اللغة العربية أم اللغات ولغة القرآن الكريم، بين الماضي والحاضر والمستقبل (6)

في الأجزاء السابقة من هذه المقالة، عرضنا بعض ما توصّل إليه البحث من أسباب نزول القرآن الكريم باللغة العربية، بحسب العقل والنقل (الجزء الأول)، ثم عرضنا بعض خصوصيات هذه اللغة الشريفة التي كان لها أعمق الأثر في الإعجاز القرآني في رأي أهل الماضي والحاضر (الجزء الثاني)، ثم أوردنا بعض خصائصها الاستثنائية التي رفعت من شأنها كلغةٍ أصيلةٍ طيّعةٍ متينةٍ بليغةٍ لا تضاهى، عبر محاولة معرفة تلك اللغة العظيمة في نفسها (الجزء الثالث) وفي غيرها من اللغات العالمية القديمة والحديثة (الجزء الرابع)، ثم رصدنا بعض دلائل التفاعل تأثّرًا وتأثيرًا بين العربية وغيرها من اللغات الحية (الجزء الخامس)، وتوصّلنا في نهاية كل ذلك إلى التأكيد على عظمة هذه اللغة التي اختارها الباري لتكون لسان قرآنه الناطق، آخر كتبه السماوية المنزلة والدستور النهائي للبشرية، فصاحةً وبلاغةً واشتقاقًا وغنى وتفاعلًا، وانسيابًا وانسجامًا بين المعنى العميق والمبنى المتماسك، وبين رقة العاطفة وقوة المنطق، والقدرة على التأثير في النفوس والعقول والقلوب والأرواح... بحيث غدت ذاك الكائن الحي الاستثنائي الذي اصطفاه الله تعالى لمهمة التبليغ الإلهي.

من هنا، وانطلاقًا من عنوان المقالة، "اللغة العربية أم اللغات ولغة القرآن الكريم بين الماضي والحاضر والمستقبل"، نجد لزامًا علينا أن نتوّج هذه الدراسة برصد معالم تأثّر اللغة العربية باللغات الحية الأخرى، الإنكليزية والفرنسية على وجه الخصوص، وذلك في سياق تفاعلها معها في التعبير عن المحتوى الفكري الإنساني، وذلك عبر رصد التحوّل الثقافي والأدبي في اللغة العربية، عند احتكاكها بالغرب في عصر النهضة الحديثة وما بعدها، وكيف تفاعلت مع الأنواع الأدبية الوافدة (الرواية، المسرحية، المقالة، القصة...) دون أن تفقد هويتها.

نقدم في هذا السياق عرضًا تحليليًا مفصّلًا ومُرتَّبًا تاريخيًا وموضوعيًّا:

أولًا: خلفية عصر النهضة(من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين):

بعد قرون من الجمود اللغوي عقب سقوط الأندلس والعثمانيين، ولأسبابٍ متعدّدةٍ أهمها عدم الاهتمام الكافي بتعلّم وتعليم اللغة العربية كما في العصور السابقة، وذلك لتركيز الدولة العثمانية على اللغة التركية كلغةٍ للدولة، شهدت البلاد العربية اجتياحًا فكريًّا ولغويًّا غربيًّا، دعاه أهل اللغة بعصر النهضة، وذلك بعد الحملة الفرنسية على مصر (1798)ثم البعثات العلمية إلى أوروبا، وظهور المطابع والصحف والمدارس الحديثة...

مع أن الهدف من هذا الاجتياح الفكري كان إضعاف الفكر العربي والإسلامي، بتطعيمه بالفكر الغربي بكل ما فيه من فلسفاتٍ مادية إلحادية، إلا أن اللغة العربية الشريفة، شأنها شأن القرآن الكريم المحفوظ بحفظ الباري جل وعلا، ومع أنها استقبلت هذا الغريب بحفاوة وسعة صدرٍ كما أهلها، لكنها استطاعت أن تمتص منه الرحيق وتترك البريق... وفي ذلك تفصيل:

لقد احتكّ المثقفون العرب بالآداب الأوروبية، خصوصًا الفرنسية والإنجليزية، فبدأت العربية تستقبل أنواعًا أدبية جديدة لم تعرفها من قبل، فكان دخول بعض الأنواع الأدبية الغربية إلى ساحة الإبداع العربي، وذلك على النحو الآتي:

المقالة الأدبية والفكرية:

لم يكن العرب قبل النهضة يعرفون المقالة بمفهومها الغربي (Essay)، بل كانت الكتابة أقرب إلى الرسائل والخطب، فتأثر العرب بمقالات مونتيني وروسو ولامارتين وغيرهم، وخرجوا بمقالات عربيةٍ قيّمةٍ في مواضيع مختلفة.

