حراس الذاكرة وسفراء الرحمة: تحولات الحرف والنهضة التطوعية في كربلاء
تمثل مدينة كربلاء في الوجدان العراقي والعالمي مركزاً للروحانية ونمط فريد من الصمود الثقافي والاجتماعي الذي يتجلى في حرفها اليدوية الموغلة في القدم، وفي حراك شبابي تطوعي يسعى لترميم الفجوات الخدمية في أطرافها النائية.
ومن خلال هذا التقرير نغوص في أعماق هذين العالمين عالم "صناع التقليد" الذين يصارعون لإنقاذ الكاشي الكربلائي والنحاسيات من الاندثار عبر بوابة العصرنة، وعالم "الفرق الجوالة" التي تحولت إلى شريان حياة طبي وتعليمي في المناطق التي تعجز البنى التحتية التقليدية عن الوصول إليها.
إنها قصة مدينة تعيد إنتاج هويتها من خلال المزاوجة بين "طين الأرض" و"روح العطاء."
كيميائية الطين وأزرق الملوك
يعد الكاشي الكربلائي، أو ما يطلق عليه تاريخياً "كاشي الملوك"، أحد أبرز تجليات العمارة الإسلامية في العراق، حيث تحولت هذه القطع المربعة الملونة إلى هوية بصرية لا تخطئها العين في واجهات العتبات المقدسة والمساجد.
هذه الحرفة اضافة الى انها مهنة تزيينية، اصبحت هي تراث فلكلوري عريق ترجع جذوره إلى عهد ما قبل الإسلام، وبالتحديد إلى العصور البابلية الأولى، حيث تذكر المصادر التاريخية أن تسمية "الكاشي" تعود إلى تقنية تزجيج الفخار في العصر "الكيشي."
انتشرت صناعة هذا النوع من الخزف قديماً في منطقة شرق كربلاء ومنطقة قصر الأخيضر، حيث استُعملت لتزيين المعابد والكنائس والقصور بأشكال ونقوش سومرية وبابلية أصيلة. ومع تعاقب العصور، وتحديداً في العصر العباسي، تطورت هذه الصناعة بشكل ملحوظ بعد استيراد أنواع متطورة من الخزف الصيني ذي التعريقات والبقع الملونة، مما أضفى طابعاً جمالياً جديداً على المنتوج المحلي الذي كانت معامل كربلاء تلبي من خلاله حاجات جميع المدن العراقية.
وتوارث الحرفيون الكربلائيون هذه المهنة جيلاً بعد جيل، من الأب إلى الابن، محتفظين بسر الصنعة الذي يبدأ من اختيار التربة المباركة، وإن المادة الأساسية هي الطين الخالي من الأملاح والشوائب، والذي يمر بمراحل معقدة من الغسل والتصفية قبل أن يوضع في قوالب خاصة ويُقطع حسب القياسات المطلوبة.
وفي العقد الأخير، تحول الكاشي الكربلائي إلى أحد أهم أعمدة الهوية العمرانية الإسلامية، حيث توشحت واجهات دور العبادة باللون التركوازي الخاص الذي يتطلب مهارات متوارثة وجهداً كبيراً وصفه الحرفيون بأنه الأصعب تقنياً.
في ورش كربلاء القديمة، يبرز السيد عباس الموسوي كأحد الحراس المخلصين لهذه المهنة. يشرح الموسوي أن عملية تصنيع الكاشي تبدأ من التراب وتنتهي بلوحة فنية تعانق قباب المنائر، حيث يركز الموسوي في عمله على "المهارات الذاتية"؛ فالخطاط لديه يخط باليد، والمزخرف يرسم النقوش الإسلامية بروح الفنان لا بآلية الماكنة.
يواجه الموسوي، كغيره من الحرفيين، تحدياً اقتصادياً كبيراً يتمثل في المنافسة غير المتكافئة مع المنتجات المستوردة التي تكون أقل كلفة بسبب دعم الطاقة والوقود في دول المنشأ، بينما يعاني المنتج المحلي من غياب الدعم الحكومي للكهرباء والنفط. ورغم ذلك، يصر الموسوي على أن الأصالة والقوة هي ما يميز الكاشي الكربلائي اليدوي، حيث يمتلك بريقاً عالياً ودقة في الزخارف لا تستطيع أجهزة "الديجيتال" محاكاتها، فضلاً عن نجاحه في الاختبارات المختبرية لمقاومة الظروف الجوية القاسية.
