جغرافيا الذاكرة في بغداد علم اجتماع الأسواق الشعبية وبورصة القيم الرمزية
تمثل الأسواق الشعبية في العاصمة العراقية بغداد، وتحديداً في مناطقها المركزية القديمة مثل شارع الرشيد ومنطقة الشورجة والميدان، بنية اقتصادية واجتماعية موازية لا تكتفي بتبادل السلع المادية، حيث تعمل كمختبر لإنتاج القيم الثقافية والرمزية.
فالاقتصاد "الموازي" في هذه البقاع لا يعني بالضرورة الأنشطة غير الرسمية فحسب، حيث هو اقتصاد يقوم على "الذاكرة" و"الهواية" و"الارتباط بالهوية"، وتتحول القطع الصغيرة من طوابع وعملات وأنتيكات إلى أرشيف حي يحاول العراقيون من خلاله استعادة ملامح دولتهم وتاريخهم الذي تعرض لهزات كبرى.
في مناطق الميدان والحيدرخانة والسنك، ينمو اقتصاد فريد يعتمد على "التحف" أو ما يعرف محلياً بـ "التحفيات"، فخان المدلل يعتبر مركز الثقل في تجارة الأنتيكات في قلب هذا الزخم التاريخي، يبرز "خان المدلل" كواحد من أهم المراكز التجارية للأنتيكات في بغداد، وهذا المكان الذي تفوح منه رائحة الماضي، يضم قطعاً نادرة تتوزع بين الراديوات القديمة، الساعات الثمينة، واللوحات الفنية التي تؤرخ لحقب زمنية مختلفة. التجار هنا ليسوا مجرد بائعين، وانما هم خبراء في التاريخ والجمال، حيث يتم تقييم القطعة بناءً على ندرتها وعمرها الزمني وقصتها المرتبطة بالعراق وأصالته.تشير التحليلات السوسيولوجية لهذا السوق إلى أن القطع المعروضة، مثل راديوات الخمسينات أو المسجلات القديمة، لا تُباع كأجهزة تقنية وإنما كقطع فنية تعيد تشكيل الوعي بالمكان والزمان.
إن هذا الاقتصاد يعتمد على "البصيرة"، حيث يبرز في السوق شخصيات توصف بـ "الدهاة"، مثل قصة التاجر نعمان الذي كان يعرف أسرار السوق وقواعده غير المكتوبة، حيث القيمة الحقيقية ليست فيما تملك حيث تعرف عن تاريخ القطعة وندرتها، أما بورصة العملات القديمة والمسكوكات تعتبر تجارة العملات القديمة في شارع الرشيد وسوق الميدان وجهاً آخر للأرشفة الشعبية، والعملة هنا تتجاوز قيمتها النقدية لتصبح وثيقة سياسية.
وتتجلى أهمية هذه البورصة من خلال تتبع المسكوكات المتداولة التي توثق حقباً تاريخية مختلفة، ففي العهد العثماني، تبرز الليرة والقرش العثماني كرموز للارتباط بالخلافة قبل عام 1917، ومع بداية الاحتلال البريطاني، تم تداول الروبية الهندية والآنة التي توثق فترة الانتداب والارتباط المالي بالهند البريطانية، أما العهد الملكي، فيتمثل بالدينار العراقي الذي يحمل صور الملوك فيصل الأول وغازي وفيصل الثاني، ويرمز لتأسيس الدولة الحديثة والسيادة الوطنية، ووصولاً إلى العهد الجمهوري الذي تعكس مسكوكاته، بدءاً من عبد الكريم قاسم والعهود اللاحقة، التحولات الجذرية في نظام الحكم والهوية السياسية، حيث إن تداول هذه العملات يتبع قواعد سوق خاصة؛ فالسعر يرتفع كلما كانت العملة مرتبطة بحدث تاريخي فاصل أو كانت تحمل أخطاءً في السك تجعلها نادرة جداً. هذا "الاقتصاد الرمزي" يوفر دخلاً لآلاف العائلات التي تعمل في الوساطة والبيع والشراء، بعيداً عن الرقابة المؤسساتية التقليدية.
حراس الذاكرة
من جانب آخر تجد هواة جمع الطوابع والصور التاريخيةيمثل هواة جمع الطوابع والصور التاريخية في العراق طبقة "الأرشفة الشعبية" وفي ظل غياب الدعم المؤسساتي الكافي للمتاحف الوطنية أو تعرض الأرشيف الرسمي للضياع في فترات عدم الاستقرار، أخذ هؤلاء الهواة على عاتقهم مهمة حماية الذاكرة الوطنية من خلال قطع ورقية صغيرة.
