اهمية الاستثمار في الانسان.. مؤسسة وارث الدولية لمعالجة الاورام نموذجاً
تحقيق: صباح الطالقاني
- أكبر مؤسسة متخصصة في علاج الأورام في العراق. تقدّم خدماتها مجاناً لمَن هم دون سن الخامسة عشرة، وبرسوم مدعومة للبالغين
يعد الاستثمار في الانسان من اعلى مصاديق الاستثمار موثوقية من ناحية بناء المستقبل، فعندما ينصبّ الاهتمام بالانسان من خلال توظيف آليات مؤثرة في ايجاد مجتمع مستقر صحياً فإن مسألة التطور العلمي والثقافي تصبح متاحة بشكل كبير لتشكيل صورة واضحة مؤثرة ايجابياً على المستوى العالمي.
هذا ما وجدناه اهلاً لتسليط الضوء على مؤسسة وارث الدولية لعلاج الأورام الواقعة في كربلاء، والتي تُعنى بمعالجة الاورام السرطانية في عموم العراق، وتُقدم في سبيل ذلك خدمات كبيرة وحديثة للاطفال مجاناً، وللكبار بأجور مناسبة جداً، لتكون الرعاية متكاملة ومتاحة لجميع الافراد بلا تمييز بل تتعدى خدماتها حدود الوطن.
مرض العَصر في العراق.. بيانات مقلِقة
يشهد العراق تصاعداً مقلقاً في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية خلال السنوات الأخيرة، إذ سُجِّل نحو 43 ألف إصابة عام 2023، ارتفعت إلى أكثر من 46 ألف حالة في 2024، بزيادة تقارب 7% سنوياً، فيما بلغ عدد الوفيات نحو 13.6 ألف حالة.
وتشكل النساء نحو 58% من المصابين، مع تصدّر سرطان الثدي بنسبة تقارب 33% من إصابات النساء، إضافة إلى تسجيل نحو 1900 حالة بين الأطفال دون 14 عامًا. بحسب بيانات وزارة الصحة العراقية.
وفي المحافظات الجنوبية، تتفاقم المؤشرات بشكل لافت، إذ تُعد البصرة من أكثر المناطق تضرراً، حيث سُجِّل نحو 3558 حالة في 2024، مع تقديرات تصل إلى 9–10 آلاف حالة سنوياً، فيما سجلت ذي قار (الناصرية) أكثر من 2000 إصابة خلال العام نفسه.
ويربط مختصون هذا الارتفاع بعوامل بيئية وتلوث مرتفع، ما يضع المنظومة الصحية أمام تحديات متزايدة.
رؤية تُواكب التحديات
انطلقت مؤسسة وارث الدولية لعلاج الأورام برعاية العتبة الحسينية في كربلاء، تحت مظلّة هيئة الصحة والتعليم الطبي التابعة للعتبة نفسها، حيث شهد عام 2021 انطلاق عمل المؤسسة لتقدم خدماتها المتميزة كالتشخيص والعلاج غير الربحي وعالي الجودة، لكافة مرضى السرطان في العراق، من خلال تقديم خدمات علاجية مجانية متكاملة للأطفال تحت سن 15 عامًا، وبكُلفة مدعومة للكبار، أضافة الى سعيها لإنشاء مركز بحوث ودراسات حول مرض السرطان داخل المستشفى، بهدف تعزيز الرعاية الطبية في العراق.
وتمتد المؤسسة على مساحة 30 ألف متر مربع، تحتوي على أربعة مبانٍ رئيسية. المبنى الأول مخصص لأقسام المستشفى التشخيصية والعلاجية، ويحتوي على أكثر من مائة سرير. والمبنى الثاني مُخصص لمركز العلاج بالنظائر المشعة، مع اجنحة لعزل المرضى خلال العلاج، ويتميز بتصميمه الفريد على شكل غرف فندقية لمراعاة الجانب النفسي للمرضى. أما المبنيان الثالث والرابع، فمخصصان لسكن الأطباء والممرضين، بالإضافة إلى الأجنحة الإدارية.
