أزمة المياه في العراق: مسؤولون يحذرون من تعرض 20 مليون شخص للخطر
تشهد شرايين الحياة في العراق، نهري دجلة والفرات، تراجعا بمعدلات مثيرة للقلق، مما دفع لجنة الزراعة في البرلمان العراقي إلى إصدار تحذير شديد اللهجة بأن حياة وسبل عيش ما يقدر بنحو 20 مليون مواطن أصبحت الآن في خطر.
إن أزمة المياه المتصاعدة، والتي يعود سببها في المقام الأول إلى بناء السدود على نطاق واسع على الأنهار من قبل الدول المجاورة، وخاصة تركيا، تجبر القرويين على طول ضفاف النهر على التفكير في هجرة جماعية من أراضيهم الزراعية نحو المراكز الإقليمية المثقلة بالأعباء، مما يهدد بإعادة تشكيل المشهد الديموغرافي والاقتصادي للبلاد.
إن واقع الأزمة الصارخ واضحٌ لكل من يعيش على ضفاف الأنهار. فدجلة، الذي كان عظيمًا في يوم من الأيام، أصبح الآن مجرد ظلٍّ لما كان عليه سابقًا، وهو وضعٌ تطور على مدى سنواتٍ عديدة، ولكنه وصل إلى نقطةٍ حرجة.
قال كرار سامي، وهو مواطن يراقب التغيرات الجذرية: "منذ خمس أو ست سنوات، يتناقص منسوب مياه نهر دجلة، ويزداد انخفاضه عامًا بعد عام. وخاصةً هذا العام، ظهرت عدة جزر في وسط النهر، لم نرَ مثلها من قبل. وفي بعض الأماكن، يمكنك حتى عبور النهر سيرًا على الأقدام ". بحسب كردستان24
كان لهذا الانخفاض الحاد في تدفق المياه أثرٌ مدمرٌ على من يعتمدون مباشرةً على النهر في معيشتهم. فالصيادون، الذين جابوا هذه المياه لأجيال، يجدون الآن مهنتهم في خطر.
حسن جبر، صياد محلي، نقل الوضع المتدهور إلى كردستان24، مشيرًا إلى انكشاف مجرى النهر كدليل واضح على المشكلة. وأوضح قائلًا: "لقد سدّّت تركيا مجرى النهر، وهذه هي النتيجة. من الواضح كم انخفض منسوب المياه. كنا نذهب عكس التيار للصيد، لكن الآن انخفض منسوب المياه بنحو ثلاثة إلى أربعة أمتار. انظر إلى منتصف النهر، لقد انكشف مجرى النهر".
وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد المائية العراقية هذه الروايات المباشرة بأرقام مذهلة.
انخفضت مناسيب المياه في البلاد بشكل حاد من متوسطها التاريخي البالغ 70 مليار متر مكعب إلى أقل من 40 مليار متر مكعب. وتتفاقم الأزمة بفعل التحديات الداخلية، حيث أفادت الوزارة أيضًا أنه على الرغم من تخزين 21 مليار متر مكعب من المياه خلال فصل الشتاء الماضي، إلا أنه لم يتبقَّ شيء من هذا الاحتياطي بسبب ما يُوصف بسوء الإدارة.
وقد أدى هذا المزيج من الضغوط الخارجية وانعدام الكفاءة الداخلية إلى خلق عاصفة مثالية لأمن المياه في العراق.
وفي رد فعل على حالة الطوارئ المتزايدة، أصدرت لجنة الزراعة في مجلس النواب العراقي بيانا رسميا أكدت فيه على خطورة الأضرار.
وأكدت اللجنة أن انخفاض منسوب مياه النهر يعرض حياة واستقرار اقتصاد 20 مليون عراقي للخطر، وأقرت بأن القرويين في بعض المناطق المتضررة يضطرون إلى الهجرة بعد أن أصبحت أراضيهم غير صالحة للزراعة وجفاف مصادر المياه الأساسية لديهم.
وجه رئيس لجنة الزراعة في مجلس النواب فالح الخزعلي، سلسلة من المطالب العاجلة للحكومة الاتحادية.
وأضاف "ندعو الحكومة الاتحادية إلى التحدث مع تركيا لإطلاق المزيد من المياه، بما لا يقل عن 800 متر مكعب من المياه في الثانية، من أجل إحياء نهري دجلة والفرات لمياه الشرب والاستخدام الزراعي".
