إمكانات السياحة البيئية في العراق من أهوار الجنوب إلى جبال كردستان
يمتلك العراق، رغم اقتصاده الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، مقومات طبيعية نادرة قادرة على دعم قطاع سياحة بيئية واعد، تمتد من الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، إلى الجبال والشلالات الخضراء في إقليم كردستان شمالاً. وبين هذين القطبين الطبيعيين، تبرز فرصة اقتصادية لا تزال إلى حد كبير غير مستثمرة بالشكل الكافي.
في 17 تموز 2016، صوتت منظمة اليونسكو بإجماع أعضائها على إدراج أهوار جنوب العراق ضمن قائمة التراث العالمي، ووصفتها حينها بأنها ملاذ للتنوع البيولوجي وموقع تاريخي لمدن حضارة ما بين النهرين، بحسب ما ذكره موقع "الجزيرة نت". وتعد الأهوار الموطن التاريخي لعرب الأهوار الذين يُعتبرون الوريث المباشر للحضارتين السومرية والبابلية.
وبعد هذا الإدراج، بدأت السياحة البيئية في المنطقة تسجل نمواً ملحوظاً وإن كان متواضعاً؛ إذ ارتفع عدد الزوار من 10 آلاف سائح في عام 2016 إلى 18 ألف سائح في عام 2018، بحسب ما ذكره أسعد القرغولي، مدير سياحة محافظة ذي قار، لموقع "مونت كارلو الدولية". ويؤكد أحد سكان الأهوار، الميالي، أن المنطقة شهدت انتعاشاً سياحياً حقيقياً، مع تزايد أعداد الزوار من مختلف المحافظات العراقية وبعض الجنسيات الأجنبية.
وتحتضن الأهوار، إضافة إلى تنوعها البيولوجي، إرثاً أثرياً ضخماً يضم ما يقارب 250 تلاً أثرياً تعود إلى عصور متباينة، بحسب دراسة نشرها "مركز الرافدين" حول إمكانات الأهوار السياحية. كما يعتمد سكانها المحليون على نمط حياة تقليدي فريد قائم على تربية الجواميس وصيد الأسماك والسكن في بيوت مبنية من القصب، وهو ما يمنح المنطقة طابعاً سياحياً وثقافياً متكاملاً.
ويطالب القرغولي بإنشاء مدينة سياحية صديقة للبيئة تضم منشآت صغيرة موزعة داخل الأهوار، فيما يرى باحثون في الشأن السياحي أن السياحة البيئية في الأهوار أكثر استدامة من الاعتماد على النفط الذي يشكل نحو 90% من موازنة العراق حالياً. وتنشط في هذا المجال منظمة "طبيعة العراق" (Nature Iraq)، وهي المنظمة العراقية الأولى والوحيدة المتخصصة بحماية البيئة، معتمدة لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنضوية تحت مظلة منظمة "بيردلايف إنترناشونال"، وتعمل على قضايا التنمية المستدامة والتنوع البيولوجي والموارد المائية.
في المقابل، تشير دراسة أكاديمية صادرة عن جامعة البصرة إلى أن واقع الاستثمار السياحي في الأهوار لا يزال يعاني من إهمال، مع حاجة ملحّة لتوفير خدمات النقل الأساسية كالسكك الحديدية والطرق لجذب السياح المحليين والأجانب، بما يسهم في خفض معدلات البطالة المرتفعة في مناطق جنوب العراق.
مقاصد صيفية مزدحمة
على الطرف الآخر من البلاد، يشكّل إقليم كردستان العراق، بموقعه ضمن سلسلة جبال زاغروس، وجهة طبيعية راسخة تستقطب سنوياً آلاف الزوار من وسط العراق وجنوبه هرباً من درجات الحرارة التي تتجاوز الخمسين مئوية صيفاً، بحسب تقرير نشرته صحيفة "الشرق الأوسط". ويضم الإقليم أكثر من عشرين مصيفاً جبلياً تشتهر بشلالاتها المتدفقة من قمم تكسوها الثلوج حتى أواخر الصيف.
وتتنوع الأنشطة السياحية البيئية في الإقليم بين رياضات المشي لمسافات طويلة وتسلق الجبال في مناطق مثل راوندوز وعقرة، والتجديف في مجاري المياه السريعة قرب "بوك وزاوا"، والتخييم حول بحيرتي دوكان ودربندخان في السليمانية، بحسب ما ورد في دليل سياحي نشره موقع "Visit Iraq". كما تُعد جبال أزمر وسوران من أبرز مناطق الجذب لمحبي المشي وركوب الدراجات الجبلية، وفق تصريح للمرشد السياحي يوسف أحمد نقلته وكالة "شفق نيوز". وتؤوي هذه الجبال أيضاً تنوعاً بيئياً يشمل حيوانات برية كالغزلان والذئاب والدببة، إلى جانب إمكانات واعدة لرياضات التزلج الشتوي على قممها الثلجية.
وشهد القطاع السياحي في الإقليم خلال السنوات الأخيرة زخماً استثمارياً ملموساً؛ إذ بلغ حجم الاستثمارات خلال السنوات الخمس الماضية نحو 7.5 مليارات دولار، مع تنفيذ 28 مشروعاً سياحياً كبيراً خلال عام 2024 وحده بموازنة قاربت 322 مليون دولار، بحسب تصريح لمسؤول سياحي نقله موقع "العربي الجديد". وساهمت إجراءات تسهيلية على المنافذ الحدودية، من بينها فتحها على مدار الساعة وتمديد مدة إقامة السائح من شهر إلى ثلاثة أشهر، في تعزيز الإقبال، الذي بلغ ذروته بتسجيل أكثر من 350 ألف زائر خلال خمسة أيام فقط في أيار 2026، بحسب ما نشره موقع "Tourism Daily News". ويضم الإقليم اليوم أكثر من 3100 موقع سياحي وأثري وترفيهي بحسب تقرير نشره موقع "Travel and Tour World".
غياب البنية التحتية الملائمة
رغم اختلاف طبيعة المنطقتين، يجمعهما تحدٍّ مشترك يتمثل في الحاجة إلى استثمارات أكبر في البنى التحتية السياحية، سواء عبر طرق ومسارات نقل مخصصة في الأهوار، أو عبر توسيع الطاقة الاستيعابية والخدمات الفندقية في المناطق الجبلية بكردستان لمواكبة الإقبال المتصاعد. ويرى مختصون أن الاستثمار في هذين القطبين الطبيعيين يمثل فرصة حقيقية لتنويع مصادر الدخل في بلد لا يزال اقتصاده مرهوناً بشكل شبه كامل بأسعار النفط وتقلباتها.
وكالة كر بلاء الآن+وكالات



