المسمارية بين بغداد وعواصم الغرب فمن يملك قراءة الطين؟

: المحرر الثقافي . 2026-10-26 10:56

في الثاني من أكتوبر 2026 نشرت مجلة "Iraq" التي يصدرها المعهد البريطاني لدراسة العراق دراسة مفتوحة الوصول عن خمسة عشر لوحاً طينياً محفوظة في المتحف العراقي ببغداد. شارك في الدراسة باحث عراقي من جامعة كربلاء مع باحثين إيطاليين من جامعتي نابولي وتورينو. تعود الألواح إلى عصر سلالة أور الثالثة (2112–2004 ق.م)، وتسجل في معظمها حسابات الشعير وأجور العمال وخطط حفر القنوات، وتذكر أسماء مواقع لم تكن معروفة من قبل. ويلفت الباحثون إلى أن الألواح دخلت المتحف بين عامي 2005 و2008، بعضها صودر داخل العراق وبعضها أعادته الأردن، وأن كثيراً من ألواح الأرشيف نفسه ما زال غير منشور أو متفرقاً في دراسات متناثرة. الدراسة نموذج صغير لسؤال كبير: الكتابة التي وُلدت في أرض العراق قبل نحو خمسة آلاف عام، لماذا يبدو أن معظم أدوات قراءتها ونشرها وفهرستها تقع خارج البلاد؟

هل تدرس المسمارية في العراق؟

الجواب أدق من العنوان الشائع. فبحسب حوار نشرته الجمعية الدولية للآشوريات في نوفمبر 2024 مع الأستاذ جعفر الجوذري، أستاذ الآثار الجيولوجية في جامعة القادسية، توجد في العراق تسع مؤسسات حكومية لديها برامج في علم الآشوريات وهي أربع كليات آثار في القادسية والموصل والكوفة وذي قار، وخمسة أقسام في بغداد وبابل وتكريت وسامراء والمثنى، إضافة إلى قسم في جامعة المستقبل الخاصة.

وفي كلية الآثار بجامعة القادسية، وهي الأكبر وفق الحوار، ستة متخصصين في اللغتين السومرية والبابلية وأكثر من 200 طالب جامعي و60 طالب دراسات عليا، مع ماجستير في اللغات السومرية والبابلية ودكتوراه في التخصص نفسه.

لكن الصورة المحلية تعاني ضغوطاً واضحة. يقول الجوذري إن أعداد المتقدمين لدراسة الآثار بدأت تتراجع منذ عام 2020 مع انتشار الجامعات الخاصة التي تقدم تخصصات بشروط قبول أقل وفرص توظيف أفضل، وإن برامج بكالوريوس في الآثار أُغلقت أخيراً في سامراء وذي قار والموصل والمثنى والكوفة. وتبقى وزارة الثقافة الجهة الحكومية الوحيدة التي توظّف الآثاريين، وعدد الوظائف المعروضة يتناقص، وليست لدى الحكومة خطة لتشجيع الطلاب على هذا المجال. ويضيف أن غياب الوصول إلى دور النشر والمكتبات الدولية يعيق نمو الكادر الأكاديمي، وأن بعض الجامعات صار يدرّس بلا عمل ميداني أو مختبري.

وليست القراءة العراقية للمسمارية فكرة طارئة. فطه باقر (1912–1984) يُعدّ من مؤسسي علم الآثار العراقي، ولقّبه زملاؤه بـ"قارئ الطين" لقدرته على قراءة الألواح مباشرة. وبهيجة خليل إسماعيل، التي نالت الدكتوراه من جامعة هومبولت في برلين عام 1967، وُصفت بأنها أول آثارية عراقية تقرأ النصوص المسمارية داخل العراق، وتولت إدارة المتحف العراقي من 1983 إلى 1989.

الثقل البحثي

لهذا جذور تاريخية وأخرى أحدث. تقول الدكتورة إميلي باجيه بيرون من جامعة يورك إن كثيراً من الألواح الباقية محفوظ اليوم في مؤسسات غربية كبرى مثل المتحف البريطاني واللوفر، بعدما خرج من المنطقة في فترات التنقيب المرتبطة بنشاط القوى الإمبراطورية في القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين. وأدى ذلك، بحسب الجامعة، إلى أن الجزء الأكبر من الفهرسة والترجمة تم بلغات أوروبية، الإنجليزية خصوصاً.

أما الألواح التي بقيت في العراق فتحمل قصة مختلفة. يوضح مشروع "القطع المسمارية في العراق ضمن سياقها" (CAIC)، الذي تديره الأكاديمية البافارية للعلوم في ميونخ، أن مقتنيات المتحف العراقي جاءت من تنقيبات أُجريت بعد 1926، وأن اقتسام اللقى مع البعثات الأجنبية انتهى عام 1936، فصارت كل المكتشفات تُحفظ في العراق مع سجلاتها. وهذا يجعل المجموعة، بحسب المشروع، مادة مثالية لفهم دور الكتابة في المجتمعات القديمة. لكنها وُصفت بأنها "غير مدروسة بما يكفي" بعد الصراع الذي بدأ عام 1990 وعقود العزلة التي تلته، مع غياب شبه كامل للتوثيق الفوتوغرافي.

ويقدّر المشروع عدد النصوص المنشورة سابقاً بشكل ما، بصورة أو رسم أو ترجمة، بنحو 17 ألف نص من 85 موقعاً أثرياً، تمتد من الألف الرابع قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي. ويرمي إلى إعادة نشرها رقمياً وفق المعايير الحديثة ضمن إطار زمني يبلغ 25 عاماً.

