جيل لا يريد الوظيفة التقليدية فلماذا يتغير مفهوم العمل عالميا؟

: اسرة التحرير 2026-08-29 07:42

لم يعد السؤال الذي يطرحه كثير من الشباب عند البحث عن وظيفة هو كم سأحصل من المال؟

هناك أسئلة أخرى دخلت بقوة إلى سوق العمل فكم من الوقت سأقضي في المكتب؟

وهل أستطيع العمل من المنزل؟ هل ستمنحني الوظيفة فرصة للتعلم؟ وهل تستحق هذه الوظيفة أن أكرّس لها الجزء الأكبر من حياتي؟

هذا التحول لا يحدث في بلد واحد فمن الولايات المتحدة وأوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط، تتغير نظرة الأجيال الجديدة إلى العمل، في وقت تتغير فيه الوظائف نفسها بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وارتفاع تكاليف المعيشة.

ولعل المفاجأة أن الشباب لا يبتعدون عن العمل بقدر ما يبتعدون عن الصيغة القديمة للعمل.

السلم الوظيفي لم يعد الحلم

لعقود طويلة، كان المسار المهني واضحا وظيفة أولى، ثم ترقية، ثم منصب إداري، وربما البقاء في المؤسسة نفسها لسنوات طويلة.

لكن هذا التصور يفقد جاذبيته لدى جيل جديد من العاملين.

ففي استطلاع عالمي أجرته شركة ديلويت عام 2025، وشمل 23,482 شخصًا من جيل Z وجيل الألفية في 44 دولة، قال 6% فقط من المشاركين إن الوصول إلى منصب قيادي رفيع هو هدفهم المهني الأساسي.

هذا لا يعني أنهم أقل طموحا وانما إن تعريف النجاح نفسه يتغير. فرص التعلم والتطور، والتوازن بين العمل والحياة، والاستقرار المالي أصبحت عوامل أساسية عند اختيار الوظيفة.

بعبارة أخرى، يبدو أن كثيرا من الشباب لم يعودوا يريدون فقط الصعود في السلم الوظيفي، بل يريدون تغيير شكل السلم نفسه.


المال مهم لكن ليس وحده

قد تبدو فكرة أن الشباب يبحثون عن المعنى في العمل رومانسية أكثر مما ينبغي، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف السكن والطعام والتعليم.

لكن بيانات ديلويت تقدم صورة أكثر تعقيدًا.

نحو 48% من جيل Z و46% من جيل الألفية الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم لا يشعرون بالأمان المالي.

وفي الوقت نفسه، يرى 89% من جيل Z و92% من جيل الألفية أن وجود معنى أو هدف في العمل مهم للرضا الوظيفي والرفاه الشخصي.


المفارقة هنا واضحة فالجيل الجديد يريد المال، لكنه لا يريد أن يكون المال هو الثمن الوحيد الذي يدفعه مقابل حياته.


ولهذا قد يفضل موظف راتبا جيدا وساعات عمل مرنة على وظيفة ذات راتب أعلى بقليل لكنها تستهلك معظم وقته.


العمل لم يعد محصورا في المكتب

ساعدت جائحة كورونا على تسريع تغيير كان بدأ أصلًا.

فقد اكتشف ملايين الموظفين أن بعض الأعمال يمكن إنجازها من المنزل، وأن الحضور اليومي إلى المكتب ليس شرطًا دائمًا للإنتاجية.

وبعد انتهاء الجائحة، لم يعد النقاش يدور فقط حول “العمل من المنزل وانام حول سؤال أكبر فما الشكل الأفضل للعمل؟

بالنسبة إلى كثير من الشباب، أصبحت المرونة جزءًا من قيمة الوظيفة نفسها، إلى جانب الراتب والتأمين وفرص التطور.

وهذا يفسر انتشار نماذج مثل العمل الهجين، والعمل الحر، والعمل بالمشاريع، وتعدد مصادر الدخل.

ولم تعد الوظيفة بالضرورة علاقة طويلة بين شخص وشركة واحدة، بل يمكن أن تصبح واحدة من عدة علاقات مهنية في حياة الشخص.

جيل يتعلم

هناك عامل آخر يدفع هذا التغيير من خلال سرعة تحول المهارات المطلوبة.

وبحسب ديلويت، قال 70% من جيل Z إنهم يطورون مهاراتهم مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل بهدف التقدم في حياتهم المهنية، فيما قال 67% إنهم يواصلون تطوير مهاراتهم خارج ساعات العمل.

السبب واضح فالتكنولوجيا لا تمنح الموظف وقتا طويلا للاطمئنان إلى أن المهارة التي يمتلكها اليوم ستظل مطلوبة غدا، والذكاء الاصطناعي يسرع هذه العملية.

فأكثر من نصف المشاركين من جيل Z وجيل الألفية في استطلاع ديلويت قالوا إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في عملهم بدرجات مختلفة، بينما يخشى 63% من جيل Z و65% من جيل الألفية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إلغاء وظائف.

