النهضة الحضرية والتحولات الهيكلية في المشهد المعماري العراقي

: اسرة التحرير 2026-04-13 09:29

يشهد الواقع الحضري في العراق خلال عام 2026 مرحلة مفصلية، تتبلور فيها ملامح ما يمكن وصفه بالنهضة الحضرية التي انطلقت قبل سنوات، لتبدأ اليوم بالظهور على أرض الواقع، وسط تداخل واضح بين منجزات عمرانية متقدمة وتحديات تمويلية معقدة. ولم تعد مشاريع المدن الجديدة مجرد مخططات نظرية، بل تحولت إلى ورش عمل كبرى تستهدف معالجة عجز سكني تراكمي يُقدّر بنحو 2.3 مليون وحدة سكنية.

ويعكس هذا التحول إعادة صياغة شاملة للعقدين الاجتماعي والمكاني، في ظل تغيرات ديموغرافية أدت إلى انخفاض نسبة سكان البادية إلى أقل من 4%، مقابل تصاعد الضغط على المدن الكبرى التي باتت غير قادرة على استيعاب النمو السكاني ضمن بنيتها التقليدية.

وتشير البيانات إلى أن نسبة التحضر كانت تاريخياً عند حدود 25% بين عامي 1867 و1932، قبل أن تتضاعف لاحقاً بشكل متسارع، ما أدى إلى تفاقم أزمة العشوائيات التي تجاوزت اليوم 5,000 تجمع سكني في عموم البلاد، منها نحو 1,000 في العاصمة بغداد وحدها. وفي محاولة لمعالجة هذا الواقع، صادقت الدولة منذ عام 2024 على 21 مشروعاً لمدن سكنية جديدة، يُتوقع أن توفر قرابة 765,000 وحدة سكنية.

وتتوزع ملامح هذه النهضة على مسارين متوازيين؛ يتمثل الأول في إنشاء مدن سكنية ذكية مثل مدينتي الجواهري والغزلاني كأقطاب نمو حضرية مستقلة، فيما يركز المسار الثاني على إحياء المراكز التاريخية عبر مبادرات مثل "نبض بغداد" ومشاريع ترميم شناشيل البصرة القديمة.

السياسة الإسكانية الوطنية

تتبنى وزارة الإعمار والإسكان السياسة الإسكانية الوطنية 2025–2030، التي تهدف إلى تحقيق تنمية مكانية متوازنة وتقليل الضغط على المدن المكتظة. وبحلول نيسان 2026، برز حراك نيابي داخل اللجنة المالية باتجاه مضاعفة تخصيصات ملف الإسكان بنسبة لا تقل عن 30% ضمن موازنة 2026، استجابةً للطلب المتزايد على القروض السكنية، ومعالجة التحديات التمويلية التي واجهت عدداً من المشاريع.

وقد أفرزت أزمة السكن السابقة مظاهر خلل في النسيج الحضري، أبرزها انتشار العشوائيات وظاهرة "تجزئة الوحدات السكنية"، حيث تُقسّم المنازل الكبيرة إلى وحدات صغيرة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السكن اللائق، ما تسبب بضغط كبير على شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى تراجع الخصوصية الاجتماعية.

تمثل المدن الجديدة مثل "مدينة الجواهري" و"مدينة الغزلاني" تحولاً نوعياً في فلسفة التخطيط الحضري، إذ تقوم على نموذج المدن المتكاملة التي تجمع بين السكن والعمل والترفيه في آن واحد.

وتعتمد هذه المدن معايير "المدن الذكية" عبر أربعة محاور رئيسية:

أولاً، الاستدامة البيئية من خلال استخدام الطاقة الشمسية وتوسيع المساحات الخضراء والمسطحات المائية.

ثانياً، التكامل الخدمي عبر توفير المدارس والمراكز الصحية والمساجد والمراكز الثقافية داخل كل مدينة.

ثالثاً، التصميم الحضري الحديث القائم على نظام "الزونات" والأحياء المستقلة خدمياً لتقليل الحاجة للتنقل الطويل.

رابعاً، اعتماد التكنولوجيا المتقدمة من خلال أنظمة المراقبة والشبكات الذكية ومعايير بناء حديثة تراعي العزل الحراري.

مدينة الجواهري

تشهد مدينة الجواهري في قضاء أبو غريب تطوراً ملحوظاً خلال عام 2026، إذ أعلنت الجهات المعنية، إلى جانب بناء 30,000 وحدة سكنية متنوعة، تسلم 10,000 قطعة أرض مخدومة بالبنى التحتية من المستثمر، تمهيداً لتوزيعها على 21 فئة مستحقة.

وتتراوح مساحات الوحدات السكنية بين 200م² و250م² و300م²، بما يتيح تلبية احتياجات شرائح مختلفة من السكان، مع توفير بنية خدمية واسعة تضم أكثر من 130 منشأة تعليمية و38 مركزاً صحياً متطوراً.