ويبقى عامل الندرة البشرية. فقد قال عالم الآشوريات إيكارت فرام من جامعة ييل عام 2018 إن من يقرؤون المسمارية بدقة في العالم لا يتجاوزون بضع مئات. وهو رقم قديم نسبياً ويحتاج إلى تحقق إن أريد اعتماده اليوم، لكنه يعكس حجم التخصص.

الرقمنة: مكتبة تتحدث العربية

تشير المنصة الرائدة في هذا المجال، "مبادرة المكتبة الرقمية للمسمارية" (CDLI)، إلى طموح لإتاحة نصوص وصور نحو نصف مليون لوح على الإنترنت. وانطلقت المبادرة بأرشفة مجموعات متحف الشرق الأدنى القديم في برلين عام 2001، ثم توالت مجموعات من باريس والإرميتاج وجامعة كاليفورنيا في بيركلي وجامعة بنسلفانيا.

لكن الواجهة ظلت لسنوات بلا عربية. وفي مشروع "الوصول إلى النصوص المسمارية" (CDLI-ACT) تعاونت جامعة القادسية العراقية وجامعة يورك البريطانية وجامعة لوند السويدية على إطلاق واجهة عربية للمنصة، أُعلن إطلاقها رسمياً في 30 نوفمبر 2025 بحسب تقارير صحفية، وبدأ الحديث عنها إعلامياً في مايو 2026. ويخطط الفريق لترجمة نحو 70 ألف سطر من النصوص إلى العربية، تشمل الأساطير والقوانين والرسائل والنصوص الطبية والفلكية، بصيغ متعددة من الترجمة الأكاديمية سطراً بسطر حتى السرد المبسط للقراء العامين. وستُحفظ البيانات طويلاً في أرشيف بيانات علم الآثار في يورك.

ويرى البروفيسور حيدر عقيل القرَغُولي من جامعة القادسية أن مثل هذه الموارد تُبقي التراث حياً وتخدم تدريس الأجيال التي ستقود البحث لاحقاً.

وفي الاتجاه نفسه يمنح مشروع ميونخ زمالات قصيرة لباحثين عراقيين تتراوح بين 45 و90 يوماً لإعداد نشر نصوص من المتحف العراقي، مع تغطية السفر ومخصص مالي، كما يشمل برنامجاً للتصوير والترميم. وقد استُخدمت صور من المتحف العراقي ضمن مجموعة بيانات بحثية ضخمة نُشرت عام 2026 لتدريب أدوات التعرف الآلي على علامات المسمارية، بالتعاون مع مشاريع في متاحف أخرى.

وفي إقليم كردستان، يضم متحف السليمانية أكثر من 6 آلاف لوح وقطعة مسمارية، لم يُنشر منها سوى نحو 10% حسب ورقة بحثية منشورة كمسودة علمية (Preprint) لم تخضع بعد لمراجعة الأقران، وثّق فيها فريق قطعاً بالمسح ثلاثي الأبعاد.

وعلى الجانب الآخر، ما زالت متاحف الغرب تكشف كنوزها. ففي أبريل 2026 أعلن المتحف الوطني الدنماركي وجامعة كوبنهاغن إتمام أول تحليل وتعريف ورقمنة كاملة لمجموعة الألواح المسمارية لديهما، ومنها ألواح من تنقيب دنماركي عام 1957 في تل شمشارة بشمال العراق.

الاسترداد ثم ماذا؟

عادت إلى العراق في السنوات الأخيرة قطع بارزة. ففي 2017 وافقت شركة «هوبي لوبي» الأمريكية على دفع غرامة قدرها 3 ملايين دولار والتخلي عن آلاف القطع التي هُرّبت من العراق مموّهة بوصفها «عينات بلاط». وأُعيدت نحو 3800 قطعة منها إلى العراق في 2018 بحسب وزارة العدل وشبكة CNN. وفي سبتمبر 2021 أُعيد رسمياً في واشنطن «لوح حلم جلجامش» الذي اشترته الشركة عام 2014 بنحو 1.67 مليون دولار، ووصل إلى بغداد في ديسمبر من العام نفسه.

غير أن عودة القطعة لا تعني حل مشكلة دراستها. فالباحثون في دراسة أكتوبر 2026 يشيرون إلى أن ألواحاً مهرّبة بعد حفريات غير مشروعة ما زال كثير منها غير منشور أو وارداً فقط في رسائل جامعية غير منشورة، ما يصعّب تقدير حجم الأرشيف الذي خرجت منه.

يرى الجوذري أن الأولوية لدعم الآشوريين الشباب وبناء شبكات علاقات دولية والتوسع في الآشوريات الرقمية. ويدعو إلى تعديل قوانين الآثار بحيث تُلزم البعثات الأجنبية بتدريب الطلاب المحليين وصيانة المواقع بعد الحفر والمساهمة في التوعية، وإلى مشاركة المجتمع المحلي في تمويل التراث، مستشهداً بنجاح زيارة الأربعين التي تقوم على المبادرة المجتمعية.

وتعبر هذه المقترحات عن اتجاه يتشكل: لا يكفي أن يسترد العراق ألواحه، بل أن يمتلك أدوات قراءتها، من مناهج وبرامج وترجمات ومنصات وكوادر.


وكالة كربلاء الآن+وكالات

العودة إلى الأعلى