ماذا قال مفكّرو مصر عن (وسائل الشيعة ومستدركها)
بقلم/ علي الخفاجي
من المصادر الحديثية المهمة موسوعة (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة) للمحدث الفقيه الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، وهو أحد المجموعات الحديثية المتأخرة الكبرى عند الشيعة الإمامية، حوى جميع أحاديث الكتب الأربعة، وأكثر الأحاديث المروية عن النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم في خمسين باباً، في اثنين وعشرين جزءاً، وقد طبع طبعات عدَّة، كما طبع المستدرك عليه منفرداً للمحدث الميرزا الشيخ حسين النوري الطبرسي، تحت عنوان (مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل)، ولكن تلتْ تلك الطبعات طبعة جمعت الكتابين باسم (وسائل الشيعة ومستدركها)، وقد حملت بعض أجزاء الطبعة التي جمعت الكتابين ثناءً وتقديماً من بعض مفكري وعلماء مصر، منهم:
الشيخ أحمد حسن الباقوري: من مواليد 1907م، شغل وزارة الأوقاف في عام 1952م، وتخرج في الأزهر الشريف، من آثاره(مع كتاب الله) و(مع القرآن) و(مع الصائمين) و(أثر القرآن الكريم في اللغة العربية)، قدم كتاب (العلم يدعو للإيمان)، وهو ممن دعا إلى نشر كتب الشيعة للوقوف على آثارهم وإزالة الاتهامات والشقاق بينهم، منها كتاب (المختصر النافع) في فقه الشيعة الإمامية للمحقق الحلي، لذا كان ممَّن قدم كتاب(وسائل الشيعة ومستدركها) شاكراً في مقدمته العلامة السيد مرتضى الرضوي على ما بذل لإخراج الكتاب للطبع، ومُعبِّراً عن أهمية نشر هذه الآثار بقوله: (إنه يفتح طريقاً جديداً من طرق التقريب بين جماعات المسلمين، فما تفرق المسلمون في الماضي إلا لهذه العزلة العقلية التي قطعت أواصر الصلات بينهم فساء ظنُّ بعضهم ببعض، وليس هناك من سبيل للتعرف على الحق في هذه القضية إلا سبيل الاطلاع والكشف عما عند الفرق المختلفة من مذاهب وماتدين به من آراء ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، والخلاف بين السنيين والشيعيين خلاف يقوم أكثره على غير علم، لهذا فإن إخراج مثل هذا الكتاب عمل يستحق القائم عليه شكراً وتقديراً).
الشيخ أبو الوفا الغنيمي التفتازاني: وهو من مواليد عام 1930م، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة في الفلسفة عام 1961م، حيث درس الفلسفة الإسلامية والتصوف وأشرف على العديد من الرسائل في الجامعة.
من أهم آثاره (علم الكلام وبعض مشكلاته) و(ابن عطاء الله السكندري والتصوف)و(عبد الحق بن سبعين وفلسفته الصوفية)، وله مباحث كثيرة نشرها في مجلة عالم الفكر الكويتية ومنبر الإسلام في القاهرة، قال في مقدمة الجزء الثالث من الكتاب: (وقع كثير من الباحثين سواء في الشرق أو الغرب قديماً وحديثاً في أحكام كثيرة خاطئة عن الشيعة، لا تستند إلى أدلة أو شواهد نقلية جديرة بالثقة، وتداول بعض الناس هذه الأحكام فيما بينهم دون أن يسائلوا أنفسهم عن صحتها أو خطئها)، وأوضح أيضاً الأسباب التي أدَّت بالبعض إلى عدم إنصاف الشيعة: (وكان من بين العوامل التي أدت إلى عدم إنصاف الشيعة من جانب أولئك الباحثين الجهل الناشئ عن عدم الاطلاع على المصادر الشيعية، والاكتفاء بالاطلاع على مصادر خصومهم، وكان من بين العوامل التي أدت إلى عدم إنصاف الشيعة أيضاً أنَّ الاستعمار الغربي أراد في عصرنا هذا أن يوسع هُوَّة الخلاف بين السنة والشيعة وبذلك تصاب الأمة الإسلامية بداء الفرقة والانقسام فأوحى إلى بعض المستشرقين من رجاله بتوخِّي هذا الفن باسم البحث الأكاديمي الحر، ومما يؤسف له أشد الأسف أنَّ بعض الباحثين من المسلمين في العصر الحاضر تابع أولئك المستشرقين في آرائهم دون أن يتفطن إلى حقيقة مراميهم)، وقال عن أهمية كتاب الوسائل:(ومن أجلِّ هذه الأمَّهات من كتب الشيعة كتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة والمستدرك على الوسائل، ويُعدَّان هذان الكتابان مرجعين هامين للغاية للباحثين في تاريخ الشيعة وعقائدهم وفقههم في الشرق الإسلامي أو في أوربا وأمريكا).