لكن المفارقة أن التكنولوجيا التي تثير الخوف هي نفسها التي تدفع الشباب إلى التعلم.

معنى المهارة

في الماضي، كان امتلاك شهادة أو تخصص محدد يمنح صاحبه قدرًا من الأمان المهني. فاليوم، لا يبدو ذلك كافيا.

ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، أصبحت مهارات مثل التفكير النقدي، والتواصل، والقدرة على التعلم، والإبداع، والعمل مع الآخرين أكثر أهمية إلى جانب المهارات التقنية.

وهنا تظهر مشكلة جديدة لماذا يحدث للوظائف التي كانت تمثل نقطة الدخول الطبيعية إلى سوق العمل؟

إذا أصبحت بعض المهام التي كان يؤديها الموظفون المبتدئون قابلة للأتمتة، فقد يصبح دخول الشباب إلى سوق العمل أكثر صعوبة.

وهذا تحديدا أحد المخاوف التي عبر عنها المشاركون في استطلاع ديلويت، إذ قال 61% من جيل Z وجيل الألفية إنهم يخشون أن يجعل الذكاء الاصطناعي دخول الأجيال الشابة إلى سوق العمل أكثر صعوبة.

لكن هل المشكلة أن الشباب لا يريدون العمل؟

الأرقام العالمية تقول شيئا مختلفا، وتقدر منظمة العمل الدولية أن معدل بطالة الشباب عالميا بلغ 13% في عام 2023، وهو أدنى مستوى خلال 15 عامًا.

ومع ذلك، بقي نحو 20% من الشباب حول العالم خارج العمل والتعليم والتدريب.

وهنا يجب الحذر من تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد جيل لا يريد العمل. فجزء من المشكلة يتعلق أيضًا بنوعية الوظائف المتاحة، والأجور، والاستقرار، والفجوة بين التعليم وسوق العمل.

وفي العديد من الدول، يستطيع الشاب أن يريد العمل بشدة، لكنه لا يجد وظيفة تتناسب مع مهاراته أو توفر له دخلًا يمكنه من بناء حياة مستقرة.

لذلك فإن رفض بعض الوظائف التقليدية لا يعني بالضرورة رفض العمل نفسه.


حياة مهنية متغيرة

ربما يكون أكبر تغيير هو أن فكرة الوظيفة مدى الحياة بدأت تفقد مكانتها.

الشاب قد يبدأ حياته المهنية في شركة، ثم ينتقل إلى شركة أخرى، ثم يعمل مستقلًا، ثم يطلق مشروعًا صغيرًا، ثم يعود إلى وظيفة، أو يجمع بين أكثر من مصدر دخل في الوقت نفسه.

هذا النموذج لم يعد استثناء غريبا، حيث أصبح جزءا من النقاش العالمي حول مستقبل العمل.

ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره عن مستقبل الوظائف لعام 2025 إلى أن نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل ستتغير بحلول عام 2030، في ظل تأثير التكنولوجيا والتحولات الاقتصادية والديموغرافية والبيئية.

وهذا يعني أن العامل المستقبلي قد لا يكون الشخص الذي يعرف وظيفة واحدة جيدًا، بل الشخص القادر على تعلم وظيفة جديدة عندما تتغير الوظيفة التي يعرفها.


الجيل الذي يعيد تعريف العمل

في النهاية، قد يكون وصف جيل لا يريد الوظيفة التقليدية غير دقيق.

هذا الجيل لا يرفض العمل، لكنه يرفض فكرة أن تكون الوظيفة مركز الحياة بالكامل.

يريد دخلا جيدا، لكنه يريد أيضا وقتا لحياته. يريد النجاح، لكنه لا يرى أن النجاح يعني بالضرورة مكتبًا أكبر ومنصبًا أعلى. يريد التكنولوجيا، لكنه يخشى أن تسلبه فرصه. ويريد التعلم المستمر لأنه يعرف أن سوق العمل لن ينتظره.

وبينما تحاول الشركات التكيف مع هذه التغيرات، يبدو أن العالم ينتقل تدريجيا من نموذج كانت فيه الوظيفة تحدد حياة الإنسان إلى نموذج تصبح فيه الوظيفة جزءا من حياة أكثر تعقيدًا ومرونة.

وربما لهذا السبب لا يكمن السؤال الحقيقي في: لماذا لا يريد الشباب الوظيفة التقليدية؟


بل في سؤال آخر أكثر أهمية:

إذا كان العمل يتغير بهذه السرعة، فهل الشركات والتعليم والقوانين مستعدة لشكل العمل الذي يريده الجيل الجديد؟

هذا السؤال لن تحدد إجابته الأجيال الجديدة وحدها، بل سيحدد إلى حد كبير شكل سوق العمل العالمي خلال السنوات المقبلة.


وكالات+ وكالة كربلاء الان، منظمة العمل الدولية

العودة إلى الأعلى