ففي العراق، الحرفة هي "شخصية" وليست مجرد عمل، إذ إن فقدانها يعني فقدان جزء مهم من الشخصية البصرية.

: فريق التحرير 2026-02-11 07:01

الارتباط الوجودي بالطين

في كركوك، يرتبط الفخار بمفهوم "علاقة الإنسان بخالقه"، حيث يرى الحرفيون أن التعامل مع الطين هو تذكير بأصل البشرية. هذا البعد الروحي يجعل من صناعة الفخار مهنة "مقدسة" نوعاً ما، وهو ما يفسر استمرار بعض العائلات في العمل بها رغم الخسائر المادية. 

التحليل الاقتصادي

تواجه الحرف العراقية "حرباً اقتصادية" غير متكافئة، فالمستورد الأجنبي، يكتسح الأسواق بفضل سياسات الدعم الحكومي في بلدان المنشأ وتوفر الطاقة الكهربائية والوقود بأسعار زهيدة لتشغيل المصانع الكبيرة.

تشير البيانات الميدانية إلى مفارقة مثيرة، فبينما ينجذب المستهلك العادي للمنتج المستورد لرخص ثمنه وتناسق أشكاله الناتج عن القوالب الآلية، يظل الخبراء والسياح الواعون يفضلون المنتج المحلي. 

والسبب يعود لخصائص فيزيائية فالطين المحلي في كركوك وداقوق يحتوي على مسامية طبيعية تسمح بالتبخير والتبريد، بينما الطين المستورد غالباً ما يكون "مكبوساً" بإحكام لغرض التصدير، مما يفقده وظيفة تبريد الماء ويحوله إلى مجرد وعاء تخزين.

لضمان بقاء هذه الحرف، يطالب المهنيون بسلسلة من الإجراءات الحمائية:

 *تخصيص حصص وقود: تزويد معامل الفخار في كركوك وداقوق بالنفط الأبيض بأسعار تشجيعية (1000 لتر شهرياً لكل معمل).

 * حماية جمركية: فرض رسوم على المنتجات الفخارية والخشبية التراثية المستوردة التي تمتلك بديلاً محلياً عالي الجودة.

 * تفعيل المشتريات الحكومية: إلزام المؤسسات الثقافية والسياحية بتأثيث وتزيين مقراتها بالصناعات الحرفية المحلية لدعم الحرفيين اقتصادياً ومنحهم دفعة للاستمرار.


نحو استراتيجية وطنية

الحفاظ على "الحرف المنسية" يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية نحو رؤية استراتيجية شاملة تدمج الحرف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

يجب تحويل معامل الفخار في كركوك إلى "محميات ثقافية" حية هذا يتضمن تنظيم رحلات سياحية متخصصة، وإنشاء متاحف تفاعلية حيث يمكن للسياح تجربة صناعة الفخار أو نقش الخشب بأنفسهم، مما يخلق عوائد مالية مباشرة للحرفيين ويشجعهم على تعليم أسرار المهنة للأجيال الجديدة.

تحديث التصاميم مع الحفاظ على الأصالة

يرى بعض المعماريين الشباب ضرورة "عصرنة" الحرف. 

كما يمكن تطوير منتجات فخارية تتماشى مع الذوق الحديث في الديكور المنزلي مع الحفاظ على "سر الصنعة" في معالجة الطين، وهو ما يفتح أسواقاً جديدة للحرفيين خارج النطاق التقليدي.


التوثيق الرقمي والبحث العلمي

يجب إطلاق مشروع وطني لتوثيق كافة الزخارف والنقوش والتقنيات الحرفية رقمياً، باستخدام تقنيات المسح الليزري والنمذجة ثلاثية الأبعاد، لضمان وجود "مرجع دقيق" للأجيال القادمة في حال غياب الحرفيين الكبار. 

كما يجب تشجيع البحوث الجامعية في كليات الهندسة والعلوم لدراسة الخصائص الحرارية والميكانيكية للمواد التقليدية (طين كركوك)، لتقديم براهين علمية على تفوقها الوظيفي، مما يسهل عملية تسويقها وإعادة اعتمادها في البناء الحديث.

تظل قصة نوزاد عباس في كركوك صرخة في وادٍ يحتاج لصدى مؤسساتي قوي وإن الحفاظ على الفخار هو فعل استشرافي للمستقبل، ففي هذه الحرف تكمن حلول لأزمات الطاقة، والخصوصية، والهوية التي تعاني منها المدن العراقية المعاصرة. 

إن يد الحرفي التي تشكل الطين أو تنقش الخشب هي ذات اليد التي تحفظ تاريخ العراق من الاندثار، وضمان استمرار هذه اليد في العمل هو مسؤولية تقع على عاتق الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية على حد سواء.

الحرف المنسية تستحق أن تتذكرها المناهج الدراسية، والسياسات الاقتصادية، والخطط العمرانية، لتبقى كركوك مدينة الطين والخلود.


العودة إلى الأعلى