الزهراء عليها السلام: من سيرةٍ نحبّها إلى نموذجٍ نعيشُه

2026-09-20 12:35

صباح الطالقاني

في هذه الايام نُحيي ذكرى استشهاد الزهراء عليها السلام لكننا لسنا بحاجة الى أن نعرف فضائل السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام فحسب، بل إلى أن نسأل: كيف يمكن أن تتحول الزهراء إلى نموذج عملي في حياتنا الاجتماعية والتربوية والدينية؟ فالسيرة التي لا تغيّر السلوك تبقى مجرد معرفة محفوظة، أما الاقتداء الحقيقي فيبدأ حين تتحول القيم التي جسدتها الزهراء عليها السلام إلى ممارسات يومية داخل الأسرة والمجتمع.

ومن هنا نفهم خصوصية موقعها في وجدان الرسالة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله: «فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها». وفي رواية أخرى: «إن الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها». وهذه الكلمات النبوية ليست مجرد ثناء عاطفي على ابنته، وإنما تكشف عن علو مقامها وطهارة سيرتها ومكانتها في ميزان الرسالة.

ان الاقتداء بالزهراء يبدأ من علاقتها بالله، فهي عليها السلام لم تفصل العبادة عن بناء الشخصية والمجتمع، ففي خطبتها نسبت إلى الصلاة دوراً في تنزيه الإنسان عن الكِبر، وإلى الزكاة تزكية النفس، وإلى الصيام تثبيت الإخلاص، وإلى العدل تنسيقاً للقلوب، وإلى الأمر بالمعروف مصلحةً للعامة، وإلى صلة الأرحام نماءً للمجتمع، وبذلك تقدم لنا منهجاً واضحاً: الإيمان الذي لا يظهر في الأخلاق والعلاقات الاجتماعية لم يبلغ غايته التربوية.

وفي الأسرة، تقدم الزهراء عليها السلام نموذجاً بالغ الدلالة، فقد كانت حياتها مع أمير المؤمنين علي عليه السلام قائمة على المودّة والتعاون وتحمّل المسؤولية، لا على التنازع وإلقاء الأعباء على الطرف الآخر، وتروي المصادر أن أمير المؤمنين عليه السلام قال عنها: «والله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، وكنت إذا نظرت إليها انكشفت عني الهموم والأحزان». إنها شهادة زوج عن علاقة أسرية أساسها الاحترام والرحمة والانسجام النفسي.

وهنا يمكن أن يتحول نموذج الزهراء إلى درس اجتماعي معاصر: أن تكون الأسرة مكاناً للأمان لا للإهانة، وللحوار لا للإكراه، وللتعاون لا للمحاسبة المستمرة، وأن يفهم الرجل والمرأة أن خدمة الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن حفظ كرامة الطرف الآخر ليس فضلاً يمنح، وإنما قيمة أخلاقية ودينية.

ولم تكن الزهراء عليها السلام محصورة في دائرة بيتها، فقد عاشت الإحساس بالآخر، والصبر على المشقة، وخدمة المحتاجين. فتذكر المصادر أنها كانت تطحن الطعام لأهل بيتها، بل وتطحن لجيران ضعفاء وكبار في السن ابتغاءً لوجه الله. ولذلك فإن محبتها اجتماعياً ينبغي أن تظهر في سلوكنا: في صلة الرحم، ومساعدة المحتاج، وحفظ كرامة الفقير، والوقوف مع الحق، والإحساس بآلام الناس.

إن استحضار الزهراء عليها السلام في حياتنا لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات والخطب والشعارات، بل الأجدر أن تصبح مقياساً يومياً للسلوك وهنا نتسائل: هل جعلتنا محبتها أكثر عبادةً وإخلاصاً؟ هل جعلتنا أرحم داخل بيوتنا؟ هل حسّنت علاقتنا بآبائنا وأمهاتنا وأرحامنا؟ هل جعلتنا أكثر عدلاً مع الآخرين؟ وهل جعلتنا نتحمل مسؤوليتنا تجاه المجتمع؟ عند ذلك تتحول الزهراء عليها السلام من شخصية عظيمة نتحدث عنها إلى منهج تربوي نقتدي به، ومن ذكرى نحييها إلى أخلاق نعيشها، ومن محبة في القلب إلى التزام يظهر في البيت والشارع والعمل والمجتمع، وهذا هو المعنى الأعمق للاقتداء بأهل البيت عليهم السلام.





























العودة إلى الأعلى