هل نشتري الذهب؟

: اسرة التحرير 2026-03-30 13:04

يكشف هذا التقرير عن التناقض الظاهر في سلوك سوق الذهب، موضحاً أن الحرب تؤثر على المعدن الأصفر و أن الانخفاض الحالي هو تصحيح مؤقت ضمن اتجاه صاعد طويل الأجل، مع توقعات بتجاوز الأسعار حاجز 6000 دولار للأونصة بحلول نهاية العام وفق تقديرات كبرى المؤسسات المالية

يشهد سوق الذهب في ظل الحرب الإيرانية الأمريكية مفارقة لافتة فعلى الرغم من أن النزاع المسلح في الشرق الأوسط يعد عادةً محفزاً قوياً للإقبال على الملاذات الآمنة، فإن الذهب سجل انخفاضات حادة تجاوزت 10% في أسبوع واحد فقط، وصولاً إلى مستويات دون 4400 دولار للأونصة. هذه الظاهرة غير المألوفة دفعت العديد من المستثمرين إلى التساؤل عن مدى صلاحية الذهب كملاذ آمن في الأزمات.

من القمم التاريخية إلى الانهيار المفاجئ

شهد الذهب مساراً متقلباً منذ اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية في أوائل آذار/مارس 2026:

الفترة                        الحدث السعري                          السعر )دولار/أونصة(

بداية آذار                   القمة التاريخية                                 5,400 – 5,600

الأسبوع الثالث آذار     الانهيار الأسبوعي                كسر حاجز 4,800 ثم 4,600

نهاية آذار                   أدنى المستويات                              4,400 – 4,500

شكل الأسبوع المنتهي في 23 آذار/مارس 2026 أسوأ أداء أسبوعي للذهب منذ 43 عاماً حيث سجل المعدن الأصفر انخفاضاً تجاوز 10.8%في خمسة أيام فقط. هذا الانهيار المفاجئ دفع الأسعار إلى ما دون المستوى النفسي المهم عند 4,400 دولار، وهو مستوى لم يُرصد منذ أشهر.

المفارقة المحيرة: حرب ولا ملاذ آمن

المفارقة التي حيّرت المستثمرين هي أن الحرب – التي عادةً ما تدفع المستثمرين نحو الذهب  لم تمنع هذا الانهيار الحاد، بل على العكس، جاء التصحيح الأكثر عنفاً في خضم تصعيد عسكري كبير في الشرق الأوسط. هذه الظاهرة دفعت العديد من المراقبين إلى التشكيك في مكانة الذهب كملاذ آمن، مع تساؤلات عن ما إذا كان المعدن الأصفر لا يزال يحتفظ بهذه الصفة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة .

لكن مع استمرار الحرب، بدأت قنوات تأثير أخرى – وهي الأكثر تأثيراً في المسار السعري – تفرض نفسها بقوة:

أولاً: صدمة أسعار النفط – هددت الحرب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، مما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل حاد. وقد تسبب هذا الارتفاع في تعزيز توقعات التضخم على نطاق واسع .

ثانياً: إعادة تسعير مسار الفيدرالي الأمريكي – مع ارتفاع التضخم النفطي، تراجع المستثمرون عن توقعاتهم بخفض أسعار الفائدة. أصبح السيناريو المرجح هو بقاء الفائدة مرتفع، بل إن بعض المحللين رجحوا احتمالية رفع إضافي للفائدة .

هذا النمط يشير إلى أن الذهب في المراحل الأولى من الأزمات الكبرى يكون عرضة لعوامل السيولة وتشديد السياسة النقدية، قبل أن يعاود الصعود مدفوعاً بالعوامل الهيكلية طويلة الأجل.