مدينة الغزلاني في الموصل

في محافظة نينوى، التي تُقدّر حاجتها بنحو 300,000 وحدة سكنية، انطلقت الأعمال الميدانية في مدينة الغزلاني على مساحة 4800 دونم، حيث جرى تهيئة الأرض لبناء أول 1,000 وحدة سكنية كبداية أولى ضمن المشروع الذي ينفذه مستثمر صيني.

وتتضمن المخططات إنشاء نحو 25,418 وحدة سكنية، موزعة بين البناء الأفقي (15,000 وحدة) والعمودي (10,000 وحدة). ويعتمد التصميم العمراني على تقسيم المدينة إلى قطاعات سكنية، يضم كل قطاع أربعة أحياء، بما يضمن توفر الخدمات الأساسية على مستوى كل حي.

رغم التوسع العمراني الملحوظ، يبقى التحدي المالي أحد أبرز العقبات. فقد طُرحت وحدات مدينة الجواهري بسعر 900,000 دينار للمتر المربع.

وبحسب نظام الأقساط المعتمد في 2026، يبلغ سعر الوحدة السكنية بمساحة 200م² نحو 290 مليون دينار، مع دفعة أولى قدرها 50 مليون دينار، وقسط شهري يبلغ 1.75 مليون دينار لمدة 11.5 سنة. أما في حالة الدفع النقدي، فيصل السعر إلى 190 مليون دينار، تُدفع منها 95 مليوناً كمقدمة، والباقي خلال 6 أشهر.

وفيما يتعلق بالشقق السكنية، يبلغ سعر شقة بمساحة 100م² (3 غرف) نحو 83 مليون دينار، مع دفعة مقدمة تبلغ 53 مليوناً، وقسط شهري قدره 250 ألف دينار لمدة 10 سنوات. أما شقق "الستوديو" بمساحة 35م² فتُطرح بسعر 38 مليون دينار، مع مقدمة 22 مليوناً وقسط شهري 133 ألف دينار لمدة عشر سنوات.

وقد أثار هذا التفاوت السعري تحذيرات من تحول المجمعات السكنية إلى "مخازن استثمارية" بيد الأثرياء، ما قد يحد من قدرة الطبقات المتوسطة والفقيرة على التملك، ويؤدي إلى ارتفاع غير مبرر في الأسعار.

إحياء المراكز التاريخية

بالتوازي مع التوسع العمراني في الأطراف، تواجه المراكز التاريخية في المدن العراقية تحديات وجودية تتعلق بالحفاظ على الهوية والذاكرة العمرانية. ولا تقتصر مشاريع الإحياء على الجانب المعماري، بل تمتد إلى استعادة الرمزية الثقافية والسياسية للمكان.

بعد تحقيق تقدم في المراحل الأولى من مبادرة "نبض بغداد"، رُصد خلال نيسان 2026 توقف مفاجئ للأعمال في القواطع الجديدة، ومنها ساحة حافظ القاضي، إلى جانب انسحاب المعدات بعد أشهر من نصبها، لأسباب يُرجّح أنها مالية أو إدارية. ويضم شارع الرشيد 947 ركيزة معمارية تراثية (دنكات)، مع خطة لتحويله إلى فضاء ثقافي يضم تراماً سياحياً، إلا أن التوقف الأخير يهدد استمرارية المشروع.

في البصرة، تتواصل جهود الترميم بالتعاون مع منظمة اليونسكو لإحياء بيوت الشناشيل، حيث أُنجزت أعمال تأهيل نحو 10 بيوت تراثية تعتمد على خشب "الجاوي"، وتم تحويل بعضها إلى مراكز ثقافية، من بينها "مركز المخطوطات".

لكن تواجه عمليات الترميم أربعة تحديات رئيسية، وفق تقارير 2026

-         تحويل المباني التراثية إلى استخدامات تجارية مثل المخازن أو مواقف السيارات بسبب الحاجة للعائد المالي.

-        غياب الرؤية العلمية واستخدام مواد غير أصلية مثل الطلاء الرديء.

-         صعوبة إزالة الإسمنت البورتلاندي من الأبنية القديمة، ما يؤدي إلى تآكل الطابوق نتيجة منع "تنفس" البناء.

-         قصور الحماية القانونية في القانون رقم 55 لسنة 2002 فيما يتعلق بالمواد التراثية لدى الأفراد.

تشير معطيات نيسان 2026 إلى أن النهضة الحضرية في العراق تمر بمرحلة اختبار حقيقية، حيث تتقدم مشاريع المدن الجديدة في المناطق الصحراوية، في مقابل تعثر نسبي في مشاريع إحياء المراكز التاريخية بفعل تحديات التمويل.

ويبدو أن نجاح هذه النهضة مرهون بتأمين تمويل مستدام عبر زيادة موازنة 2026، وتطوير هوية معمارية عراقية معاصرة تجمع بين حداثة المدن الذكية وروح التراث، إلى جانب فرض رقابة صارمة على المضاربات العقارية لضمان وصول السكن إلى مستحقيه الفعليين.

 

 

العودة إلى الأعلى