بين الشاشة وفنجان الشاي.. هل يبتلع "العمل عن بُعد" طقوس المقهى في العراق؟
أسرة التحرير
لا يكاد ان يمر يوم ولم نعد صوت أزرار لوحات المفاتيح، هنا أو هناك، يجلس شباب بملامح تركز على شاشاتهم، يضعون سماعات عازلة للصوت، بينما تتوسط طاولاتهم أكواب القهوة، غير عابئين بمن يجلس بجانبهم.
هذا المشهد أصبح النمط السائد لما بات يعرف بـ "جيل العمل عن بعد"، حيث تحولت المقاهي من فضاءات للراحة الاجتماعية إلى "مكاتب افتراضية" ضرورية.
ولم يكن المقهى أو غرفة في المنزل في الذاكرة العراقية مجرد مكان لاحتساء الشاي حيث اصبح مثل "برلمان شعبي" مصغر، وملاذاً للترويح عن النفس وممارسة الطقوس الاجتماعية التي تعزز الروابط الإنسانية. اليوم، يفرض الواقع الاقتصادي والتقني تحدياً جديداً.
يقول سجاد (27 عاماً)، مبرمج مستقل : " احاول الاستفادة من ثلاث ركائز إنترنت مستقر، ومولد كهرباء لا ينقطع، وكرسي مريح، فإنه مكتبي الافتراضي الذي أهرب فيه من أزمات البنية التحتية.
هذا التحول يفسر لماذا يضطر أصحاب المقاهي لتعديل تصاميمهم، يقول "أبو محمد"، صاحب مقهى في شارع فلسطين: "اضطررنا لتوزيع الطاولات لتكون قريبة من مصادر الكهرباء، وتغيير قائمة الطلبات لتشمل القهوة المركزّة التي تزيد التركيز، بدلاً من إبريق الشاي الذي كان رمزاً للجلوس الطويل".
ظاهرة عالمية بصبغة عراقية
ولا يقتصر هذا التحول على العراق، ففي مدن عديدة نشأت "مقاهي العمل المشترك" كحل للرحالة الرقميين. لكن الفارق يكمن في "الضغط النفسي"، فبينما يختار الأوروبي العمل من المقهى لكسر روتين العزلة، يضطر الشاب العراقي للعمل من المقهى للهروب من ضغوط البنية التحتية، مما يخلق نوعاً من "العزلة داخل الزحام".
ويشير خبراء إلى أن هذه الظاهرة خلقت "مجتمعاً هجيناً"، فالشباب يتواجدون جسدياً في فضاء عام، لكنهم غائبون ذهنياً في عوالمهم الرقمية، وهذا "الاغتراب الاجتماعي" يجعل العلاقات الإنسانية التي كانت تُنسج في المقاهي عرضة للتقلص لصالح "رسائل التليجرام" و"إشعارات العمل".
تكمن الخطورة في أن "المقهى" فقد وظيفته كـ "مساحة ثالثة" (المكان الذي ليس بيتاً ولا عملاً)، أصبح الشاب العراقي يربط المكان بالضغط النفسي، والمواعيد النهائية، والاجتماعات عبر الشاشات.
تقول تقارير اجتماعية: "إن المقهى كان يذيب الفوارق الطبقية عبر الحوار العفوي، لكن اليوم، المقاهي التي توفر إنترنت فائق السرعة أصبحت حكراً على طبقة معينة من الشباب الرقمي، مما خلق فجوة جديدة في الفضاء العام".
المستقبل لا يشير إلى زوال المقهى، وانما إلى "تكيفه"، ففي بعض التجارب الناشئة في مدن عديدة، بدأنا نرى مقاهي تحاول دمج الثقافتين: طابق للعمل الهادئ وآخر "خال من التكنولوجيا" لتشجيع الحوار الوجاهي.
إن ظاهرة "العمل عن بعد" في المقاهي هي إعادة صياغة للعلاقة بين الإنسان ومكانه، وبينما يمنح هذا النمط الشباب العراقي استقلالية مهنية غير مسبوقة، فإنه يضع "الهوية الاجتماعية" للشارع العراقي على المحك.
ويبقى السؤال الذي يواجه هذا الجيل في 2026: هل سننجح في أن نكون مبدعين في عملنا الرقمي، وفي الوقت نفسه نحافظ على "فنجان الشاي" وسيلة للترابط الإنساني، لا مجرد قطعة ديكور بجانب شاشة العمل؟