أمام تهديد الاندثار وفقدان الخواص الفيزيائية للكاشي القديم الذي كان عمره الافتراضي لا يتجاوز 30 عاماً، بدأت مرحلة جديدة من "العصرنة الواعية" يقودها مهندسون شباب وفنيون متخصصون. ويشير المهندس ضياء مجيد الصائغ، رئيس قسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية، إلى أن الدراسات كشفت عن عيوب في الكاشي التقليدي مثل التقوس وتقشر السطح وفقدان الألوان.
استخدام مزيج من أنواع عدة من التربة لضمان أعلى مواصفات المقاومة والعزل ونسبة أملاح تقترب من الصفر، واستخدام مكابس عملاقة تسلط ضغطاً يصل إلى 100 طن لكل قطعة كاشي، مما يمنحها صلابة استثنائية وزوايا حادة وأبعاداً دقيقة، وإدخال "الأفران الحرارية الحديثة" التي تثبت الألوان في درجة حرارة تصل إلى 1000 درجة مئوية، مما يضمن ثبات وزهو الألوان لعقود طويلة، وتطوير قياسات تتلاءم مع التصاميم الهندسية المعقدة، مع إدخال مواد عازلة للحرارة وغير قابلة لامتصاص الرطوبة.
هذه العصرنة لم تلغ دور الفرد بل عززته، فالشباب الحرفيون اليوم يعملون على مواءمة الخطوط العربية الأصيلة مثل (الثلث، النسخ، الرقعة، والديواني) مع القياسات والزخارف الحديثة التي تفرضها الجدران والواجهات المعاصرة.
صناعة النحاسيات
لا يقل رنين المطارق في سوق الصفارين في كربلاء أهمية عن بريق الكاشي، فصناعة الصفر (النحاس) هي جزء حيوي من الموروث الكربلائي الذي يجمع بين الوظيفة اليومية والرمزية الروحية.
ويعود تاريخ هذه الحرفة في كربلاء إلى مئات السنين، حيث اشتهر "الصفارون" بصناعة الأدوات النحاسية التي تدخل في تفاصيل الحياة كافة. تاريخياً، سجل سوق الصفارين موقفاً بطولياً خلال حادثة "المناخور" (داود باشا) عام 1825م، حين قام الأهالي بصهر الأواني النحاسية وتحويلها إلى أسلحة لمقاومة الجيش العثماني.
وتنقسم الصناعات النحاسية في المدينة إلى نوعين:
التراثي العام: ويشمل الأدوات المنزلية مثل القدور والصواني والأباريق (الكمكم) التي تشتهر بها كربلاء ومدن عراقية أخرى.
التراثي الخاص: وهي صناعات مرتبطة بالهوية الدينية لكربلاء، مثل "طاسة الخلاص" المنقوشة بآيات الكرسي للشفاء، و"كف العباس" الذي يُستخدم كفال خير، و"الطابوق النحاسي" الذي يُطلى بالذهب لتغليف قباب المنائر. كما تشتهر بصناعة "القماقم" (مرشات ماء الورد) والمباخر والشمعدانات وسماورات الشاي التي تعكس الطابع الديني والاجتماعي للمدينة.
لكن اليوم تعاني الحرفة اليوم من "إهمال وركود" بسبب قلة اليد العاملة ونقص الدعم الحكومي، وتوجه الناس نحو المنتجات الحديثة الأرخص ثمناً. ومع ذلك، يحاول جيل جديد من الشباب إحياء هذه المهنة عبر "عصرنتها" وتحويلها إلى قطع ديكور فنية ولوحات جدارية مزينة بالنقوش والمنائر والآيات القرآنية التي تستهوي السياح والباحثين عن التراث.
الفرق الجوالة وسفراء الإنسانية في الفيافي
بينما يرمم الحرفيون هوية المدينة التاريخية، ينبري فريق آخر من الشباب لترميم الواقع الإنساني في المناطق النائية. الفرق التطوعية الجوالة في كربلاء باتت تشكل منظومة موازية وداعمة للمؤسسات الحكومية، مقدمة خدمات طبية وتعليمية مجانية لمن تقطعت بهم السبل.
وتعد "الفرق الجوالة" الطبية في كربلاء من أكثر التجارب نجاحاً، خاصة تلك التي تنطلق بدعم من العتبات المقدسة ووزارة الصحة ومنظمات المجتمع المدني. تستقبل هذه الفرق، مثل "فريق مجموعة الطوارئ للإغاثة الإنسانية" و"فريق طب الطوارئ التطوعي"، الحالات الطبية في القرى النائية التي تفتقر للمراكز الصحية، وتتميز هذه العيادات المتنقلة بكونها وحدات متكاملة تحتوي على:
- ردهات مخصصة للرجال والنساء.
- أجهزة طبية متطورة (تخطيط القلب، أجهزة التنفس، أجهزة التبخير، قياس السكر وضغط الدم).
