سامراء جرح القباب ونهوض الهوية الوطنية
تمرّ هذه الأيام ذكرى واحدة من أصعب الفواجع وأكثرها مرارة في تاريخ العراق المعاصر؛ الذكرى السنوية لتفجير قبة ومئذنتي مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في مدينة سامراء المقدسة. ففي مثل هذه الأيام وفق الحسابات الهجرية والمواقف التاريخية، امتدت يد الإرهاب الأعمى لتهدم معلماً دينياً وحضارياً شامخاً، بهدف تمزيق النسيج المجتمعي وجرّ البلاد إلى أتون حرب طائفية لا تبقي ولا تذر.
التفجير الآثم: محاولة اغتيال السلم الأهلي
لم يكن تفجير القبة الذهبية لمرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (ع) في 22 شباط 2006 (وما تلاه من تفجير المآذن في حزيران 2007) مجرد اعتداء على حجر أو بناء؛ بل كان استهدافاً مباشراً لرمزية العيش المشترك. كانت القبة التي تعانق سماء سامراء تجسّد لقرون طويلة هوية المدينة الجامعة، ومحجاً للقلوب بمختلف انتماءاتها.
لقد أراد المخططون من وراء هذا العمل الإجرامي إشعال فتنة عمياء بين أبناء الوطن الواحد. وبالفعل، عاش العراق عقب تلك الحادثة أياماً عصيبة ودامية كادت تطيح بكيان الدولة والمجتمع لولا حكمة الأخيار.
طوق النجاة: حكمة المرجعية ووعي الشعب
أمام هول الفاجعة وعمق الجرح، برزت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف كصمام أمان حقيقي؛ حيث أصدرت بياناتها التاريخية الصارمة التي حرّمت الدم العراقي، ودعت إلى ضبط النفس والابتعاد عن ردود الأفعال الانتقامية، مؤكدة أن المستهدف هو العراق بأسره وليس مكوناً دون آخر.
تلاحم وعي العراقيين مع هذه التوجيهات الحكيمة، ليفوتوا الفرصة على قوى الإرهاب التي حاولت استغلال الجغرافيا والديموغرافية لإدامة الصراع.
من الركام إلى الإعمار: رسالة صمود
أثبت العراقيون أن إرادة الحياة والبناء أقوى من معاول الهدم. فلم تكد تمضي سنوات قليلة حتى انطلقت سواعد المهندسين والحرفيين العراقيين ليعيدوا تشييد القبة والمئذنتين بأبهى حلة، لترتفع من جديد في سماء سامراء شاهدةً على انتصار الإرادة والوحدة الوطنية على الإرهاب والتخريب


