أضواء على كتاب: كلمة الإمام الحسن

: د-صباح محسن كاظم 2026-03-05 10:17

ولادة النور والهدى والتقى في الخامس عشر من رمضان في السنة الهجرية الثالثة يحمل الدلالات الإيمانية التكاملية الروحية ،فالأم سيدة نساء العالمين ،والأب أمير المؤمنين الإمام الوصي ،والجد خاتم الرسل والأنبياء فكانت الإستعدادات الذاتية مع الجينات الوراثية قدمت للبشرية الإمام المعصوم كريم الخلق والعبادة والنموذج البشري الأصلح لقيادة الأمة .

كتاب مهم عن الإمام :

لعلّ مساحة الإشتغال الفكري والثقافي الإسلامي أفردت بعض الكتب المهمة بدراسة الإمام السبط المجتبى ومنها كتاب:

(( كلمة الإمام الحسن)) الصادر عن العتبة الحسينية المقدسة –مركز الإمام الحسن للدراسات المتخصصه – السيد حسن الشيرازي – مطبعة دار الكفيل – كربلاء المقدسة – 288 صفحة .

وقد أكد المؤلف بمقدمته ص7-13: (( الإمام الحسن (عليه السلام)، يتميّز - هو والقليل من الناس - بتفوّقٍ ظاهرٍ في كلّ ما قال أو كتب، فهو إمام في البلاغة، كما هو إمام في الدين، وفي كلامه اصالة الواقع، ووميض البروق، وهدير البراكين، ورخاء الاسحار وهينمات الأنسام.لأن البيان الرفيع، التأم سابقه بلاحقه في الإمام الحسن (عليه السلام) فضمّ قوّة البيان الجاهليّ الصافي المنبثق من الفطرة السليمة إلى روعة البيان الإسلامي المهذّب، المنبثق من المنطق السليم، فجمع قوّة البلاغة الجاهلية، إلى روعة البلاغة النبوية، فاقتطف من كلّ طارفٍ وتليدٍ طريفاً، حتى اجتمعت فيه عناصر الأدب الرفيع، من الذوق المطبوع الذي ورثه من سلالته ومجتمعه، ومن رصيده العلمي الواسع، الذي جعله قويّ الحجّة، راسخ البرهان، ومن وعيه الاجتماعي الشامل، الذي اكتسبه من التجارب المرة الرهيبة، التي خاضها برباطةٍ وصمودٍ، والازمات العصيبة التي لفّته بعنفٍ لا توجد في القواميس لفظة تعبّر عنها بصدقٍ وأمانة، والتطاحن الفكريّ الجبار، الذي عاشه بعقله في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وبكل كيانه في أيامه وأيام أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)...)). ثمة ظروف قاسية عاشها إمامنا المجتبى من وفاة جده سيد الرسل والأنبياء ثم رحيل مولاتنا الزهراء –عليها السلام - وشهادة أمير المؤمنين –عليه السلام – بمحرابه . لذلك يؤكد المؤلف ص9 :

(( وهذه العناصر، صقلت المؤهلات الذاتية للإمام الحسن (عليه السلام) فكانت الآلام التي انصبت عليه انصباباً، مبضعاً فجّر معين البلاغة في قلبه، على جرّ لسانه، فتدفقت البلاغة، بانسيابٍ تلقائي، يحكي كلّ ما في الواقع من حرارة، وفي الفكر من لوعة، ليهيمن على العقل والقلب والضمير فلا تجد إزاءه إلا أن تردّد ما يقول بخشوع واستسلام، وإذا كتب انتزع من مهجة الأزل إلى ضمير الأبد قصة الدمع والدم والنار، فكتب على الورق، أوجاع قلبه ونحيب مجتمعٍ تدافع في مهجته، فجرى يراعه بمدادٍ من عصير الشمس، ليؤكّد الحقّ الذي اطمأنّ اليه، فظلّ يدور معه حيثما دار، ويكافح الباطل الذي انقشع عنه، ليلاحقه أينما سار....)).

إن هدير البلاغة العلوية التي تجري على طرف لسانه تتسم بجمال المنطق وقوة الحق وهو يمضي بتأدية الرسالة التكليفية كإمام معصوم مفترض الطاعة حتى وإن لم تثنى له الوسادة بسبب معاوية بن ابي سفيان وسياسته الدخيلة بالإسلام (التوريث –الترغيب- الترهيب) .

يصف لنا السيد حسن الشيرازي بتلك المقدمة :

((تتجسّد على لسانه كلاماً، فيه من رنة الحق والجمال الخلوب، ما يطاول أبلغ الكلام بما هو أغنى وأجمل.

فكلمته المرتجلة، أقوى ما تكون الكلمة المرتجلة، من عمق الفكرة وفتنة التعبير، حتّى لا تنطلق من فمه، الاّ لتمضي مثلاً سائراً من بلدٍ إلى بلدٍ، ومن جيلٍ إلى جيلٍ، وهل تقطعت الكلمة الجزلة، باروع من هذه الاقوال (ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد) و(السداد: دفع المنكر بالمعروف) و(المجد: ان تعطي في العزم، وتعفو عن الجرم) و(العقل حفظ كلّ ما استوعيته) و(القبور محلتنا، والقيامة موعدنا، والله عارضنا).

وخطبته، اروع ما تكون الخطبة، وخاصةً عندما يعالج أزمة في اصحابه، او يقارع طغمة من اعدائه، أي في الموقف الذي تثور فيه عواطفه الجياشة، ويهيج خياله الوهاب، بالنقمة والتذمّر فتعجّ فيها معان مفرقعة، تتتابع بقوةٍ كفرقعات المدافع، وصور حارة من لهيب قلبه، وأوار الاحداث حتى يأتي صلداً كالجلاميد، مزمجراً كالرعود، مشرقاً كالبروق.

وها هو يؤنّب اهل الكوفة، على تفريطهم به في سبيل معاوية فيقول:

(.. وايم الله، لا ترى امة محمدٍ خصباً، ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجّه الله إليكم فتنةً، لن تصدّوا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم إلى شياطينكم، فعند الله احتسب ما مضى وما ينتظر، من سوء رغبتكم، وحيف حكمكم..). بعد جمال الخطاب الحسني الذي سوق لنا أمثلة منه يختم تلك المقدمة ص13: 

((......رغم أن آثار الإمام الحسن –عليه السلام-،منيت بإعراض بعض وإنكار آخرين ، فإنها كانت من القوّة والجدارة ،أن فرضت نفسها على الحياة والتاريخ ،رغم كلّ مامنيت به من إعراضٍ وإنكارٍ .....)).

شمولية الدراسة :

لقد برّع المؤلف بدراسته المتكاملة عن ما أحاط بحياة الإمام الحسن محبة النبي الأعظم له حياته  بكل جوانبها العقائدية ،والفقهية ،والولائية ،أصحابه ،مناوؤه، خصومه من معاوية ، محاولة إصلاح الأمة بسنة جده المصطفى ، خذلانه ، شهادته .

العودة إلى الأعلى