من جهة أخرى يُنظر إلى الطابع البريدي في العراق كوثيقة حية توثق تحولات الدولة، فمنذ صدور أول مجموعة طوابع لبغداد عام 1917 تحت الاحتلال البريطاني، وصولاً إلى العهود الملكية والجمهورية، يعكس كل طابع الأيديولوجية السائدة في وقته، ويحرص الهواة على جمع هذه الطوابع ليس فقط كقيمة مادية، حيث أنها تؤرخ لمعالم اندثرت أو تغيرت، مثل طابع "ملوية سامراء" أو "منارة الحدباء"، وتعتبر "التوشيحات" (الكلمات أو الرموز المضافة على الطابع الأصلي) من أكثر العناصر التي ترفع من القيمة السوقية والرمزية للطابع.
على سبيل المثال، طوابع العهد الملكي التي تم توشيحها بعبارة "الجمهورية العراقية" بعد ثورة 14 تموز 1958، تمثل انتقالاً سياسياً عنيفاً ومفاجئاً تم توثيقه بريدياً، كما أن هناك إصدارات نادرة مثل طوابع "يوم الأنواء" عام 1971 التي تحظى بقيمة عالية جداً لدى الهواة بسبب ندرة التوشيح، وإلى جانب الطوابع، تشكل الصور الفوتوغرافية القديمة لبغداد سوقاً رائجة، وهذه الصور التي توثق حياة الناس في الثلاثينات والأربعينات، والزي البغدادي القديم، وحركة الملاحة في نهر دجلة، تمثل مادة دسمة للأرشفة الشعبية. ينظم هؤلاء الهواة معارض دورية في أماكن تراثية مثل "بناية القشلة" ومقهى "المدلل" لتبادل الخبرات وعرض ما يملكونه من كنوز بصرية.
يرى المختصون أن هذه الهواية بحاجة إلى دعم مؤسساتي كي لا تتعرض للاندثار نتيجة تراجع الاهتمام بالمواد الورقية لصالح الرقمية، أما سوق الغزل فهو كرنفال اسبوعي وملتقى حيث يعد سوق الغزل في بغداد ظاهرة اجتماعية واقتصادية فريدة تتجاوز كونه مجرد مكان لبيع الحيوانات، ويعتبر هو "كرنفال" أسبوعي يعقد كل يوم جمعة، حيث تلتقي فئات اجتماعية متناقضة تماماً في فضاء واحد، بعيداً عن التراتبية الطبقية المعتادة.التحول التاريخي والمكانييعود أصل تسمية السوق إلى العهد العثماني، حيث بني في عهد الوالي سليمان الكبير (1779-1802) وكان مركزاً لبيع الغزول القطنية والصوفية قرب جامع الخلفاء في الشورجة. ومع بداية الخمسينات، بدأ السوق يتحول تدريجياً لبيع الطيور والحيوانات، مع بقاء اسمه التاريخي "سوق الغزل" ثابتاً في الذاكرة الشعبية، حيث يتميز السوق بموقعه الاستراتيجي في بغداد القديمة، حيث يحيط به جامع الخلفاء (ذو المنارة العباسية) ودير الآباء الكرمليين، مما يجعله نقطة التقاء تاريخية للأديان والطوائف. هذا التمازج المكاني انعكس على طبيعة الزوار، حيث يعج السوق بآلاف الهواة من كل أطياف المجتمع العراقي، مما يجعله "واحة" اجتماعية تتجاوز النعرات الطائفية.
ولا يقتصر سوق الغزل على الطيور العادية، حيث يمثل مسرحاً لعرض الحيوانات النادرة والمفترسة أحياناً، ويمكن تصنيف النشاط التجاري في السوق إلى عدة قطاعات منها قطاع الحمام والطيور حيث يضم أنواعاً فاخرة مثل (الهنداوي، الاورفلي، الألماني، والبلجيكي)، بالإضافة إلى طيور "الهومر" التي تعد من أغلى الأنواع، وقطاع حيوانات الزينة والحراسة، حيث يشمل الكلاب (الدوبرمان، الولف، والبيتبول) والقطط (الشامية، والسيامية، والفارسية)، حيث قطاع الحيوانات الغريبة ويضم الأسماك، والأفاعي، والقرود، والنعام، وحتى النسور والصقور، حيث يمثل هذا السوق "متنفساً" للبغداديين، حيث يأتي الناس ليس فقط للبيع والشراء، بل لتغيير الجو ومشاهدة "الكرنفال" الأسبوعي، بالنسبة للكثيرين، هي هواية متوارثة توفر نوعاً من الراحة السيكولوجية بعيداً عن ضغوط العمل والحياة السياسية المتشنجة.
