من بغداد المحترقة إلى جوار أمير المؤمنين: كيف وُلدت حوزة النجف؟

2026-09-23 13:35

صباح الطالقاني

الفيّة الحوزة العلمية في النجف الاشرف - الجزء الثاني

لم تولد حوزة النجف في فراغ تاريخي، بل جاءت نتيجة انتقال مركز علمي كان قد بلغ درجة عالية من النضج في بغداد إلى مدينة النجف، وكان بطل هذه النقلة الكبرى أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460هـ)، الذي أصبح لاحقاً أحد أعظم أعلام الفقه والكلام والحديث عند الإمامية الاثني عشرية.

كان الشيخ الطوسي قد وصل إلى بغداد في شبابه، وتتلمذ على عدد من كبار علمائها، وفي مقدمتهم الشيخ المفيد ثم السيد المرتضى علم الهدى، وبعد وفاة السيد المرتضى سنة 436هـ أصبح الطوسي من أبرز علماء الإمامية في بغداد، واتسع مجلسه العلمي، حتى صار مرجعاً للشيعة في المدينة، وحظي بمكانة علمية كبيرة.

لكن بغداد دخلت مرحلة مضطربة مع دخول السلاجقة سنة 447هـ بقيادة طغرل بك، وتشير المصادر إلى أن الصراع السياسي والطائفي انعكس بصورة مباشرة على المؤسسات العلمية. فقد أحرقت مكتبة «دار العلم» التي أنشأها الوزير البويهي أبو نصر سابور بن أردشير، ثم تعرّضَ منزل الشيخ الطوسي نفسه للاعتداء في سنة 448هـ، وأحرقت كتبه وأوراقه وكرسي التدريس الذي كان يجلس عليه.

في هذه الظروف اختار الطوسي النجف مقراً جديداً لنشاطه العلمي، ولم يكن اختياره عشوائياً، فالنجف كانت تتمتع بمكانة دينية كبيرة بسبب مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، كما كانت قريبة من الكوفة، وهي إحدى أقدم البيئات العلمية الشيعية في العراق، وكانت المدينة قد عرفت قبل ذلك حضوراً لعدد من العلماء.

لكن أهمية الطوسي لا تكمن في مجرد انتقاله إلى النجف، بل في إعادة بناء الحياة العلمية حوله، فقد شرع في التدريس واستقطاب الطلاب، ونشأت حوله حلقات علمية منتظمة، وتشير بعض المصادر إلى أن هذه الحركة تحولت خلال السنوات التالية إلى مركز علمي كبير، وأصبح الطلاب والعلماء يقصدون النجف من مناطق مختلفة.

ولم يكن الشيخ الطوسي مجرد مدرّس للفقه، فقد كان مشروعه العلمي واسعاً، وتوزع إنتاجه بين الحديث والفقه والأصول والكلام والتفسير.

ومن أشهر كتبه «تهذيب الأحكام» و«الاستبصار»، وهما من الكتب الحديثية الأربعة الأساسية في التراث الإمامي. كما ألّفَ «المبسوط» و«الخلاف» في الفقه، و«العدة في أصول الفقه»، وغيرها من المصنّفات التي أصبحت لاحقاً ركائز في الدراسات الحوزوية.

وقد أسهم هذا الإنتاج العلمي في جعل مدرسة النجف الجديدة أكثر من مجرد حلقات دراسية محلية، فالطالب لم يكن يأتي إلى النجف ليتلقى معلومة دينية محدودة، وإنما يدخل في منظومة علمية تتطلب سنوات من الدراسة والتدرج في الفقه والأصول واللغة والمنطق وغيرها من العلوم.

ومن أبرز الشخصيات المرتبطة بالجيل الأول بعد الطوسي ابنه أبو علي الحسن بن محمد الطوسي، الذي واصل جانباً من المسار العلمي لوالده، إلى جانب عدد من الفقهاء الذين نقلوا علومه وكتبه وآراءه إلى الأجيال التالية.

ومع ذلك، فإن انتقال المدرسة إلى مرحلة الاستقرار لم يكن فورياً، إذ تشير الدراسات إلى أن وفاة الشيخ الطوسي سنة 460هـ تركت فراغاً علمياً كبيراً، وأن المدرسة احتاجت إلى أجيال لاحقة حتى تطور أدواتها وتتجاوز مرحلة الاعتماد الكبير على المؤسس.

ومن المهم هنا ألا نتخيل «الحوزة» في القرن الخامس الهجري بالشكل المؤسسي الذي نعرفه اليوم، فلم تكن هناك إدارة مركزية أو مناهج موحدة أو نظام تسجيل ودرجات علمية بالمعنى الحديث. كان النظام يقوم أساساً على مجالس العلماء وحلقات الدرس والإجازة العلمية والعلاقة المباشرة بين الأستاذ والطالب.

أما الاستقرار الحقيقي لمركزية النجف فجاء عبر قرون من التراكم، وفي مراحل لاحقة أخذت المدينة تستقطب علماء من مناطق متعددة، حتى أصبحت في العصر الحديث مركزاً دولياً للدراسة الدينية. وتشير المصادر إلى وجود علماء من إيران ولبنان والهند وغيرها في النجف، وأن المدينة احتضنت علماء من جنسيات وخلفيات مختلفة، وبحلول القرن التاسع عشر أصبح عدد العلماء والطلاب فيها كبيراً جداً مقارنة بما كان عليه في القرون السابقة.

وهكذا يمكن القول إن تأسيس حوزة النجف مرَّ بثلاث خطوات متتابعة: انتقال المؤسس من بغداد، إنشاء حلقات الدرس في جوار المرقد العلوي، ثم تراكم الأجيال حتى تحولت النجف إلى مركز علمي عابر للحدود.

أما التحدي الأكبر في مرحلة التأسيس فكان واضحاً منذ البداية: هل تستطيع مدرسة علمية أن تعيش بعيداً عن مركز سياسي كبير، وأن تحافظ على استقلالها في بيئة تتغير فيها الدول والسلطات؟

الإجابة جاءت عبر القرون اللاحقة، حين أثبتت النجف أن قوتها لم تكن مرتبطة بسلطة سياسية بعينها، بل بقدرتها على إنتاج العلماء، وتوارث المعرفة، واستقطاب الطلاب، وإعادة بناء نفسها بعد كل أزمة.

مصادر الجزء الثاني

1-مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق، الحركة العلمية في النجف الأشرف قبل مجيء الشيخ الطوسي.

2-مركز الشيخ الطوسي، الشيخ الطوسي.

3- . Encyclopaedia Iranica، Najaf.

4-مركز تراث النجف، تاريخ النجف والحركة العلمية فيها.

5-مركز الشيخ الطوسي، أسباب فتور الحركة العلمية في النجف الأشرف بعد رحيل الشيخ الطوسي.

6. Zackery M. Heern، One Thousand Years of Islamic Education in Najaf: Myth and History of the Shiʿi Ḥawza.


العودة إلى الأعلى