مواجهة (جنّات) مع اللوكيميا
(جنّات) الطفلة الجنوبية من محافظة البصرة، كانت من اوائل الذين تلقّوا العلاج في مؤسسة وارث، بعد رحلة تشخيص ومراجعة لجهات طبية عديدة داخل وخارج العراق من دون شفاء، يقول والدها" مرضتْ ابنتي جنّات في مفاصل ساقيها وبعد الفحوصات تبيّنَ انها مصابة باللوكيميا، فكانت صدمةً كبيرة للعائلة كلها، لكن لحسن الحظ ادركتنا رحمة رب العالمين في ان نشاهد فيديو عن مؤسسة صحية في كربلاء تابعة للعتبة الحسينية تقدم الخدمات العلاجية لمرضى السرطان".
تقول جنّات" في البداية اصابني اليأس ومع دخولي الى مؤسسة وارث تجدد لديّ الامل والاصرار على مواجهة المرض بعد الاهتمام الاستثنائي من هذه المؤسسة لكل المرضى وليس لي فقط، ومع رحلة علاجية بكل ما فيها من ألم وامل وانتظار وترقب امتدت لأربع سنوات حظيت بالشفاء التام، بل وتشرفتُ بلقاء المرجع الديني الاعلى سماحة السيد السيستاني لأقدم الشكر والثناء لما لقيته من مؤسسة وارث التي تشرف عليها العتبة الحسينية وهي امتداد مبارك لمقام المرجعية الدينية".
ارقام ودلالات
و جنّات واحدة من مئات الاطفال الذين واجهوا المرض وتغلبوا عليه بفضل الاصرار والرعاية المعتمَدة في المؤسسة على اسس طبية حديثة سواء من الجانب البدني او النفسي، ولهذا فقد ازداد الإقبال بصورة كبيرة جداً على هذه المؤسسة، ما دعا المرجعية الدينية العليا والمتولي الشرعي للعتبة الحسينية المقدسة الى الايعاز بإنشاء مؤسسة لمعالجة الاورام في البصرة مماثلة تماماً للمؤسسة موضوع البحث، وفعلاً اُنشِئت تحت اسم (الثقلين) وتم افتتاحها في عام 2024 وهي الان تؤدي دورها كاملاً ليشمل المنطقة الجنوبية بأكملها.
وتشير وثائق مؤسسة وارث لمعالجة الاورام في كربلاء، الى زيادات هائلة في استقبال الاطفال منذ تأسيسها قبل 5 سنوات وكما يلي:
بلغ عدد جلسات العلاج الإشعاعي للأطفال حتى عام 2025، 23.204 جلسة.
اما عدد جلسات العلاج الكيميائي للأطفال فبلغت، 33.662 جلسة.
و عدد الفحوصات الطبية للاطفال اكثر من 735 ألف فحص طبي.
وبلغ عدد الأطفال المستفيدين من العلاج المجاني 127.121 طفل.
لا فرق بين عراقي وآخر
الطفل (عراق) ذو 12 عاماً، من مدينة الفلوجة، غربي العاصمة بغداد، واحد من مئات الاطفال الذين سنحت لهم الفرصة للوصول بالوقت المناسب الى ردهات المؤسسة، لتلتقّي المعالجة من ورم اصاب عينه اليسرى.
يقول والد (عراق) " حين اجرينا الفحوصات الاولية وتم تشخيص ابننا بورم خطير في احدى عينيه فقدنا اعصابنا واصابنا اليأس لان هذه الامراض خطيرة جدا وتتطلب السفر الى الخارج ومراحل علاج متعددة بلا ضمان مؤكد للنجاة، ولكن بفضل الله توجهنا مع عراق الى مؤسسة وارث لمعالجة الاورام في مدينة كربلاء واذا بالقلوب تفتح لنا قبل الابواب.. 35 جلسة اشعاع بأحدث الاجهزة وأكفأ الكوادر والعديد من الجلسات الكيماوية والرقود والفحوصات وكافة تفاصيل الخدمات الطبية، قُدّمت لعراق مجاناً مدفوعة الكلفة من قبل العتبة الحسينية المقدسة، في بيئة آمنة ومستقرة، كل ذلك استمر لأكثر من سنة تكللت بنجاح رحلة المعالجة والشفاء التام لعراق، وهو الان في طور التعافي".