ولعل أول من طوّع المقالة بالعربية، كان رفاعة الطهطاوي، ثم المنفلوطي والعقاد والرافعي لاحقًا.

وكان القالب العربي الجديد للمقالة مزيجًا من البلاغة العربية الكلاسيكية والفكر التحليلي الحديث، فجاءت لغته جزلة، إيقاعية، لكنها عقلانية دقيقة.

القصة القصيرة:

لم يعرف العرب القصة القصيرة بشكلها الحاليّ قبل عصر النهضة، ومع أن لها جذورًا ضاربةً في عمق تاريخ العرب، وبالأخص في القصص القرآنية التي جاء بها القرآن الكريم ليقدم للإنسان العبرة من حكايات الأولين، إلا أن القصة القصيرة العربية يمكن أن تعدّ وليدة هذا التزاوج الحضاري بين الشرق والغرب، وقد كان أول انتقال القصة القصيرة إلى العربية من خلال الترجمة عن الفرنسية والروسية (تشيخوف، موباسان، تولستوي...)، وأول من كتب القصة القصيرة بالعربية: المنفلوطي ومحمود تيمور وزكي مبارك، ثم تطوّرت مع يوسف إدريس وغسان كنفاني وغيرهم...

على أن أبرز ما تتميز به القصة العربية عن الغربية أنها خضعت لعامل القولبة العربية، فقد صاغت الهمّ الاجتماعي والوجداني والوطني بلغة قريبة من القرآن والشعر العربي، فجمعت بين الأسلوب الرمزي الغربي والعبارة البلاغية العربية المكثفة.

الرواية:

الرواية فنّ غربي الأصل، نشأ في أوروبا الحديثة، لكنها شأنها شأن الأنواع الأدبية الغربية الأخرى، استطاعت أن تغزو الفكر العربي، فدخلت العربية في القرن التاسع عشر مع الترجمات عن الفرنسية، وقد استهوى هذا النوع الأدبي الكتّاب العرب فخاضوا فيه وأبدعوا، وصنّف المؤرخون أول رواية عربية مطبوعة هي رواية "زينب" (1914) لمحمد حسين هيكل، ثم توالت روايات نجيب محفوظ والطيب صالح وعبد الرحمن منيف وغيرهم... فطوّعوا السرد الغربي (الواقعي، الرمزي، الفلسفي) بلغة عربية أصيلة...

ومع أن تأثّر المضمون الروائي بالفكر الغربيّ كان واضحًا رغم شرقية الروايات، وهو أمرٌ طبيعيّ لمن اتخذ من الثقافة الغربية مثلًا يحتذى، لكن القالب العربي للرواية فرض نفسه، فاكتسبت الرواية العربية طابعًا خاصًا، حيث استمدّت البناء السردي من الغرب، لكنها أضفت نَفَسًا عربيًا شرقيًا في اللغة والرمز والتصوير، وظل الحوار فيها يحمل نغمة البيان القرآني والشعري، مع تداخل اللهجات العامية في كثير من الروايات، مما أضفى عليها صبغة الواقعية ومحاكاة الحياة المعاشة.

المسرحية:

لم يكن المسرح معروفًا في التراث العربي القديم (باستثناء بعض المظاهر الطقسية وأحاديث السمر)، وقد تأثر العرب بالمسرح الأوروبي (خاصة الفرنسي: موليير، كورناي، راسين)، ولعل أول المسرحيين العرب: هم مارون النقاش في لبنان، ثم أحمد شوقي في مصر بمسرحياته الشعرية.

وكما هو الحال مع الأنواع الأدبية الأخرى المستوردة، فقد تقولب المسرح العربي في قالبٍ خاصٍّ جعل من العربية الفصحى لغة للحوار الدرامي، وهو أمر نادر عالميًا، ثم طوّره كتّاب مثل توفيق الحكيم وسعد الله ونوس وغيرهما ليصبح أداة فكرية تناقش قضايا الأمة والوجود.

الشعر الحر وقصيدة النثر:

في منتصف القرن العشرين، تأثر الشعراء العرب بالحركات الأدبية الغربية (الرومانسية، الرمزية، الواقعية).