الأديب حسن جاد حسن: ولد عام 1914م، درس في الأزهر وحصل على الدكتوراه في الأدب والبلاغة، حتى أصبح أستاذاً في كلية اللغة العربية في الجامعة، من أهم آثاره ديواناً من الشعر وله(الأدب العربي في المهجر)و(الأدب المقارن) و(ابن زيدون)و(الأدب العربي بين الجاهلية والإسلام)و(الأدب العربي في ظلال العباسيين والأمويين)و(ميزان الشاعر في العروض والقوافي)، قال عن موسوعة الوسائل:(تلك الموسوعة الضخمة في فقه الأحكام والسنن والآداب والأخلاق المسندة إلى الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بروايات الأئمة من آل بيته الكريم)، وقال مُطرياً على صاحب الكتاب: (لقد أسدى بهذا الكتاب خيراً كثيراً ففي هذا الفقه الصحيح والأدب الكريم ما يدحض شبه المغرضين ويسد المنافذ على المغالين، ويقطع الطريق على مثيري الفتنة والفرقة بين المسلمين)..
الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي: من مواليد عام 1915م، وتخرج من كلية اللغة العربية في الأزهر عام 1940م، وأصبح أستاذاً بالكلية في الجامعة، حصل على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد عام 1946م، من أهم آثاره (الإسلام والحضارة الإنسانية)، (الإسلام ونظريته الاقتصادية)، (الإسلام وحقوق الإنسان)، (سيرة الرسول)، (في مواكب النبوة)، (الشعر الجاهلي)، (تفسير القرآن الكريم في 13 جزء)، (الخفاجيون في التاريخ)، (شرح الايضاح في علوم البلاغة في ستة أجزاء)، (البحوث الأدبية) وغيرها، قال عن الوسائل: (فالكتابُ جامعٌ وافٍ لما ورد من السنة النبوية، وعليه المُعوَّلُ في استنباط المسائل الشرعية، وإليه الاستناد في الفروع الفقهية) ثم تحدث عن أهميته قائلاً (والكتاب ومستدركه في أصول مصادر فقه الإمامية، وهو مرجع خصب نافع غاية النفع في الوقوف على أسرار التشريع، ودقائق الأحكام، وجوامع السنن)، وعن قيمة هذا التراث قال: (وعندما نمعن في قراءة الفقه الشيعي فسوف نجد أنه هو وفقه المذاهب الأربعة يكونون ثروة ضخمة لامثيل لها في أي تشريع من التشريعات).
الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف: ولد عام 1906م، وتخرج من الأزهر الشريف، ثم حاز منها على درجة الدكتوراه العالمية، وعين وكيلاً في كلية أصول الدين بالأزهر، من أهم آثاره(شرح الموطأ للسيوطي) (تدريب الراوي في جزئيين) و(المختصر في علم رجال الأثر) و(التكملة في تواريخ العلماء والنقلة)، وهو من الأساتذة المبرزين في علم رجال الحديث، وجاء في مقدمته: (ومع ذلك فالخلاف في الفروع ليس بالشيء الكثير فمن قرأ كتاب الانتصار للسيد المرتضى علم الهدى أنه ما اختلف فيه الشيعة وأهل السنة من الأحكام قليل واختلاف الرأي بين العلماء لا يصح أن يكون سبباً مانعاً من العلم بأسرار الاستنباط والوقوف على وجهات الأنظار في التخريج والاعتبار وليس هو كذلك مباعداً بين العلماء ولا موسعاً لهُوَّة الخلاف، فإنَّ أهل السنة فيهم المذاهب الفقهية المتعددة ولكنهم يستفيدون ملكة الفقه للاطلاع على الكتب التي تختص بعلم الخلاف والفقه المقارن)، منتقداً ما وصل إليه الحال عند المسلمين: (وليس أضر على الدين من العصبية ولا أشد فتكاً بالعقول والرجال من سوء الظن والأنانية، فالفقه الإسلامي لكل المكلفين شريعة واحدة يتعبد بها أهل الأمصار على اختلاف الأنظار فيا حبذا لو تبادل الشيعة وأهل السنة ما عندهم من العلم حتى إذا امتزج البحران ظهر منهما اللؤلؤ والمرجان).
