اللغة العربية أم اللغات ولغة القرآن الكريم، بين الماضي والحاضر والمستقبل
لعل لغةً ما من لغات العالم القديم والحديث لم تؤثر وتتأثر بمحيطها اللغوي عبر التاريخ كما فعلت اللغة العربية.
والمتأمل في اللغة العربية وعظمتها وفرادة تراكيبها واشتقاقها وبلاغتها، يعلم أي كائن حي استثنائي هو هذا الذي تكوّن عبر القرون الطويلة من الالتحام الإنساني، ليغدو الناطق بكلام الباري في أكبر معجزةٍ جعلها جل وعلا بين أيدي البشر، لترسيخ إيمانهم بأنبيائه، وإرشادهم إلى سبل السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة...
وعلى مستوى عظمة اللغة تكون عظمة تأثيرها، خاصةً وأنها لغة القرآن الكريم، أي أن انتشار الإسلام وتأثيره في محيطه يعني انتشار القرآن الكريم والصلاة وسائر التشريعات التي تنطِق وتُنطَق بالعربية.
إن نظرةً عامةً إلى التاريخ الإنساني المرافق لهذه اللغة العصماء، يعطينا صورة موجزة عن تأثّرها وتأثيرها في اللغات الأخرى... فالعربية ليست لغة غنية بذاتها فحسب، بل هي أيضًا لغة مؤثِّرة ومتأثِّرة على مدى أكثر من خمسة عشر قرنًا من التفاعل الحضاري، منذ ما قبل الإسلام وحتى عصر العولمة، وإن تأثرها بغيرها من اللغات فضلًا عن تأثيرها فيها لا ينقص من قدرها، بل يرفع من شأنها كلغةٍ حية تعيش مع الإنسان وتتفاعل وتتطور، دون أن تتخلى عن ذرةٍ واحدةٍ من أصالتها وبلاغتها وعمقها وفصاحتها، وهذا سرّ من أسرارها نحاول أن نخوض فيه، وإن كنا نعلم أننا لا يمكن أن نحتويه.
فيما يلي عرض شامل ومُرتَّب زمنيًا ولغويًا لتطوّر هذا التأثير المتبادل :
أولًا: قبل الإسلام – العربية في بيئتها السامية:
العربية تنتمي إلى اللغات السامية (كالعبرية والآرامية والأكادية...)، وقد تأثرت في بداياتها ببعض الألفاظ الآرامية والعبرية والحميرية، نتيجة التبادل التجاري والديني بين الجزيرة العربية والشام واليمن.
فكلمة "قربان" أصلها سرياني، وكلمة "قسطاس" أصلها رومي، وهكذا...
لكن هذا التأثر كان طفيفًا، فهو لم يؤثر على بناء اللغة ونظامها الصوتي والصرفي الأصيل، الذي حافظت عليه على مدى التاريخ حتى عصرنا الحاضر، كما لم تفعل أي لغة سامية أخرى.
ثانيًا: بعد الإسلام – عصر التأثير العربي العظيم (من القرن السابع حتى الثاني عشر الميلادي)
مع بزوغ الإسلام وانتشار الفتوحات، تحوّلت العربية إلى لغة الحضارة العالمية من الأندلس إلى الهند.
فأثّرت تأثيرًا بالغًا في مئات اللغات، من الفارسية إلى الإسبانية وغيرها... وذلك على النحو الآتي:
في اللغات الإسلامية (الشرقية):
الفارسية: اقتبست آلاف الكلمات العربية في الدين والعلم والفلسفة والإدارة، كمثل: "كتاب"- "قلم"- "دنيا" – "حكمة"- "مدرسة"- "حقيقة"- "إنسان"... وتُقدّر نسبة المفردات العربية في الفارسية بنحو 60 في المئة!
التركية العثمانية: استعارت من العربية أكثر من 6000 كلمة، خاصة في الدين والسياسة والعلم.
كمثل: devletدولة- hakikat حقيقة- kitap كتاب kalem قلم...
الأوردية (في شبه القارة الهندية): نحو 60 في المئة من كلماتها ذات أصل عربي أو فارسي.
في اللغات الأوروبية عبر الأندلس وصقلية:
عندما ازدهرت الحضارة الإسلامية في الأندلس (إسبانيا والبرتغال) وصقلية، دخلت آلاف الألفاظ العربية إلى اللغات الأوروبية، وذلك في حقول الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة والزراعة.
