ألف عام في وجه العواصف: الحوزة بين الغُزاة والسلاطين والاحتلال البريطاني
الجزء الثالث
صباح الطالقاني
إذا كانت نشأة الحوزة في النجف مرتبطة بانتقال الشيخ الطوسي إليها، فإن استمرارها لألف عام يرتبط بقدرتها على التعامل مع تحولات سياسية هائلة، فقد عاشت النجف في ظل دول وسلالات متعددة، وشهد العراق غزوات وحروباً واحتلالات وتغيرات سياسية عميقة، بينما بقيت المؤسسة العلمية قادرة على إعادة تنظيم نفسها واستمرار التعليم في كل مرة تتعرض فيها للتحديات والمتغيرات.
كانت المرحلة الأولى بعد الطوسي مرحلة تثبيت للوجود العلمي، ولم تكن النجف وحدها مركز النشاط الإمامي في كل القرون، فقد تنافست معها مدن أخرى، وفي مقدمتها الحلة وكربلاء و قُم، لكن النجف احتفظت بمكانتها الدينية بسبب ارتباطها بمرقد أمير المؤمنين عليه السلام، واستمر وجود العلماء فيها بدرجات متفاوتة.
ثم جاءت التحولات الكبرى التي أعقبت الغزو المغولي للعراق سنة 656هـ/1258م. وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي أصاب بغداد، فإن النجف استطاعت الاستمرار. وتشير المصادر التاريخية إلى أن حُكّاماً مغول وإيلخانيين اهتموا ببعض شؤون المدينة، ومنها مشروع إيصال المياه إليها في القرن السابع الهجري، وهذا يعكس أن المدينة لم تختفِ من الخريطة العلمية رغم انهيار النظام السياسي العباسي في بغداد.
وفي العصور اللاحقة دخل العراق في دائرة التنافس العثماني ـ الصفوي، وكان لذلك أثر مباشر على المدن المقدسة، فالنجف أصبحت تحت الحكم العثماني، في الوقت الذي كان فيه الصفويون يمثلون قوة شيعية كبرى في إيران، ومع ذلك حافظ علماء النجف على مساحة من الاستقلال العلمي، واستمر نشاطهم رغم اختلاف طبيعة العلاقة مع السلطة العثمانية من مرحلة إلى أخرى.
وتذكر المصادر أن العثمانيين، رغم كونهم دولة سنّية، اهتموا في بعض الفترات بعمارة العتبات والمزارات، في الوقت الذي تعرضت فيه جماعات شيعية معارِضة في العراق أيضاً لإجراءات قمعية وصراعات سياسية.
وفي القرن التاسع عشر واجهت النجف أخطاراً أمنية مباشرة، فقد تعرضت المدن المقدسة في العراق لهجمات من الحركة الوهابية في بدايات القرن التاسع عشر، ووردت في المصادر إشارات إلى غارات استهدفت النجف سنة 1806، وقد دفع الخطر الأمني أهالي المدينة وعلماءها إلى تعزيز تحصيناتها، في مرحلة كان فيها أمن المدن المقدسة جزءاً من مسؤولية المجتمع المحلي نفسه.
وفي الوقت ذاته شهدت النجف تحولاً علمياً مهماً، فبحلول القرن التاسع عشر أصبحت مركزاً أكثر رسوخاً لاستقطاب العلماء والطلاب، وأخذ عدد العلماء فيها يتزايد بصورة ملحوظة، وتشير Encyclopaedia Iranica إلى أن المدينة التي كان فيها عدد محدود نسبياً من العلماء في نهاية القرن الثامن عشر أصبحت في نهاية القرن التاسع عشر تضم آلاف العلماء والطلاب، كما استقبلت علماء من إيران ولبنان والهند وغيرها.
ثم دخلت النجف مرحلة جديدة مع الحرب العالمية الأولى وسقوط الحكم العثماني، وفي عام 1918 وقعت المدينة تحت الاحتلال البريطاني، لتدخل الحوزة العلمية في واحدة من أكثر مراحلها السياسية حساسية، فقد رفض عدد من علماء النجف الاحتلال البريطاني، وأسهمت المؤسسة الدينية في التعبئة ضد الوجود البريطاني، وانتهى الأمر بقيام ثورة العشرين سنة 1920 التي كان لعلماء الدين دور بارز في التحضير لها وتوجيهها، وتؤكد الدراسات التاريخية المعتمدة على الوثائق البريطانية وجود نشاط واضح لعلماء الحوزة في مواجهة مشاريع الإدارة البريطانية.
ولم يكن موقف الحوزة من الاحتلال مجرد موقف سياسي آني، فقد ارتبط بفكرة أوسع عن استقلال البلاد ورفض السيطرة الأجنبية، ولذلك ظهر علماء مثل الشيخ محمد تقي الشيرازي وغيره في واجهة المرحلة، وأصبحت النجف أحد المراكز الفكرية التي بلورت الموقف الديني من الاحتلال.
وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة دخلت الحوزة مرحلة جديدة، فبدلاً من مواجهة قوة احتلال مباشر، أصبحت تتعامل مع دولة وطنية ذات مؤسسات سياسية حديثة، ثم مع أنظمة جمهورية متعاقبة.
وفي هذه المرحلة بدأ نقاش آخر داخل الحوزة حول حدود العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة، ودور العلماء في الشأن العام.
وهنا ظهرت إحدى أهم خصائص المدرسة النجفية وهي:
القدرة على الفصل بين الاستقلال العلمي وبين التحولات السياسية، مع بقاء العلماء قادرين على التدخل عندما يرون أن القضايا العامة تمسّ المجتمع أو الدين أو استقلال البلاد، وهذا ما يفسر تعدد المواقف داخل الحوزة نفسها في القرن العشرين، فبعض المراجع اختار الابتعاد عن العمل السياسي المباشر، بينما انخرط آخرون في قضايا الإصلاح والدستور ومقاومة الاحتلال.
وفي هذه المسيرة الطويلة لم تكن الحوزة مجرد مؤسسة تعيش فوق الأحداث، بل كانت في كثير من المراحل جزءاً من المجتمع، تتأثر بما يجري فيه وتؤثر فيه، ولذلك فإن تاريخها لا يمكن فصله عن تاريخ العراق نفسه: من بغداد العباسية إلى المغول، ومن العثمانيين إلى البريطانيين، ومن تأسيس الدولة العراقية إلى الجمهوريات المتعاقبة.
غير أن أقسى مراحل هذا التاريخ ستأتي في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما أصبح الصراع بين الدولة والحوزة أكثر وضوحاً، وتحولت الرقابة والملاحقة والاعتقال والاغتيال والإبعاد إلى أدوات مباشرة في التعامل مع المؤسسة الدينية.
مصادر الجزء الثالث
1- Encyclopaedia Iranica، Najaf، وخاصة الأقسام المتعلقة بالعصور المغولية والعثمانية والاحتلال البريطاني.
2- Majeed Hameed Al-Hadrawi & Ismail Taha Al-Jabri، Religious Scholars, Holy Cities, Twentieth Revolution, British Documents, Al-Hawza، مجلة مركز دراسات الكوفة.
3- Kalantari، Protecting the Citadel of Islam in the Modern Era: A Case of Shiʿi Mujtahids and the Najaf Seminary in Early Twentieth-Century Iraq، The Muslim World.
4- Encyclopaedia Iranica، Shiʿite Doctrine III: Imamite-Sunnite Relations since the Late 19th Century.
5- SOAS، The Religious Establishment in Iraq / The School of al-Najaf، دراسة أكاديمية عن المؤسسة الدينية في النجف والعراق الحديث.