- مختبرات مصغرة لإجراء التحليلات المرضية الطارئة.
هذه العيادات تقوم بمهام التوعية الصحية والوقاية من الأمراض. وخلال مواسم الزيارات المليونية، تعالج العيادة الواحدة أكثر من 1000 حالة يومياً، مما يخفف الضغط الهائل عن المستشفيات المركزية. كما تمتد خدمات هذه الفرق لتشمل النازحين في القرى البعيدة والمناطق المحررة، حيث أكد القيادي قاسم مصلح أن الفرق التطوعية توفر المأكل والمشرب والمستلزمات الحياتية بجانب الخدمات الطبية، التزاماً بتوصيات المرجعية الدينية العليا في الجانب الإنساني.
فيما تبرز الفرق التطوعية كأيقونة للعمل الشبابي المنظم. يقوم هؤلاء الشباب بمهام ميدانية تتراوح بين الإسعافات الأولية وتأهيل البنى التحتية. وفي الجانب التعليمي، تنفذ "شعبة العمل التطوعي" في مديرية شباب ورياضة كربلاء حملات واسعة لتأهيل المدارس في المناطق الريفية. يشير المسؤول غزوان كاظم المسعودي إلى أن عام 2025 خُصص ليكون "عام العمل التطوعي"، حيث تم تنفيذ مراحل متقدمة في مدارس الأقضية والنواحي.
شملت هذه المبادرات: صبغ الصفوف الدراسية وتأهيل المرافق التعليمية بمشاركة أكثر من 20 شاباً متطوعاً في كل حملة، وصيانة الرحلات المدرسية المتهالكة لتوفير ظروف دراسية أفضل للطلاب، وإقامة ورش تدريبية للطلاب حول "التخطيط الشخصي" وتطوير المهارات القيادية بالتعاون مع مستشارين متخصصين.
من جهتهما جامعات المحافظة، مثل "جامعة وارث الأنبياء" و"جامعة الزهراء"، دخلت بقوة في هذا المضمار من خلال فرق مثل "إرث الحسين" و"خيرات الوارث"، التي وزعت مئات السلال الغذائية ونظمت مبادرات لإفطار الأيتام، مما يعزز قيم التكافل الاجتماعي لدى الطلبة.
العمل التطوعي والحرفي في كربلاء لم يغفل دور المرأة، حيث كانت هي "صانعة التقليد" والمبادرة الأولى في كثير من الأحيان. السيدة "خالدة شلال" من منطقة الحسينية بضواحي كربلاء، تمثل نموذجاً للمرأة المجاهدة التي أنشأت مزرعة لتربية النحل لإنتاج العسل وتحسين دخل أسرتها.
قصص أخرى لنساء ريفيات مثل "أم وحيد" التي انضمت لمشاريع القروض الدوارة (بالتعاون مع الفاو) وتعلمت إدارة المشاريع الصغيرة وتربية الدواجن، تظهر كيف يمكن للعمل التطوعي المؤسسي أن يحول الأسر من مستهلكة إلى منتجة. هذه المبادرات تعتمد على "التدريب الميداني" في التغذية وتربية الحيوان، وهي صورة أخرى من صور الفرق الجوالة التي تنقل المعرفة بدلاً من الدواء.
المشهد في كربلاء اليوم هو لوحة متداخلة الألوان تماماً كقطع الكاشي الكربلائي، فالحرفي الذي يرفض ترك منقاشه رغم زحف الآلة، والشاب الذي يقطع المسافات نحو القرى النائية حاملاً سماعته الطبية أو فرشاة صبغه، كلاهما يكتبان فصلاً جديداً من فصول البقاء الثقافي.
تثبت الحقائق الميدانية أن عصرنة الحرف لم تكن "ترفاً"، بل كانت ضرورة تقنية للحفاظ على العمران الإسلامي من التآكل. كما أثبتت الفرق التطوعية أنها مساعد ذكي يعزز كفاءة الخدمات الصحية والتعليمية في أصعب الظروف، وإن التحدي القادم يكمن في استدامة هذا الحراك، وهو ما يتطلب:
- توفير الوقود والطاقة للمعامل الحرفية التقليدية لتتمكن من منافسة المستورد.
- حماية قانونية للحرف المسجلة في اليونسكو لضمان عدم تزييرها أو اندثار مهاراتها الأصيلة.
- توسيع منصات التطوع.
في نهاية المطاف، تبقى كربلاء مدينة لا تموت حرفها لأن هناك من "يعصرنها" بحب، ولا يئن فقراؤها لأن هناك من "يجول" نحوهم برحمة. إنها جدلية "الطين والروح" التي تجعل من هذه المدينة المقدسة مدرسة إنسانية مفتوحة على الدوام.


