"الله أقرب

حينما تنغلق في وجوهنا سبل الحياة، وتضيق أبواب الفرج، ويتحول الهواء في محيطنا إلى سخام، والنور إلى ظلام، وحينما تسودّ في أنظارنا كل الألوان، تطلّ علينا من أعمق ذرةٍ في كياننا تلك النقطة اللامتناهية العمق والأثر، التي تفتح الآفاق وتملأ بشعاعها الأحداق، وتبث في الفضاء شعور الانعتاق...

يصوّر لنا الباري عزّ وجلّ في كتابه الحكيم تلك الصورة الدقيقة المرعبة لوحدة الإنسان وسط ضجيج الكون وظلامه فيقول: ﴿أوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (سورة النور، الآية 40)

مع إدراكنا لمدى هذه الوحدة الإنسانية المخيفة، التي يعيها الإنسان في شدائده حين لا يعيها في لين العيش ووفرة النعم، يطرح ذلك السؤال الخالد نفسه:

ترى، ما هي تلك النقطة التي لا ندركها بأبصارنا، والتي تحتلّ عمق وجداننا؟

ما هو ذلك النور الذي ينطلق من الداخل في لحظات الحرج والضيق، ليضيء الداخل والخارج، ويملأ كل مكان؟

ما هو ذاك الوجود الأشمل الأكمل الذي يتداخل مع قرارة النفس البشرية الضعيفة المتهاوية ليشدّ أزرها ويرفعها من العدم إلى الوجود ومن الخلاء على الملاء؟

يجيبنا الله عزّ وجل في محكم الذكر بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ (سورة ق، الآية 16)

بلى... إنه الإيمان بالخالق البارئ المصور، الذي يرى ولا يُرى، وهو بالمنظر الأعلى وبالأفق المبين.

لسنا هنا بصدد إثبات وجود الخالق، فتلك مرحلة تجاوزناها، ونحن نردد مع أئمة أهل البيت عليهم السلام تلك العقائد الحقة والمواثيق الواضحة الباهرة، التي ترفع من وعي الإيمان وتجلو عن نفس الإنسان كل تلك الأدران...

لكننا بصدد استجلاء واقع هذه العلاقة الاستثنائية بين العبد والخالق، التي لا يماثلها شيء، فهي الأقرب والأكثر التصاقًا وانتماءً، وها نحن نرصدها ونرصد أثرها في بعض ما وصلنا عنهم من حديث شريف ودعاء ومناجاة، فنصغي إلى إمامنا السجّاد عليه السلام، إذ يفتح لنا أبواب تلك العلاقة الراقية الرقيقة اللصيقة فيقول:

"إِلى مَنْ يَذْهَبُ العَبْدُ إِلاّ إِلى مَوْلاهُ؟ وَإِلى مَنْ يَلْتَجِئ المَخْلُوقُ إِلاّ إِلى خالِقِهِ؟"

إنه يضع لنا أول خطوط تلك العلاقة، ويكشف لنا عن خصوصيتها واستثنائيتها، فهو الرب وأنا العبد، وهو الخالق وأنا المخلوق، وهو الأصل ونحن ما دونه، وهو الكلّ ونحن إليه راجعون...

ثم يتابع عليه السلام رسم خطوط تلك العلاقة: "وَأنَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ المَسافَةِ، وأَنَّكَ لا تَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِكَ إِلاّ أَنْ تَحْجُبَهُمُ الاَعْمالُ دُوَنَكَ، وَقَدْ قَصَدْتُ إِلَيْكَ بِطَلِبَتِي..."

إنها أعمالنا، هي التي تحدد درجة القرب من الله...

ولا يحجبنا عنه إلا الذنب، فإن اخترنا الطاعة والإنابة والتوبة كنا نخطو نحوه بخطى حثيثة، ولذا كانت الأعمال الواجبة والمستحبة تُؤدى بنية التقرب من الله عزّ وجل، فهو التقرّب وهو القرب... ولئن كان سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، ويعلم ما توسوس به نفوسنا، ويعلم السر وأخفى، فهو بذلك يفتح لنا باب التوجه إليه والاقتراب منه، ولا يكون ذلك إلا بفعلٍ يصدر عنا... فإن عرفنا كيف نقترب اقتربنا، وإن لم نعرف احتجبنا... وتباعدنا وكنّا من المنبوذين.

إن الإمام زين العابدين عليه السلام يخبرنا في دعاء السحر في شهر رمضان بالحقيقة التي علينا أن نعي وجهها الآخر: "بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدرِ ما أنت"... 

لقد عرّفنا الله نفسه، فالأمور واضحة تمامًا لو فتحنا قلوبنا عليها، ونبذنا المعاصي ونهجنا سبل الطاعات...

هو قد عرّفنا نفسه، وبقي أن نعرفه نحن، فكيف نفعل؟

يجيبنا على ذلك الإمام إذ يقول: "معرفتي يا مولاي دليلي عليك، وحبي لك شفيعي إليك، وأنا واثق من دليلي بدلالتك، وساكن من شفيعي إلى شفاعتك."

حين تنفتح قلوبنا على تلك المعرفة الخالصة، وتسقط الأقنعة الزائفة عن نفوسنا بالتوبة والمغفرة، يتغلغل حب الخالق في قلوبنا، ويتداخل مع معرفتنا به، فتطمئن القلوب وتهدأ النفوس، ونعلم أن الوحدة وهم، وأننا لا يمكن أن نعزل أنفسنا عن وجوده المطلق، بل إن ذاك الوجود هو الحقيقة الوحيدة التي لا تخضع لمقاييس النسبية.