تحديات سعر الصرف
يعيش هذا الاقتصاد الشعبي (سواء في شارع الرشيد أو سوق الغزل) تحت رحمة التقلبات الاقتصادية الكلية، وتحديداً سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي. نظراً لأن معظم السلع (من حيوانات، وأعلاف، أو حتى تحف مستوردة) ترتبط قيمتها بالعملة الصعبة، فإن أي تذبذب في "السعر الموازي" ينعكس فوراً على حركة السوق.الدولار كمرآة للواقع اليومي في العراق، ويعد سعر الصرف هو "مرآة يومية" تعكس حالة السوق. المواطن العراقي يختصر كل المؤشرات الاقتصادية بسؤال واحد: "كم سعر الدولار اليوم؟"، وفي سوق الغزل، يلاحظ الباعة أن صعود الدولار يؤدي إلى غلاء الأعلاف وبالتالي ارتفاع أسعار الطيور، مما يجعل الزبون غير قادر على الشراء، وهو ما أدى لتراجع نشاط السوق مقارنة بسنوات الاستقرار (مثل 2013-2014).
وتحاول السلطات النقدية (البنك المركزي) من خلال "نافذة بيع العملة" السيطرة على سعر الصرف لمنع التضخم وحماية القوة الشرائية للدينار، حيث إن استقرار سعر الصرف في السعر الرسمي مقابل الموازي يعد عاملاً حاسماً لبقاء هذه الأسواق الشعبية، فالفجوة الكبيرة بين السعرين تؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية وزيادة تكاليف الاستيراد، مما يضغط على صغار التجار والهواة في الاقتصاد الموازي.
ويمكن تلخيص تأثير المتغيرات الاقتصادية على هذه الأسواق في عدة نقاط؛ حيث يؤدي ارتفاع سعر الدولار الموازي إلى انكماش المبيعات بسبب زيادة تكلفة الأعلاف والسلع المستوردة. وفي المقابل، يسهم استقرار سعر الصرف في انتعاش "الكرنفال" الأسبوعي عبر زيادة القدرة الشرائية للهواة والمقتنين. أما العقوبات والضغوط الإقليمية، فتتجلى آثارها في تذبذب العرض والطلب وصعوبة التحويلات المالية وتأخر وصول الشحنات، والتحديات الوجودية وآفاق المستقبل رغم القيمة التاريخية والاجتماعية لهذه الأسواق، إلا أنها تواجه تحديات جسيمة تهدد استمرارها كمعالم بغدادية أصيلة.
ويعاني شارع الرشيد ومنطقة سوق الغزل من تهالك حاد في البنية التحتية، بما في ذلك شبكات المجاري والخدمات الأساسية، مما يجعل بيئة العمل صعبة، كما أن هناك مخاوف حقيقية من "اندثار" سوق الغزل نتيجة ضيق المكان وعدم استيعابه للأعداد المتزايدة من الزوار، مما أدى لظهور أسواق بديلة في مناطق أخرى قد تسرق منه بريقه التاريخي.علاوة على ذلك، فإن الإهمال الذي يطال المباني التراثية في شارع الرشيد والجمهورية يجعل المنطقة تبدو في أجزاء منها كـ "مدينة مهجورة" ليلاً، مما يستدعي خططاً لإعادة التأهيل والترميم لتعيد لهذه الأماكن دورها كمركز حضاري وتجاري عالمي يوازي الشوارع الكبرى في دول العالم.إن الاقتصاد الموازي في بغداد ليس مجرد نشاط تجاري خارج الأطر الرسمية، وإنما هو "رئة" يتنفس من خلالها المجتمع، ومستودع لذاكرة وطنية يحاول "حراس الذاكرة" حمايتها من النسيان. إن استمرار هذه الأسواق يتطلب توازناً دقيقاً بين الإصلاح الاقتصادي الكلي وبين الحفاظ على الخصوصية السوسيولوجية لهذه الكرنفالات الشعبية التي تمثل جوهر الهوية البغدادية.



