أنا العراق.. وقد مررتُ من هنا: نبضُ الزمانِ الصامت في دكاكينِ "الثبات"
بين غبار الأزقة في شارع الرشيد ببغداد، وزخم حركة "الولاية" القديمة في كربلاء، هناك تجارة من نوع خاص، تجارة تبيعك "لحظة" من زمنٍ مضى، فهنا، "الأنتيكا" ليست مجرد خردة مركونة في الزوايا، بل هي محاولة عراقية يائسة وجميلة في آن واحد لترميم ذاكرة وطنٍ حاولت الحروب والتحولات السريعة أن تخدش ملامحه.
ولو مشيت اليوم في قلب الجغرافيا العراقية، ستجد أن الشمس حين تسقط على النحاس القديم والمرايا المكسورة، تعكس صوراً لجيلٍ كامل يحاول "أرشفة" حياته يدوياً. العراقي اليوم لا يشتري "راديو" خشبياً قديماً لأنه يحتاج لسماع الأخبار، فهو يملك "إنترنت" في جيبه يخبره بما يحدث في أبعد نقطة في الأرض. هو يشتريه لأنه يبحث عن "بحة" صوت جده، عن ذلك الهدوء الذي كان يلف البيوت قبل ضجيج الأزمات.
هذا الحنين، غالباً ما يُطرح سؤال الهوية: كيف يحافظ المجتمع على توازنه في ظل المتغيرات؟ والإجابة نجدها في هذه الدكاكين، العراقي يشتري "الثبات"، فان القطعة القديمة هي الشيء الوحيد الذي لا يتغير في عالم كل ما فيه يتبدل بسرعة مخيفة.
في شارع الرشيد، وتحديداً في "الحيدرخانة" و"الميدان"، تجلس أجهزة الراديو "المنضدية" كأنها حراس للتاريخ. هذا الجهاز لم يكن قطعة أثاث، بل كان "أمين سر" العائلة العراقية. منه سُمعت بيانات الانقلابات، ومنه انطلقت الأناشيد. وبجانبه، تصطف ساعات "الأوميغا" و"السيكو"، تلك التي كانت تُقدم كمكافأة لنهاية خدمة موظف أفنى عمره في دائرة حكومية "بإخلاص".
هذه الساعات المتوقفة في واجهات المحال تخبرنا بالوقت وعن قيمته في تلك الأيام. وهي محاولة للإمساك بلحظة استقرار، قبل أن تصبح الساعات مجرد أرقام رقمية باردة على شاشات الهواتف. وإذا ما انتقلت إلى كربلاء، وتحديداً في "سوق الحسين" أو أزقة "باب الخان"، ستجد أن "الأنتيكا" ترتدي ثوباً روحياً مختلفاً. هنا، لا تبحث العين عن الراديو بقدر ما تبحث عن "المسابيح" و"الخواتم".
والمسبحة في كربلاء ليست مجرد أداة للتسبيح، بل هي "حكاية". "سبحة الكهرب" التي يتغير لونها مع الزمن، أو "السندلوس" الذي يفوح برائحة الليمون عند فركه، هي قطع تنتقل من أب لابنه. في كربلاء، الأنتيكا هي "بركة".
الناس يجمعون العملات القديمة التي تحمل صور الملوك والزعماء، لا حباً بالسياسة، بل لأنها تذكرهم بالمدينة حين كانت أصغر، وأهدأ، وأكثر ترابطاً قبل أن تلتهم التوسعات العمرانية ملامح "الشناشيل" والبيوت القديمة.
الزاوية الأكثر "وجعاً" وجمالاً في هذه الأسواق هي صناديق الصور الشخصية، فان صور الأسود والأبيض لعائلات مجهولة، وعرس في الستينيات، وطلاب بملابس السبعينيات، وجنود يبتسمون للكاميرا قبل ذهابهم للجبهة.