الشيخ محمود فرج العقدة: درس في الأزهر الشريف وتخرج منه أستاذاً في كلية اللغة العربية، وعمل أستاذاً لمادتي البلاغة والأدب في الكلية، طبعت مقدمته في أوائل المجلد الثاني، وجاء فيها: (وبعد فإنَّ الصورة الجامعة لمشاعرنا معشر المؤمنين الصادقين بهذا الدين العظيم أنه دين الوحدة الجامعة في الأصول والفروع والوسائل والغايات والمشاعر والأفكار بل والأخلاق والعادات((صبغة الله ومن أحسنُ من الله صبغةً ونحنُ لهُ عابدون))، ثم قال:(ولقد أجد من صباحة الحق وصراحة في حكم من أحكام الشيعة ما لا أجده في حكم لغيرهم من الفقهاء).
الأستاذ عبد الهادي مسعود: ولد عام 1924م، وحصل على ليسانس الآداب عام 1946م، وهو من رواد دار المنتدى الثقافي، عين وكيلاً لدار الكتب المصرية 1968م، ومن أهم آثاره (شخصيات في السياسة والمجتمع) و(الثورات الحديثة في الشرق) وغيرها، تناولت مقدمته كلمة رائعة جاء فيها: (إنَّ الإجابة على مثل هذا السؤال واضحة لكل صاحب إيمان فاليهود كان لهم دور في بلبلة الفكرة الإسلامية ورجال الدولة الذين كانوا يحكمون على مر العصور كانوا يلعبون دورهم في إخفاء بعض الحقائق وفي تخريج معادن جديدة قد لا يكون لها أصل من الحق أو الصواب)، وتناولت كلمته بيان خطر ما يشيعه المستشرقون، حيث قال: (والمستشرقون -وهم عيون الاستعمار- لعبوا دورهم الكبير في إفساد ذات البين وشق حدَّة الدين لأسباب هي في حد ذاتها واهية ضعيفة وإن كانت نتائجها أخطر مما يظن الظانون)، ثم تحدث عن مقومات المذهب الشيعي، قائلاً: (إنَّ هذا المذهب الإسلامي له مقوماته الفكرية كأي مذهب آخر من مذاهب الدين وله لواؤه الخفاق ما في ذلك ريب والعلماء الشيعة كعلماء أهل السنة إنما يدركون كل شيء في حدود القرآن وفي حدود ما ورد على لسان نبي الإسلام، وقد نظموا دراسات وبحوثاً لها قيمتها في ميدان الدراسات الإسلامية الكبرى وكان لها في إحياء التراث الديني مجالات ومجالات والواقع أنني ألمس فيهم نشاطاً ممتازاً وثقافة نادرة وفطرة مستقيمة في تقدير الأمور).
الأستاذ فكري عثمان أبو النصر: ولد عام 1927م، تخرج من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1945م، مارس التدريس في المدارس الحكومية، محرر في جريدة الأهرام، من آثاره(من كفاحنا الفكري) و(ذكريات خالدة) وغيرها، قال عن كتاب الوسائل: (كتاب فذ جامع لأحاديث رسول الإسلام الكريم، وأحاديث أهل بيته وعترته الأكرمين والاستدلال بها على صحة أحكام الدين في العبادات والمعاملات على المذهب الشيعي، والشيعة مذهب إسلامي عظيم لا يختلف من حيث العبادات والمعاملات في كثير عن مذاهبنا الأربعة في مصر وهو إلى الحنفية أكثر تطابقاً وأقرب شبهاً، كما أنه من حيث نظرته الفلسفية العميقة لأحداث الإسلام الأولى يتجاوب مع شعورنا ولا يختلف عن فلسفتنا لولا ما يتقيد به من عدم الأخذ والاستدلال بأي حديث آخر مهما كانت قوة سنده وصحة ثبوته وروايته بعكس أهل السنة الذين يأخذون بهذا وذلك، والشيعة في ذلك التقيد بأحاديث العترة الطاهرة لهم حججهم الفلسفية أنهم هم الذين أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ونادوا بأحقيته في الخلافة، وأنه أحق بها وأهلها، لقد أحاطوا بهذا الحق وناصروه نصراً عزيزاً وتساقطوا من حوله جماعات، إنه حق الإمام علي وخلفه في ولاية المسلمين)، ثم ذكر انطباعه عن أبناء الطائفة الشيعية قائلاً: (لعمري اتجاه من الشيعة ينبئ عن قلوب عامرة بالإيمان صادقة في الإحساس حرة في التفكير صادقة في العزيمة وهو ما يشتهر به إخواننا الشيعة في أقطار المسلمين: في العراق وإيران والبحرين واليمن والهند وباكستان والبرازيل وغيرها)، ثم نبه على مسألة تاريخية مهمة، حيث قال: (ومن الخطأ البين أن يعتقد ويظن أنَّ الشيعة لم تتكون إلا في غمرة تلك الأحداث المروعة التي أثارها معاوية).