كمثل الجبر أي علم الحساب الرمزي: (álgebra بالاسبانية وalgebra بالإنكيليزية وalgebre بالفرنسية)، القطن: (algodónبالإسبانية و cotton بالإنكليزية وcoton بالفرنسية) ، السكر: (azúcar بالإسبانية و sugarبالإنكليزية وsucre بالفرنسية) وهكذا...
حتى أنه في الفرنسية والإيطالية والبرتغالية، تُقدَّر الكلمات ذات الأصل العربي بالآلاف.
ثالثًا: في العصور الوسطى – العربية لغة العلم والفكر:
بين القرنين العاشر والخامس عشر، كانت العربية هي اللغة العلمية العالمية، حيث تُرجمت مؤلفات ابن سينا والرازي والخوارزمي وابن رشد إلى اللاتينية، وأثّرت في نهضة أوروبا وفي تطور الفكر العلمي والفلسفي.
وكثير من المصطلحات اللاتينية الموروثة عن الطب والفلك أصلها عربي كمثل: alchemy) algorithm...)
رابعًا: العصور الحديثة – تأثر العربية باللغات الغربية:
ابتداءً من القرن التاسع عشر ومع الاستعمار والنهضة الحديثة، بدأت اللغة العربية تتأثر باللغات الأوروبية (خاصة الفرنسية والإنجليزية)، وكان من مظاهر هذا التأثر الحديث: الاقتراض المعجمي المباشر كمثل (تلفزيون، راديو، إنترنت، كومبيوتر، ديمقراطية، فلسفة...) والتعريب والاشتقاق لكلماتٍ جديدة كمثل: (هاتف ← تهاتف، برمج ← مبرمج، تدوين ← مدوَّنة...) والمصطلحات العلمية الجديدة، والتأثر الجزئي بأساليب الترجمة الغربية، خصوصًا في الصحافة والإعلام والأدب الحديث.
مع كل ذلك، بقيت اللغة العربية محافظة على بنيتها الصرفية والنحوية الجوهرية، بخلاف الكثير من اللغات التي فقدت طابعها الأصيل تحت التأثير الخارجي.
خامسًا: التأثير العربي المستمر في العصر الرقمي الحديث:
على صعيد العالم السياسي، تعد العربية اليوم لغة رسمية في أكثر من عشرين دولة، وواحدة من اللغات الستّ الرسمية للأمم المتحدة، أما على الصعيد الاجتماعي والثقافي، فإن كلمات عربية حديثة تدخل باستمرار إلى لغات العالم بسبب انتشار الثقافة العربية والإسلامية عالميًا: ( Ramadan, hijab, halal, hummus, falafel, jihad, sultan...)
خلاصة القول هو أن اللغة العربية تأثرت ببعض السريانية والآرامية قديمًا، وبالمصطلحات الإنكليزية والفرنسية حديثًا، لكن تأثيرها امتدّ منذ القدم على غيرها من الأمم، منذ العصور الوسطى حتى عصر النهضة والعصر الرقمي الحديث، حيث يترافق تأثيرها مع وجودها وثباتها وخلودها الحضاري والديني، مما يدفعنا للقول بأنها كانت وما تزال أحد أهم أعمدة التفاعل اللغوي في التاريخ الإنساني، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، فقد أثّرت بعمقٍ في لغات الشرق والغرب على حد السواء، وحافظت في الوقت نفسه على جوهرها وبنيتها الخاصة، مما يجعلها واحدة من اللغات القليلة التي جمعت بين الأصالة العالمية والمرونة الحضارية، وإذا أضفنا إلى ذلك ما توصلنا إليه سابقًا حول فرادتها الحضارية وعظمتها الاستثنائية التي تجعلها اللغة الأولى بلاغةً وجمالًا ودقةً ومنطقًا عبر التاريخ الإنساني.
يبقى لنا أن نرصد تأثر هذه اللغة الشريفة وتأثيرها في بنيتها الأدبية، ومرونتها في اكتساب الجديد واحتضانه وتفعيله ليغدو جزءًا لا يتجزّأ منها، وذلك ما سنقوم به في الجزء القادم من المقالة، وهو الجزء الأخير.