فظهرت حركة الشعر الحر مع بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وغيرهما... ثم تدرجوا نحو قصيدة النثر مع أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وغيرهم...

وفي سياق القولبة العربية، فإنه حتى في التجديد، ومع خروجه على الوزن والقافية والعمود الشعري التقليدي، ظل الشعر العربي محتفظًا بموسيقاه الخاصة وصوره القرآنية والبلاغية... لقد أصبحت اللغة العربية قادرة على استيعاب التجريب الغربي دون أن تفقد طابعها الإيقاعي والدلالي.

وهنا يبرز سؤال: كيف "قولبت" اللغة العربية هذه الأنواع كلها؟

والجواب يكمن في الخصائص اللغوية التي تتلخص بالآتي:

المرونة الاشتقاقية والبيانية: التي سمحت بخلق مصطلحات جديدة: (رواية، مسرحية، قصة قصيرة، نقد، تحليل نفسي...) دون اللجوء إلى ألفاظ أجنبية.

الطاقة البلاغية للغة: التي جعلت النصوص العربية أكثر تصويرًا وشحنة عاطفية من نظيراتها الغربية.

الإيقاع والبيان القرآني: الذي أعطى الكتابة العربية عمقًا روحانيًا وتأمليًا حتى في الأجناس النثرية الحديثة.

الازدواج اللغوي الذي آخى بين الفصحى والعامية (مع تحفظنا على هذه الأخيرة في النص الأدبي): مما أنتج لغة سردية خاصة قادرة على الجمع بين الرسمية والشعبية في الأدب والفكر.

خلاصة القول هو أن العربية في عصر النهضة والحداثة تأثرت بالأنواع الأدبية الغربية، لكنها لم تكن مقلِّدة، بل مبدعة في التكييف، فهي قد استطاعت أن تُعيد صوغ الأجناس الأدبية في قالب عربي صرف يجمع بين الأصالة والمعاصرة، حتى أصبحت الرواية العربية الحديثة والشعر الحر والمقالة الأدبية من أبرز النماذج على قدرة العربية على التجدد دون الانسلاخ عن هويتها.

لعل التركيز في هذه المقالة بأجزائها الستة كان على القالب اللغوي للعربية، كمعبّرٍ أساسٍ عن الفكر العربي والإسلامي بشتى تطوراته عبر التاريخ، ارتكازًا على القرآن الكريم الذي هو المعجزة الإلهية الخالدة، وانطلاقًا نحو اللغة العربية الشريفة في مداها الواسع، التي استطاعت أن تضمّ المتناقضات والمتآلفات كما لم تستطع غيرها من اللغات...

وحريّ بنا لكي نستوعب في دراستنا الفكر الخالد الذي يواكب هذه اللغة ويعيشها في روحه، أن نتطرّق ونبحث في مضمون الآداب العربية الإنسانية لا في قوالبها اللغوية فحسب، فتكون لنا وقفات متعددة مع هذه الآداب وقدرتها على التعبير عن تفاصيل الحياة الإنسانية، بكل تطوراتها عبر التاريخ، مع التركيز على عصرنا الحاضر، عصر العولمة والتحديات الوجودية، وهو عصر التمهيد لبقية الله الأعظم، ولنا أن نرصد كيف استطاعت هذه اللغة العظيمة أن تحمل مع رسالة السماء، رسائل العشق الإلهي الذي يربط أهل الأرض بأهل السماء، فكانت كما هي في كل ميدان، جديرة بتلك المسؤولية العظمى، تحملها وتتحملها وتؤديها بكل كفاءة وتكامل.

نترك هذا البحث لمقالة جديدة يمكن أن تجيب على إشكالية جديدة: 

كيف عبّرت العربية عن هموم الإنسان عمومًا والمسلم خصوصًا في عصرنا الحاضر؟ 

وكيف استطاعت أن تكون جسر التواصل المتين بين ماضيه الغني المثقل وحاضره المتقلقل بين رسوخ العقائد والقيم وتهديد الحرب الناعمة التي تستهدف الفكر الإلهي الحر بأسلحتها الأفعوانية الخبيثة الفتّاكة؟

الجواب يأتي لاحقًا بإذن الله في طيات مقالات جديدةٍ تعالج ما يوفقنا الله إليه من هذه الموضوعات الحيوية الساخنة.  


العودة إلى الأعلى