التحلية اللامركزية في العراق: مشروع حكومي ناشئ ونموذج ميداني تقوده العتبات الدينية
بينما لا تزال المبادرة الحكومية لحماية دجلة والفرات في طور التنفيذ وسط انتقادات لبطئها، تدير العتبتان الحسينية والعباسية عشرات محطات التحلية بالطاقة الشمسية في كربلاء والبصرة، مقدّمة نموذجًا عمليًا لما تسعى الدولة لتحقيقه رسميًا في وقت يتصدّر فيه الحديث عن جفاف دجلة والفرات نشرات الأخبار العراقية، تعمل منذ سنوات، وبصمت نسبي، عشرات محطات تحلية المياه التي أنشأتها العتبتان الحسينية والعباسية المقدستان في كربلاء، لتوفّر مياه شرب مجانية للمواطنين والزائرين في مناطق تعاني من ملوحة المياه أو انقطاعها. هذا الواقع الميداني يتقاطع اليوم مع مشروع حكومي حديث يحمل اسم "التحلية اللامركزية"، أُطلق ضمن مبادرة إقليمية أوسع لحماية النهرين، ليطرح سؤالًا مشروعًا: من يسبق من على أرض الواقع؟
أعلنت الحكومة العراقية بوقت من عام 2025، إطلاق مبادرة إقليمية تهدف إلى حماية مياه دجلة والفرات وضمان استدامتهما للأجيال القادمة. وبحسب المدير العام للمركز الوطني لإدارة الموارد المائية حاتم حميد، فإن المبادرة تتبنى نموذجًا يجمع بين الابتكار التكنولوجي والحوكمة والشراكة المجتمعية، وتستهدف إشراك دول المنبع تركيا وسوريا وإيران إلى جانب شركاء دوليين.
وتضم المبادرة ست مشاريع تنفيذية، من بينها مشروع "قطرة ذكية" لترشيد الاستهلاك عبر حساسات ذكية، ومشروع "عين الماء" لمراقبة كمية المياه وجودتها، ومشروع "سفراء النهرين" لتدريب الشباب، ومشروع "المرونة المناخية" لإنذار مبكر بالفيضانات والجفاف. أما مشروع "التحلية اللامركزية" تحديدًا، فيستهدف المناطق النائية عبر تركيب وحدات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، بتمويل من الوزارات المعنية والدول المشاركة، إضافة إلى دعم محتمل من صناديق دولية مثل صندوق المناخ الأخضر.
غير أن المبادرة، رغم طموح أهدافها، قوبلت بانتقادات من خبراء محليين. فقد وصفها الخبير المائي عادل المختار، في تصريح لموقع الجزيرة نت، بأنها أقرب إلى "إعلام انتخابات" منها إلى خطة تطبيقية فعلية، مرجعًا أزمة المياه أساسًا إلى سوء الإدارة الداخلية والتجاوزات على الأنهر، أكثر من كونها نتيجة حتمية للتغير المناخي أو سياسات دول الجوار وحدها.
في مقابل هذا المشروع الحكومي الذي لا يزال في طور التبلور، توفر العتبة الحسينية المقدسة في كربلاء نموذجًا ميدانيًا فعليًا لفكرة "التحلية اللامركزية" ذاتها، لكن بمبادرة ذاتية سبقت الإعلان الحكومي بسنوات. فبحسب بيانات نشرها الموقع الرسمي للعتبة، تدير شعبة معالجة المياه التابعة لقسم الصيانة فيها 53 محطة لتحلية المياه بتقنية التناضح العكسي (R.O)، موزعة بواقع 45 محطة في كربلاء وضواحيها، و8 محطات في محافظة البصرة، تُقدَّم مياهها الصالحة للشرب مجانًا للمواطنين، مع مضاعفة إنتاجها في فصل الصيف لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز 50 درجة مئوية في بعض المحافظات.
وتخضع جميع هذه المحطات، بحسب العتبة، لفحص مختبري يومي من مختصين في مختبرها الخاص، وفق تعليمات دائرة صحة كربلاء، إضافة إلى محطات إضافية مرتبطة بمناهل الصحن الحسيني الشريف لتزويد الزائرين بمياه الشرب مباشرة.
بالتوازي، تدير العتبة العباسية المقدسة، عبر شركة الكفيل للاستثمارات العامة التابعة لها، مشروع "محطات تحلية المياه الخارجية"، الذي يستهدف مناطق تعاني من ملوحة أو تلوث في مصادرها المائية، من بينها مزار ابن الحمزة قرب باب الخان. ويهدف المشروع، بحسب صفحته الرسمية، إلى توفير مياه شرب نقية للمواطنين والزوار خلال الزيارات المليونية، والحد من الأمراض المرتبطة بتلوث المياه، ودعم البنى التحتية في المناطق المحرومة.
ولم يتوقف نشاط العتبة العباسية عند التحلية وحدها، بل امتد إلى الطاقة الشمسية كحل بنيوي لمشكلتي الكهرباء والمياه معًا. فقد نفّذت شركة الكفيل ما يقارب 60 منظومة طاقة شمسية منزلية بقدرة 210 كيلوواط، وأكثر من 10 منظومات زراعية بقدرة 450 كيلوواط لتشغيل مضخات الري والغطّاسات، إضافة إلى توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة الكهرباء لإنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة 500 ميغاواط في كربلاء. كما اعتمدت العتبة الطاقة الشمسية لتشغيل منظومة ري نحو 40 ألف نخلة ضمن "مشروع الساقي الزراعي" وسط صحراء كربلاء، في تكامل عملي بين إنتاج الطاقة النظيفة ومواجهة شح المياه والتصحر.
نموذجان يتقاطعان
يكشف هذا المشهد عن مفارقة لافتة: فبينما لا تزال الحكومة تبحث عن تمويل وشركاء دوليين لتنفيذ مشروع "التحلية اللامركزية" ضمن مبادرتها الإقليمية، تدير المؤسسات الدينية في كربلاء منظومة تحلية ذاتية التمويل تخدم عشرات آلاف المواطنين والزائرين يوميًا، معتمدة على مواردها الوقفية الخاصة، ودون انتظار تمويل خارجي أو تنسيق إقليمي مع دول الجوار.
هذا لا يعني تطابقًا كاملاً بين المشروعين: فمشروع الدولة يستهدف رسميًا "المناطق النائية" ضمن رؤية وطنية شاملة مرتبطة بحوض دجلة والفرات كاملاً، بينما تتركز جهود العتبتين جغرافيًا في كربلاء والبصرة، وتخدم أولوية دينية-اجتماعية مرتبطة بالزائرين والمواطنين المحليين. لكن التقاطع في الفكرة، وفي التقنية المستخدمة (التحلية بالتناضح العكسي والطاقة الشمسية)، يجعل من تجربة العتبات نموذجًا يمكن أن تستند إليه الدولة، أو تتعاون معه، بدل إعادة اختراعه من الصفر وسط أزمة تمويل وشكوك في الجدية، كما عبّر عنها خبراء المياه أنفسهم.
وكالة كربلاء الآن+وكالات


