فجوة المهارات الرقمية بين الأجيال: عندما لا يكون "الجيل الرقمي" رقمياً بما يكفي
أسرة التحرير بينما تتسابق الحكومات والشركات حول العالم نحو التحول الرقمي، تكشف بيانات دولية حديثة عن فجوة معقدة في المهارات الرقمية لا تفصل فقط بين كبار السن والشباب، بل تمتد لتشمل التفاوت بين "الثقة الرقمية" و"الكفاءة الرقمية" الفعلية داخل الجيل الواحد. المفهوم الشائع الذي صاغه الباحث مارك برنسكي عام 2001 عن "المواطنين الرقميين" -أي الشباب الذين نشأوا محاطين بالتكنولوجيا فامتلكوا مهاراتها تلقائياً- بدأ يتصدع أمام بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). فبحسب تقرير المنظمة لعام 2024 حول محو الأمية الرقمية، رغم أن 92% من الشباب في دول المنظمة يستخدمون الإنترنت، إلا أن أقل من 50% منهم فقط يُظهرون مهارات رقمية قوية، خصوصاً في تقييم المحتوى عبر الإنترنت وتمييز المعلومات المضللة. هذه الفجوة بين "الاستخدام" و"الإتقان" تتكرر في مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي الأوروبي (DESI) لعام 2024، الذي رصد أن كثيرين يقيّمون مهاراتهم الرقمية ذاتياً بمستوى عالٍ، لكن الاختبارات الموضوعية تُظهر أن قدراتهم في مجالات أساسية كبرامج الإنتاجية والبحث الإلكتروني وإدارة البيانات أقل بكثير من المتوقع. الفجوة التقليدية لا تزال قائمة
على الجانب الآخر، لا تزال الفجوة العمرية التقليدية واضحة. بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يفتقر نحو 40% من مستخدمي الإنترنت في دولها إلى المهارات الرقمية الأساسية، ما يحد من قدرتهم على التصفح الآمن والفعّال. وتشير المنظمة إلى أن كبار السن وذوي المستويات التعليمية الأدنى يواجهون أكبر العقبات، وغالباً ما يجدون صعوبة في استخدام الخدمات الإلكترونية الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية والتعليم والخدمات المالية.
في الولايات المتحدة، أظهرت بيانات مركز "بيو" للأبحاث أن نحو ربع البالغين فوق 65 عاماً لا يستخدمون الإنترنت إطلاقاً، وأن أكثر من 35% منهم لا يملكون اتصال إنترنت منزلي عريض النطاق. كما رصد المركز في مسح سابق أن 26% فقط من كبار السن (65 عاماً فأكثر) يشعرون بثقة عالية في استخدام الحواسيب والهواتف الذكية لإنجاز المهام عبر الإنترنت.
ويرى باحثون في هذا المجال أن جزءاً من المشكلة يكمن في تصميم التكنولوجيا نفسها؛ إذ إن غالبية مهندسي البرمجيات في الولايات المتحدة تقل أعمارهم عن 40 عاماً، وقد عاشوا طوال حياتهم في عالم رقمي، ما ينعكس أحياناً في تصميم أنظمة لا تراعي احتياجات المستخدمين الأكبر سناً.
فجوة غير متساوية
تُظهر أبحاث مركز "بيو" أيضاً أن كبار السن ليسوا فئة متجانسة: فهناك مجموعة من كبار السن الأصغر سناً والأعلى تعليماً ودخلاً تستخدم التكنولوجيا بمعدلات قريبة من باقي السكان، مقابل مجموعة أخرى -تضم عادة كبار السن الأكبر عمراً والأقل دخلاً وذوي الإعاقة أو المشاكل الصحية- تبقى منعزلة عن العالم الرقمي، سواء من الناحية المادية أو النفسية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الفجوة على سهولة الاستخدام اليومي، حيث تمتد إلى سوق العمل والأجور مباشرة. فبحسب دراسات استندت إلى بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تصل فجوة الأجور بين العاملين ذوي المهارات الرقمية المتقدمة ونظرائهم من ذوي المهارات الأساسية إلى 27% في المتوسط داخل دول المنظمة، وترتفع لتتجاوز 50% في دول مثل إنجلترا والولايات المتحدة وسنغافورة. كما أن العاملين الذين لا يملكون أي مهارات رقمية يتقاضون أجوراً أقل بنسبة 10% في المتوسط مقارنة بمن يملكون مهارات أساسية فقط.
وفي المقابل، تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال بعيداً عن هدف "العقد الرقمي" لعام 2030، إذ لا تتجاوز نسبة البالغين الذين يمتلكون مهارات رقمية أساسية حالياً 54%، بعيداً عن الهدف المحدد بـ80%.
يضيف صعود الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة لهذا التحدي. فبحسب تقرير "آفاق التوظيف" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025، صحيح أن العمال الأكبر سناً يمتلكون مهارات رقمية متقدمة أقل من الأصغر سناً، إلا أن هذا وحده لا يعني بالضرورة وجود فجوة حقيقية في الأداء الوظيفي.
وتوضح بيانات المسح الدولي لمهارات البالغين أن فجوة المهارات المعلوماتية بين كبار السن (55-65 عاماً) والأصغر سناً (25-29 عاماً) تصل إلى ما بين 9% و12%، فيما تبقى فجوة المهارات العددية أضيق نسبياً.
في المقابل، تحذر تحليلات أخرى من أن الفئات الشابة قد تكون الأكثر هشاشة أمام موجة الأتمتة والذكاء الاصطناعي، نظراً لصعوبة اندماجها الأولي في سوق العمل، بينما يستفيد العاملون الأكبر سناً وأصحاب الخبرة الطويلة من الذكاء الاصطناعي كأداة لتوسيع نطاق إشرافهم وإنتاجيتهم بدل أن يكون منافساً لهم.
تكشف هذه المعطيات مجتمعة أن "فجوة المهارات الرقمية بين الأجيال" أكثر تعقيداً من الصورة النمطية السائدة عن "شباب متمكن رقمياً" مقابل "كبار سن متأخرين تقنياً". فهي فجوة تتقاطع مع التعليم والدخل والصحة ونوع المهارات المطلوبة، وتزداد تعقيداً مع كل موجة تكنولوجية جديدة – من الإنترنت إلى الهواتف الذكية وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي. وهو ما يجعل معالجتها، بحسب خبراء المنظمات الدولية، تتطلب سياسات تدريب وتأهيل مستمرة ("التعلم مدى الحياة") تراعي الفروق داخل الجيل الواحد لا بين الأجيال فقط.
المصادر الرئيسية:
-منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) – تقارير المهارات الرقمية 2023-2025، وتقرير آفاق التوظيف 2025
-المفوضية الأوروبية – مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي (DESI) 2024، ومركز البحوث المشترك (JRC)
-مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) – تقارير استخدام التكنولوجيا بين كبار السن


