صراع الصم والبكم مع أبجدية الخدمات اليومية

: اسرة التحرير 2026-02-24 12:52

في ركن هادئ من محطة الحافلات المزدحمة، يقف "أحمد" (24 عاماً) محاولاً شرح وجهته لسائق الحافلة. تتحرك يداه بسرعة، يرسم في الهواء إشارات يحاول من خلالها إيصال اسم المنطقة، لكن السائق يكتفي بهز رأسه دليلاً على عدم الفهم، ويمضي تاركاً أحمد في حيرة من أمره.

هذا المشهد هو تلخيص لمعاناة يومية يعيشها آلاف الصم والبكم في مواجهة مجتمع يتحدث لغة لا يفهمونها، ويفتقر لخدمات مهيأة لاستيعاب صمتهم.

وتمثل المواصلات العامة التحدي الأول. في دراسة ميدانية غير رسمية، تبين أن أكثر من 85% من سائقي الأجرة والحافلات لا يمتلكون أدنى فكرة عن لغة الإشارة. 

هذه الفجوة تجعل من مجرد "الخروج من البيت" مهمة شاقة فالصم يعتمدون غالباً على كتابة الوجهة في أوراق صغيرة أو استخدام خرائط الهاتف، لكن المشكلة تزداد تعقيداً عند حدوث طارئ أو تغيير في مسار الطريق.

الألم الذي لا صوت له

إذا كان التواصل في الشارع صعباً، فإنه في المؤسسات الصحية يصبح "خطيراً" وتشير التقارير الطبية إلى أن سوء الفهم بين المريض الأصم والطبيب قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ أو صرف جرعات دوائية غير دقيقة.

يقول أحد المترجمين المتطوعين: "يصل المريض الأصم إلى الطوارئ وهو يتألم، ولا يوجد موظف استقبال واحد يتقن لغة الإشارة مما يضطر المريض لانتظار قريب له ليترجم عنه، وفي الحالات الحرجة، قد تكون كل ثانية فارقة."

Card image cap

نموذج الاحتواء

عند الحديث عن الحلول والمصادر الموثوقة في رعاية هذه الشريحة، تبرز العتبة الحسينية المقدسة كجهة رائدة تجاوزت مرحلة "التعاطف" إلى مرحلة "التمكين المؤسسي". 

من خلال مؤسساتها، وضعت العتبة خارطة طريق لدمج الصم والبكم في المجتمع.

1. مركز الإمام الحسين (عليه السلام) التخصصي للصم حيث يعتبر هذا المركز التابع للعتبة الحسينية حجر الزاوية في تغيير واقع هذه الفئة ولا يقتصر دوره على التعليم فقط، بل يمتد ليشمل:

• إعداد مترجمين محترفين: تقوم العتبة بتدريب كوادر متخصصة في لغة الإشارة وتنسيبهم في المؤسسات الخدمية التابعة لها (المستشفيات، مراكز الزوار) لضمان انسيابية التواصل.

• قاموس الإشارة الموحد: ساهمت العتبة في دعم الجهود لتوحيد لغة الإشارة، خاصة الإشارات الدينية والخدمية، لتقليل التشتت بين الصم في مختلف المحافظات.

الخدمات الصحية المهيأة

في مستشفيات العتبة الحسينية (مثل مستشفى الإمام زين العابدين ومؤسسة وارث الدولية)، تتوفر آلية تواصل خاصة للصم. يتم توفير مترجم إشارة يرافق المريض في كافة مراحل الفحص، مما يضمن دقة التشخيص النفسي والجسدي.

لغة الإشارة

قانونياً ودولياً، تعتبر لغة الإشارة لغة رسمية لمستخدميها، ولكن على أرض الواقع، ما زلنا نحتاج إلى "ثورة وعي".

أرقام وحقائق:

• تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك ملايين الأشخاص يعانون من فقدان السمع "المعطل".

• في العراق والمنطقة العربية، تغيب لغة الإشارة عن المناهج الدراسية العامة، مما يعزز الهوة بين الأصم والمجتمع.

قصص نجاح

رغم الصعوبات، هناك قصص ملهمة. "زينب"، فتاة صماء استفادت من دورات العتبة الحسينية، تعمل الآن في ورشة خياطة وتدير عملها عبر منصات التواصل الاجتماعي باستخدام الفيديو (لغة الإشارة) مع زبائنها الذين تعلموا منها بعض الإشارات الأساسية. تقول زينب (عبر مترجم): "العالم لا ينقصه الصوت، بل ينقصه الإصغاء بالعين والقلب".

كيف نغير الواقع

للخروج من مأزق "العزلة التواصلية"، يقترح التقرير الآتي:

1. تعميم التجربة: ضرورة تعميم التجارب الناجحة في تدريب موظفي "الصفوف الأمامية" (الشرطة، الدفاع المدني، موظفي الاستقبال في المستشفيات الحكومية) على مبادئ لغة الإشارة.

2. التكنولوجيا المساعدة: دعم التطبيقات الذكية التي تحول لغة الإشارة إلى نص مكتوب أو صوت منطوق بشكل فوري.

3. الإعلام الشمول: إلزام القنوات التلفزيونية والمؤسسات الحكومية بوجود مترجم إشارة في كافة المؤتمرات والبرامج الخدمية.


لغة الإشارة هي جسر للحرية والكرامة الإنسانية، وبينما تقود بعض المؤسسات جهوداً جبارة لسد الفجوة، يظل الدور الأكبر على عاتق المجتمع لتعلم هذه اللغة، فربما تكون إشارة بسيطة منك هي "طوق النجاة" لشخص يعيش في عالم يسوده الصمت.


العودة إلى الأعلى