توقعات المؤسسات المالية الكبرى

على الرغم من التراجع الحاد، لم تراجع البنوك الاستثمارية الكبرى نظرتها الإيجابية للذهب على المدى المتوسط والطويل. بل على العكس، رفع بعضها توقعاته السعرية. وهنالك توقعات بنهاية العام سيرتفع بحوالي 6,100 – 6,300 دولار للأونصة و الانخفاض الحالي يشكل "فرصة تكتيكية"، مع توقع أن تفوق "مفاجآت السياسات المتسارعة" (بما في ذلك الرسوم الجمركية) الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد.

الطلب الاستراتيجي من البنوك المركزية تجعل الذهب بارتفاع مستمر حيث واصلت البنوك المركزية حول العالم، خاصة في الأسواق الناشئة، شراء الذهب بشكل قياسي. أضافت البنوك المركزية نحو 1000 طن من الذهب إلى احتياطياتها خلال السنوات الثلاث الماضية، في محاولة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار. هذا الطلب الهيكلي يشكل دعماً قوياً للأسعار حتى في فترات التصحيح. وان ارتفاع مستويات الديون الحكومية في الولايات المتحدة والاقتصادات الكبرى يخلق بيئة مواتية للذهب على المدى الطويل، حيث يدفع المستثمرين نحو أصول أكثر أماناً واستقراراً  بالإضافة الى الطلب الآسيوي الهيكلي حيث يشهد الطلب على الذهب في الصين والهند نمواً هيكلياً مدعوماً بارتفاع الدخول والتقاليد الثقافية الراسخة. بلغت واردات الصين من الذهب في أول شهرين من 2026 أعلى مستوى في ثماني سنوات .

توصيات استثمارية

تشير التقديرات إلى أن السوق يحتاج إلى وقت حتى يتحول البائعون الحاليون إلى مشترين مجدداً. قد يكون التهدئة في النزاع شرطاً مسبقاً لعودة الزخم الصاعد . من ناحية أخرى، يرى محللون مثل Gareth Soloway من Verified Investing أن الأسواق تحتاج إلى "تصفية" المتداولين المضاربين قبل أن يستأنف الذهب مساره الصاعد – وهو نمط شوهد في 2008 و2020 .

هل نشتري الذهب الآن؟

إذا كنت مستثمراً طويل الأجل)أفق سنة فأكثر(: نعم، اشترِ تدريجياً.

السعر الحالي )4,400 – 4,500 دولار( يمثل فرصة دخول جيدة بعد تصحيح حاد، مع توقعات بوصوله إلى 5,500 – 6,000 دولار بنهاية العام أو أوائل العام المقبل.

إذا كنت مستثمراً متوسط الأجل )أقل من سنة(: انتظر تأكيد استقرار السوق.

قد نشهد مزيداً من التقلبات والانخفاض في الأسابيع القادمة. الأفضل الانتظار حتى تظهر إشارات انعكاس واضحة.

إذا كنت مضارباً قصير الأجل: ابتعد أو خفّض المخاطر بشكل كبير.

التقلبات الحالية قد تلتهم رأس المال بسرعة. السوق ليس في بيئة مناسبة للمضاربة العالية المخاطر.

الانخفاض الحالي للذهب ليس بداية انهيار، بل هو تصحيح عنيف ضمن اتجاه صاعد. الحرب التي بدأت كعامل دعم تحولت إلى عامل ضغط عبر رفع التضخم وتشديد الفيدرالي. لكن العوامل الهيكلية الطويلة الأجل )شراء البنوك المركزية، إلغاء الدولرة، الديون العالمية( لا تزال قوية. للمستثمر العاقل، هذه اللحظات من الذعر الجماعي هي عادة فرص الشراء وليس البيع. السؤال ليس "هل أشتري؟" بل "كيف أنظم دخولي لتجنب المخاطرة الكبيرة؟"

التوصية النهائية: ابدأ الشراء التدريجي من الآن، مع تخصيص سيولة للشراء عند مستويات أقل إذا استمر الانخفاض. لا تضع كل أموالك دفعة واحدة، ولا تستثمر أموالاً تحتاجها في المدى القريب



المصادر: تقارير بنوك استثمارية BMO، UBS، Wells Fargo،



 



العودة إلى الأعلى