رحلة التعافي الرقمي والمجتمعي في العراق
في وقت يتسارع فيه العالم نحو الرقمنة الشاملة، يجد العراق نفسه أمام تحد مزدوج، فمن جهة، تخوض البلاد قفزة تكنولوجية هائلة وصلت بنسبة المتصلين بالإنترنت إلى 83% من السكان، مع وجود أكثر من 40 مليون هوية افتراضية على منصات التواصل الاجتماعي.
ومن جهة أخرى، لا يزال "الحجر" يحكي قصصاً عن مدن تحاول النهوض من تحت الركام بلمسات إنسانية وفنية تتجاوز السياسة.
"الواتساب" شرياناً للحياة
تحت مسمى "الفجوة الرقمية الرمادية"، يواجه كبار السن في العراق نوعاً جديداً من العزلة، فبينما يندمج جيل الشباب في الاقتصاد الرقمي، يجد الآباء والأجداد أنفسهم أمام "بيروقراطية إلكترونية" معقدة .
ورغم أن العراق يحتل المرتبة 145 عالمياً في مؤشر الحكومة الإلكترونية لعام 2024، إلا أن التوجه نحو رقمنة الخدمات الحكومية عبر "بوابة أور" التي تخطت حاجز 1000 خدمة، وضع المتقاعدين في مواجهة مباشرة مع تحديات تقنية لم يألفوها .
تتجسد هذه الأزمة في طوابير المتقاعدين الذين يعانون من مشاكل البطاقات الذكية (نظام الكاش ونقاط البيع) وتأخر الرواتب لأسباب فنية، حيث يشعر الكثير منهم بفقدان الاستقلالية المالية لعدم قدرتهم على التعامل مع أجهزة الصراف الآلي دون مساعدة.
وفي المقابل، برز تطبيق "واتساب" كأداة للتحايل الإيجابي على هذه الفجوة، ففي بغداد ومحافظات أخرى، يستخدم الأطباء التطبيق لمراقبة المرضى كبار السن عن بُعد، خاصة في حالات جراحة الأعصاب، لتقليل عناء السفر والتكاليف على المسنين الذين يقطنون مناطق نائية .
ولمواجهة هذه الأمية الرقمية، انطلقت مبادرات مثل "الأكاديمية الرقمية العراقية" بالتعاون مع الجامعة التكنولوجية في سبتمبر 2025، والتي تهدف إلى كسر "الجهل الرقمي" وتدريب الفئات العمرية المختلفة على المهارات الأساسية للحاسوب والتعامل الآمن مع الإنترنت.
نهضة العمران والتراث
بعيداً عن الموصل، تقدم محافظة الأنبار نموذجاً لافتاً للتعافي المجتمعي. ففي مدينة الرمادي، لم يعد إعمار "جسر فلسطين" ومستشفى الولادة مجرد مشاريع بنية تحتية، بل هي رموز لعودة الحياة الطبيعية لمئات الآلاف من السكان.
مستشفى الولادة في الرمادي وحده يوفر اليوم خدمات طبية تخصصية لأكثر من 400 ألف امرأة، مما يقلل من مخاطر السفر الطويل للرعاية الصحية.
وفي قلب سوق الرمادي القديم (سوق آل سليمان)، يعيد أصحاب المحلات بناء "دكاكينهم" مستخدمين الطراز المعماري التقليدي الذي يتميز بالأقواس والقباب، في محاولة للحفاظ على هوية المدينة التجارية التي حاول الإرهاب محوها. كما شهدت المحافظة حملة واسعة لهدم المدارس الكرفانية المتهالكة واستبدالها بـ 68 مدرسة حديثة بنيت وفق طرز هندسية متطورة في مناطق القرمة والصقلاوية والفلوجة وصولاً إلى القائم.
أدوات للمصالحة
في الفلوجة، وعلى ضفاف نهر الفرات بالقرب من الجسر القديم، أنشأ ناشطون ومثقفون "شارع الفلوجة الثقافي".
هذا المشروع الذي يحاكي شارع المتنبي في بغداد، يضم مكتبات، ومعارض للرسم، وأماسي موسيقية وفولكلورية، مرسلاً رسالة للعالم بأن المدينة التي عانت من حروب متتالية تسعى اليوم لتعزيز المعرفة والسلام بجهود ذاتية.
أما في تكريت وصلاح الدين، فإن التعافي يتخذ طابعاً اجتماعياً أعمق عبر مشاريع "التماسك الاجتماعي"، تعمل لجان السلام المحلية بالتعاون مع المنظمات الدولية على إعادة دمج النازحين والعائلات التي وصمت بسبب انتماء أحد أفرادها للتنظيمات الإرهابية، وهي عملية تتطلب ترميم "النسيج النفسي" قبل العمراني.
تشمل هذه الجهود إنشاء مراكز للصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي لتقليل آثار الصدمات الناتجة عن النزاع، مع التركيز على تمكين النساء والشباب اقتصادياً عبر القروض الصغيرة والمشاريع المتوسطة.
فن يداوي الجروح
إن عمليات إعادة الإعمار في المدن العراقية لم تعد تكتفي بالبناء المادي، بل امتدت لتشمل "أنسنة" الفراغات العامة. ففي البصرة وبغداد، تنظم الجامعات العراقية حملات تطوعية لرسم الجداريات في دور المسنين ومستشفيات الأطفال المصابين بالسرطان، بهدف كسر العزلة الاجتماعية وإدخال البهجة لنفوس الفئات الأكثر احتياجاً.
وفي المناطق المحررة، تحولت الجدران التي كانت تحمل عبارات الموت إلى مساحات للفن والغرافيتي التي توثق قصص الصمود والتعافي.
يرى الخبراء أن إشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولويات الإعمار سواء كان ذلك بترميم مكتبة أو سوق شعبي أو جسر حيوي هو الضمان الوحيد لاستدامة السلام وبناء ثقة المواطن في مستقبله.
يبقى العراق في حالة "مخاض رقمي واجتماعي" مستمر، وبينما تكافح أيادي الأجداد للإمساك بخيوط التواصل في العالم الافتراضي، تبني أيادي الأحفاد جسوراً واقعية وثقافية تربط الماضي بالمستقبل.
التعافي الحقيقي في العراق في تلك المساحات التي يلتقي فيها المسن بالشاب، والفن بالتكنولوجيا، لإعادة صياغة هوية وطنية جامعة تتجاوز ندوب الحرب.