هنا تبرز رؤية التوثيق حول "الذاكرة الجمعية". بعد عام 2003، ضاع الكثير من الأرشيف الرسمي العراقي، فصار المواطن هو "الأرشيف"، فاقتناء هذه الصور هو محاولة لترميم صورة "الإنسان العراقي" الذي ضاع وسط أخبار الانفجارات والسياسة. نحن نشتري صور الغرباء لنقول لنفسنا: "انظروا، لقد كنا نبتسم، كنا نذهب للمتنزهات، كنا نعيش حياة طبيعية".
عندما يزور صحفي أو سائح دولي هذه الأسواق، فإنه يرى العراق بعين مختلفة تماماً عن "نشرة الثامنة". يرى بلداً كان يقتني أرقى الكاميرات الألمانية، والساعات السويسرية، والتحف الإيطالية.
إن "سوق الأنتيكا" هو الرسالة الأكثر صدقاً للعالم، هو يخبرهم أن العراق ليس "ساحة حرب" فقط وإنما هو "مخزن حضارة"، فالمقتنيات التي تُباع في شارع الرشيد أو كربلاء هي "قوة ناعمة"، وهي تقول للعالم إن هذا المجتمع يمتلك ذوقاً، وتاريخاً، وتقديراً للجمال، وهي تحطم الصورة النمطية لتعيد بناء صورة "العراق المثقف" الذي يقدّر قيمة "الأشياء" لأنها تحمل روح صانعيها.
من المثير للدهشة أن الزبائن الجدد لهذه الأسواق هم من الشباب الصغار. هؤلاء الذين ولدوا في عصر "الديجيتال" يبحثون اليوم عن كاميرات "الفيلم" اليدوية وأجهزة "الكرامافون".
هذا الجيل، وبحسب تحليلات اجتماعية رصينة، يحاول أن يجد لنفسه "جذوراً" في أرض تعرضت للكثير من الاهتزازات. إنهم يبحثون في سوق الأنتيكا عن "عراقهم الخاص"؛ ذلك العراق الذي لم يروه إلا في الحكايات. شراء أسطوانة قديمة ليس "موضة" بالنسبة لهم، بل هو "انتماء".
هذا العالم الجميل يواجه تحديات جسيمة، حيث في كربلاء، تختفي المعالم التاريخية لصالح الفنادق والمشاريع الحديثة، ومعها تضيع مقتنيات كانت في "صناديق الجدات"، اما في بغداد، تتعرض القطع النادرة للتزييف أو التهريب للخارج لتُباع في مزادات دولية.
وهنا يأتي دور المؤسسات للتنبيه إلى ضرورة حماية هذا "التراث المنقول"، فإن حماية ساعة قديمة أو صورة تاريخية لا تقل أهمية عن حماية بئر نفط؛ لأن النفط مادة تنضب، أما الذاكرة فهي التي تبني الدول وتمنحها الاستمرارية.
في نهاية المطاف، "سوق الأنتيكا" في العراق هو مرآة لنفوسنا، ونحن لا نجمع الأشياء لنكدسها، بل نجمعها لنطمئن أننا ما زلنا "نحن".
الراديو الذي يخرج منه غبار السنين، المسبحة التي تلمع في كف عجوز كربلائي، والصورة التي تبحث عن صاحبها في شارع الرشيد.. كل هذه الأشياء هي نبض العراق الحقيقي، هي تخبرنا أن الماضي لم يمت، وإنه حي، يتنفس في دكاكيننا، ويحرس أحلامنا في أن نعود يوماً ما، مستقرين، هادئين، وجميلين كما في تلك الصور القديمة.
وإذا أردت أن تعرف العراق حقاً، لا تذهب إلى صالونات السياسة، بل اذهب إلى دكان "أنتيكا" صغير في زقاق قديم، وامسك بقطعة نحاس، واصغِ جيداً.. ستسمع صوت التاريخ يهمس لك: "أنا العراق.. وقد مررتُ من هنا" .



