كيف يعيد التحول الرقمي رسم ملامح الشيخوخة في المجتمع؟

2026-07-12 10:38

أسرة التحرير

في الوقت الذي تحتفي فيه المجتمعات بالمدن الذكية وتتسابق فيه الشركات لتقديم أسرع خدمة توصيل، تبرز فئة مجتمعية تجد نفسها في قلب هذا التحول، ولكن بقواعد لعب لم تكن يوماً جزءاً من مهاراتها الأساسية إنهم كبار السن.

لقد تحول الهاتف الذكي من مجرد أداة للتواصل إلى بوابة إجبارية لقضاء الاحتياجات الأساسية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول آثار هذه الرقمنة المفروضة على جودة حياتهم واستقلاليتهم.

يؤكد الباحثون في الشؤون الاجتماعية أن التكنولوجيا أحدثت ثورة كرامة لدى الكثير من المسنين، فبعد أن كانوا مرهونين بجدول أعمال أبنائهم أو مقدمي الرعاية لقضاء احتياجاتهم اليومية، منحتهم تطبيقات التوصيل والدفع الإلكتروني مفاتيح الاستقلالية.

تقول "أم علي" (67 عاماً)، وهي أرملة تعيش بمفردها: "كنت أتحرج من طلب المساعدة من أبنائي في أمور تافهة كشراء أغراض المنزل، لكن الآن، بضغطة زر، يصل كل شيء إلى بابي، وشعرت أنني استعدت سيطرتي على تفاصيل يومي".

هذا التحول، وإن كان إيجابياً، يفتح الباب أمام نقاش آخر، هل تحرر المسن من تبعيته للبشر ليصبح رهيناً لشركات التقنية وخوارزمياتها؟

وتشير الدراسات الميدانية إلى أن التحدي أمام المسنين في منطق التطبيق، فان معظم المنصات الرقمية الحالية مصممة وفق عقلية الشباب والسرعة، مما يخلق فجوة حقيقية تتعلق باستخدام أيقونات غير واضحة، نصوص صغيرة، وخطوات دفع معقدة.

ويعيش المسنون في حالة قلق دائم من الاحتيال الإلكتروني، وتشير تقارير تتعلق بأمن المعلومات أكد أن كبار السن هم الفئة الأكثر استهدافاً ببرمجيات التصيد، مما يولد لديهم فوبيا رقمية تمنعهم من استغلال التكنولوجيا لخدمة مصالحهم.

وخلف الأرقام التي تتحدث عن سهولة التسوق الإلكتروني، هناك واقع اجتماعي يتألم. فأن السوق في تراثنا هو ساحة اجتماعية لتبادل الأخبار والتحايا.

وعندما نحول حياة المسن إلى طلبات تصل إلى باب المنزل، فنحن نقضي على آخر خيوط التفاعل المباشر الذي يحمي المسن من الاكتئاب والعزلة.

نحن نربح الوقت ونخسر الروابط. لذا، يجب أن تظل التكنولوجيا خادمة للحياة الاجتماعية لا بديلاً عنها.

ويتفق الخبراء على أن استدامة هذه الرقمنة تتطلب استراتيجية ثلاثية الأبعاد:

أولاً: ضرورة إيجاد نسخة كبار السن من التطبيقات، تتضمن تبسيط الواجهات، خاصية الأوامر الصوتية باللغة المحلية، وتوثيقاً أمنياً معززاً يضمن لهم الأمان النفسي.

ثانياً: يجب أن يتحول دور الأبناء من منفذين للطلبات إلى مدربين تقنيين، فان التعليم الصبور للمسن لا يمنحه المهارة فحسب، بل يمنحه الشعور بالثقة بالنفس.

ثالثاً: إطلاق مبادرات محو الأمية الرقمية لكبار السن في المراكز الاجتماعية والمساجد والمراكز الثقافية، مع التركيز على السلامة الرقمية قبل المهارات التشغيلية.

ختاما، إن التحول الرقمي حقيقة واقعة لا يمكن الهروب منها، والقدرة على التعامل معها ستكون معياراً لجودة الحياة في سنوات الشيخوخة القادمة. ولكن، يبقى الهدف الأسمى هو أنسنة هذه التكنولوجيا، بحيث تظل مجرد أداة تُضاف إلى مهارات المسن وخبراته، لا أن تُحل محل شخصيته أو تقطعه عن محيطه الاجتماعي.

في نهاية المطاف، التكنولوجيا التي تنجح في دعم المسن هي تلك التي لا تشعره بأنه تلميذ أمام شاشة صماء، بل تشعره بأنه سيد قراره في عالم متغير.

العودة إلى الأعلى