ويشرح لنا سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام هذه المسألة بتساؤلات متتاليةٍ بسيطةٍ عميقةٍ هادئةٍ رقيقةٍ، وذلك في دعائه يوم عرفة: 

"إلهي ماذا وجد من فقدك؟ 

وما الذي فقد من وجدك؟... 

كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟... 

أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟!... 

متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟!

ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!"


ويقدم لنا الخلاصة في النهاية، كجواب حتمي على تلك التساؤلات الوجودية، فيقول بلهجة الواثق المتيقّن:  

"عميت عين لا تراك عليها رقيبا."

نعم هو ذاك، فإن عين القلب التي لا تدرك معنى الرقابة الإلهية، هي عين عمياء لا تعلم الحقيقة، ولا تستطيع أن تعيش لذة رضا الله فضلًا عن لذة القرب منه!

إن الرقابة الذاتية هي نفس الرقابة الإلهية، وهل يستطيع الإنسان أن يستتر من ربه؟ وهل يمكنه أن يخفي عنه فعله أو قوله أو حتى نيته؟

وقد جاء في تفسير حديث الإمام علي عليه السلام «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» (بحار الأنوار، ج٢، ص٣٢.) عن بعض العرفاء أنه يعني أن يعلم الإنسان أنّ نفسه، حياته ورزقه وغناه وفقره وصحّته وسقمه ليس من نفسه، وأنّها تجري من مكان آخر، وهذا نفسه موجب لعرفان الرّب. وهو معنى يصب في نفس المقصد.


إن الوعي لشدة القرب هو الذي يخلق القرب ويوثّقه، إذ لا يمكن للإنسان مع هذا الوعي له أن يغفله ويتباعد، فذاك تناقض بيّنٌ بين ما نعلمه وما نعمله... وحين يوافق العلم العمل يصل القلب إلى الحقيقة، ويبلغ القرب غايته...

هنا يحضرني بعض ما تعلمناه من أئمتنا عليهم السلام حول معاني الصلاة، تلك العبادة اليومية التي توثّق العلاقة المستديمة مع الله، وقد قال أمير المؤمنين (ع):"الصلاة قربان كل تقيّ" (الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص265).

وتحضرني خاصةً معاني الركوع والسجود...

ففي الحديث الشريف يشير الإمام الصادق عليه السلام إلى ذلك بقوله: "لا يركع عبدٌ لله ركوعاً على الحقيقة إلا زيّنه الله بنور بهائه وأظلّه في ظلال كبريائه وكساه كسوة أصفيائه، والركوع أولٌ والسجود ثان فمن أتى بمعنى الأول صلح للثاني، وفي الركوع أدبٌ وفي السجود قربٌ، ومن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب، فاركع ركوع خاضعٍ لله بقلبه متذلل وجِلٍ تحت سلطانه خافضٍ له جوارحه خفض خائفٍ حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين... واستوف ركوعك باستواء ظهرك وانحط على همتك في القيام بخدمته إلا بعونه، وفرّ بالقلب من وساوس الشيطان وخدائعه ومكائده فإن الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له ويهديهم إلى أصول التواضع والخضوع بقدر اطّلاع عظمته على سرائرهم." (العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 82، ص 108).

وتحضرنا أيضًا الآيات الكريمة التي تشير إلى قرب الله من عبده حين يدعوه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (سورة البقرة، الىية 186)... فالعبد بفعل الدعاء يقترب من ربه، طبعًا هو الدعاء بحضور قلبٍ وتوجّهٍ صادق، والبديع هنا أن هذا الاقتراب من العبد يؤدي إلى اقترابٍ أكبر من الرب، فقد جاء في الحديث القدسي "مَنِ اقتَرَبَ إلَيَّ شِبراً اقتَرَبتُ إلَيهِ ذِراعاً ، ومَنِ اقتَرَبَ إلَيَّ ذِراعاً اقتَرَبتُ إلَيهِ باعاً ، ومَن أتاني يَمشي أتَيتُهُ هَروَلَةً." (كنز العمال، الحديث 1133)... ومع أن الحديث الأخير وارد في كتب أهل العامة، لكنه بمعناه المجازي يوافق العقل، فإن العبد ليقترب إلى الله دعائه وأعماله، فيقترب إليه الله، ومن كرمه سبحانه أنه يجزي على الحسنة بعشر أمثالها، أفلا يكون ثوابه حين نتقرب إليه بخطوةٍ أن يقترب منا أضعافها؟! والقرب والاقتراب هنا معنوي نفسي قلبي، وبالتالي فلا تجسيم ولا تجسيد في معنى الاقتراب والهرولة، بل هي مجازات أتي بها لتوضيح المعنى حسب الظاهر...

بقي أن نلاحظ أن السجود له مقامٌ خاص في موقع العبد من ربه، فقد جاء في الآية الكريمة: ﴿كلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩ ﴾ (سورة العلق، الآية 19)، كما جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (ع): "إن أقرب ما يكون العبد من الرب عز وجل وهو ساجد باك." (وسائل الشيعة، ج7، ص75)

إذًا... هو ذاك، أن نعبد الله عبادة من وجده أهلًا للعبادة، ومن أراد التقرب منه والاستزادة، ومن سعى إليه ليصل من خلال قربه إليه إلى خلاصة السعادة...

خلاصة القول أننا مهما بحثنا وعلّقنا في هذا المجال لن نبلغ غاية المراد، لكن ما أوردناه قد يكون إضاءة على عالم الجمال، وحرفًا يمكن أن يقال في موسوعة البحث عن معاني العلاقة بين العبد والرب، تلك العلاقة التي لخّصها جلّ جلاله بالآية الكريمة التي نسعى ونحاول أن نجد لها في أعمالنا وأقوالنا وأفعالنا وآمالنا مصاديق سعي نحو الكمال... إنها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(سورة الذاريات: الآية 56)


العودة إلى الأعلى