رعاية عابرة للحدود
لا تقتصر الرعاية الصحية لمؤسسة وارث على المواطنين العراقيين فقط انما تمتد لكل ذي حاجة في انحاء العالم العربي كله، وقصّة الطفلة (مروى) من الجزائر مثال من عدة حالات، فقد جرى تشخيص حالتها في نهاية عام 2024 بمرض نادر وخطير، هو سرطان الشبكية (Retinoblastoma) وهو ورم يهدد بصرها وحياتها معاً.
كانت عائلتها أمام خيارات متعددة في بلدها الجزائر، من بينها العلاج الكيمياوي الوريدي والعلاج الحراري والتبريد، لكن كل هذه الوسائل لم تكن كافية لإيقاف الورم… حتى وصلوا إلى المرحلة الأصعب، خيار استئصال العين لحمايتها من الخطر.
لكن يد العناية الإلهية قادت والد مروى إلى مقطع فيديو على يوتيوب، للدكتور حيدر حمزة العابدي، رئيس هيئة الصحة والتعليم الطبي في العتبة الحسينية، يتحدث فيه عن تقنية قسطرة الشريان العيني المستخدَمة في مؤسسة وارث لعلاج الأورام في كربلاء.
بادرَ الأب إلى مراسلة المؤسسة، وأرسل الملف الطبي، فجاء الرد: قبول إنساني كامل، علاج مجاني، إقامة مجانية، وحتة تسهيل إجراءات السفر والفيزا.
يقول والد مروى" من لحظة وصولنا إلى العراق، وجدتُ سيارة خاصة بانتظارنا في المطار، واستقبلونا في المستشفى بغرفة VIP، ولم أكن أتوقع هذا الاهتمام. لو لم أرَ ذلك الفيديو، لما وجدَت ابنتي العلاج."
هذه التقنية الحديثة جنّبت (مروى) الاستئصال والعلاج الكيمياوي الطويل، فهي تدخل عبر شريان الفخذ وصولًا إلى الشريان المغذي للعين، ليُعالَج الورم مباشرة دون أن يتأثر باقي الجسم.
ورغم أن المرض نادر، إلا أن الاحصائيات المختصة تذكر ان المؤسسة عالجت خلال أقل من سنتين أكثر من 130 طفلاً بهذه الوسيلة، بينما كان المتوقع لا يتجاوز 30 حالة سنوياً.
ولم يتوقف الأمر عند العراق، بل بدأ أطباء من الخليج ودول أخرى يرسلون استفساراتهم عن إمكانية علاج مرضاهم في كربلاء. وهنا كانت الإجابة: أبواب هيئة الصحة والتعليم الطبي في كربلاء مفتوحة لكل طفل يحتاج إلى علاج للامراض السرطانية، من أي بلد أو جنسية.
ويختم والد مروى بشعور عميق من الامتنان" هذه المؤسسة أبهرتني بكل تفاصيلها، من الأطباء والممرضين إلى موظفي الاستقبال والخدمة، الكل تعاملوا معنا بطيبة وإنسانية... أتمنى أن تصل قصة مروى إلى ملايين الناس، ليعرفوا أن هناك مكاناً يعامل الإنسان كإنسان ويتم التعامل معه بكل إنسانية ."
ما يميّز مؤسسة وارث انها لا تسعى فقط لمواكبة احدث تقنيات العلاج المتوفرة في انحاء العالم انما تواكب الحضور والمشاركة في المؤتمرات العلمية المتخصصة داخل وخارج البلاد، فضلاً عن المتابعة الحثيثة للمرضى من لحظة الاستقبال مروراً بمرحلة التشخيص وما يتخللها من فحوصات دقيقة ثم مرحلة العلاج وما بعدها من فترة النقاهة والمتابعة حتى الاستشفاء.
الجدير بالذكر ان العتبة الحسينية وهي الجهة الراعية للمؤسسة، قامت بإنشاء مشروعاً مماثلاً تماماً للمؤسسة المذكورة، في محافظة البصرة جنوب العراق، تحت اسم (الثقلين)، لمواجهة خطر تزايد حالات السرطان الذي تشهده المنطقة الجنوبية على العموم، فضلاً عن مستشفيات تخصصية في بعض المحافظات العراقية لسد النقص في جانب الرعاية الصحية في البلاد.


