفي عنا صفة الاختيار ولا يلصق بنا صفة الإجبار، لأننا نحن من نختار أن نسير في هذا المسار، ونبني عليه حياتنا، فتكون النتائج مرهونة بالأسباب.
ويبقى حسن استثمارنا لما يصلنا من نتاج العقل البشري موصولًا باحترامنا لذلك العقل، وحسن شكرنا لتلك النعمة الاستثنائية التي خص الباري بها عباده ليرى أيحسنون أم يسيئون، فمن أحسن أحسن لنفسه ومن أساء فعليها، والله يجزي المحسنين.
وتبقى هناك مشكلةٌ كبرى يواجهها مستخدمو هذه التقنية المتطورة، هي آلية وضوابط هذا الاستخدام على المستويين الفكري والأخلاقي، لكي لا تتحول النعمة إلى نقمة، ولكي يخدمنا هذا التطور ويرفعنا ويرتقي بنا وليس العكس، وسنقوم بمعالجة هذه الفكرة وطرحها واستقصائها في الجزء القادم من المقالة بإذن الله.
[1] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج1، ص97