وشدد الخزعلي على ضرورة التحرك الداخلي للحفاظ على ما تبقى من كميات المياه القليلة، داعيا إلى إزالة "جميع البحيرات والمزارع السمكية غير المرخصة فورا حتى تعود المزيد من المياه إلى الأنهار".
ورغم هذه الدعوات للتحرك، فإن الجهود الدبلوماسية فشلت حتى الآن في تحقيق نتائج.
قبل شهرين، أعلن رئيس الوزراء العراقي عن مبادرة إقليمية تهدف إلى حماية الأمن المائي، ودعا رسميا الدول المجاورة إلى ضمان إطلاق مستمر للمياه في الأنهار المشتركة.
ومع ذلك، ووفقاً للتقارير، لم يستجب أي من جيران العراق لمبادرة رئيس الوزراء، الأمر الذي ترك البلاد في وضع حرج في ظل مواجهتها لأزمة بيئية وإنسانية متفاقمة دون أي حل فوري في الأفق.
انخفاض منسوب دجلة والفرات 27%.. وخبراء يحذرون من مستقبل مظلم للمياه في العراق
متابعات:
يشهد العراق أزمة مائية خانقة تُعد من الأسوأ منذ قرن، إذ يمر حاليا بأشد سنوات الجفاف منذ عام 1933. فقد انخفضت مستويات نهري دجلة والفرات، اللذين يرفدان الخليج العربي، بنسبة تقارب 27% نتيجة ضعف الأمطار وقيود دول المنبع.
وفي الجنوب، تتفاقم معاناة محافظة البصرة التي تضم نحو 3.5 مليون نسمة وتشكل مركزا نفطيًا وميناءً حيويًا، حيث تبرز أزمة إنسانية جراء ندرة المياه وسوء إدارتها، ويضطر السكان إلى الاعتماد على حصص يومية بالكاد تكفي، فيما يسير بعضهم مسافات طويلة للحصول على مياه صالحة للشرب. ويصف حسن ريكان، أحد أبناء البصرة، رحلته اليومية بحثًا عن الماء بأنها مرهقة، إذ يترك عمله ويقف في طوابير طويلة من أجل توفير كمية لا تغطي احتياجات أسرته. ومع تلوث مياه البحر القريبة بسبب الانسكابات النفطية، والصرف الصحي، والجريان الزراعي، ارتفعت الإصابات بالأمراض الجلدية.
وتتعقد الأزمة أكثر مع تسرب المياه المالحة القادمة من الخليج عبر شط العرب نحو الداخل، مما يزيد من ملوحة المياه ويجعلها غير صالحة للشرب أو الزراعة، خاصة مع تناقص تدفق المياه العذبة من دجلة والفرات بفعل السدود في دول الجوار.
ورغم أن محطة تحلية "ميهيلة" في قضاء أبو الخصيب تنتج يوميًا نحو 72 ألف متر مكعب من المياه لتغطية نصف حاجة المنطقة، فإن الملوحة التي تبلغ 40 ألف مادة صلبة ذائبة تجعل الجهود غير كافية، إذ تُعاد مخلفات التحلية إلى النهر وتزيد من التلوث.
الخبراء يؤكدون أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور ما لم تتحرك الحكومة بشكل عاجل. فقد خسرت البصرة ما بين 26 إلى 30 نوعًا بحريًا بسبب الملوحة، فيما نشأت بيئة هجينة لا تصلح للكائنات المائية العذبة أو المالحة على حد سواء، كما تراجعت صلاحية الأراضي الزراعية. ويرى الباحث حيدر الشاكري أن أزمة المياه في العراق لا تنحصر في التغيرات المناخية وقلة الأمطار، بل تتصل أيضًا بالقيود المفروضة من المنبع وسوء الإدارة المحلية، إضافة إلى الفساد الذي أضعف مؤسسات الدولة وأتاح لتركيا وإيران استغلال الملف المائي لمصالحهما.
وقد شهد العراق ذروة الأزمة عام 2018 حين أصيب أكثر من 118 ألف شخص جراء تلوث المياه، بينما تعود المخاوف اليوم من تكرار الكارثة. ويجمع الخبراء على أن الحل يتطلب إصلاحات جذرية، أبرزها إنشاء هيئة وطنية للمياه تتولى التفاوض الدبلوماسي مع دول الجوار، ومراقبة التدفقات، والتنسيق بين الوزارات والمحافظات، بما يضمن مستقبلاً مائيًا أكثر أمانا للعراق.
وكالات



