استدامة الهوية والحداثة: دراسة واقع الفخار وتحديات انتقال الحرفة عبر الأجيال
تمثل الصناعات الحرفية التقليدية في العراق تجسيداً مادياً لآلاف السنين من التراكم المعرفي والتفاعل الخلاق بين الإنسان وبيئته الرافدينية.
إن حرفاً مثل صناعة الفخار في كركوك هي نصوص معمارية واجتماعية تحكي قصة التكيف مع المناخ، وتجليات الذوق الجمالي، ومنظومات القيم الاجتماعية التي حكمت المدن العراقية لقرون طويلة.
ومع ذلك، فإن هذه الحرف تعيش اليوم مرحلة حرجة من تاريخها، حيث تصارع من أجل البقاء في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية وتقنية عاصفة، مما يجعل من دراسة واقعها الحالي ومحاولات توريثها للأجيال الجديدة ضرورة وطنية ملحة للحفاظ على ما تبقى من ملامح الهوية الثقافية العراقية.
فخار كركوك وداقوق
الفخار هو جسد كركوك وداقوق الطيني وتعتبر صناعة الفخار في هذه المناطق واحدة من أقدم الحرف في بلاد الرافدين، حيث تشير التنقيبات الأثرية إلى أن هذه الحرفة ازدهرت منذ الحقبة السومرية، وكانت الوسيلة الأساسية لتدوين التاريخ عبر الألواح الطينية.
تعتمد صناعة الفخار في كركوك والمناطق المحيطة بها مثل داقوق وطوزخورماتو على مادة أولية فريدة تسمى "تراب الحر" أو "الحريّ".
هذا التراب يتم استخراجه من أماكن مفتوحة ونائية تمتد حتى ناحية العظيم، ويمتاز بخلوه من الأملاح والشوائب، مما يجعله مثالياً للصناعات الفخارية التي تتطلب متانة عالية وقدرة على ترشيح الماء.
عملية التصنيع هي طقس يجمع بين الجهد العضلي والمهارة الفنية، وتمر بعدة مراحل:
* الخلط والعجن: يمزج تراب الحر مع مادة تسمى "النفاش" (أو الطريش) ويضاف الملح لزيادة التماسك.
* التنقيع: يترك المزيج منقوعاً لعدة ساعات حتى يصل إلى القوام المطلوب للتشكيل.
* التشكيل اليدوي: يستخدم الحرفي يديه لضبط القياسات والزخارف، وهي المرحلة التي تتجلى فيها "عبقرية الصانع".
* الحرق: تدخل القطع في أفران صهر خاصة تعمل بالوقود (النفط الأبيض) لتثبيت الشكل ومنح الفخار صلابته النهائية.
الإرث المهدد في داقوق
يعتبر نوزاد هياس نموذجاً للصانع الذي يحمل إرثاً عائلياً ثقيلاً. عائلته التي كانت تمتلك أكثر من ستة معامل لصناعة الفخار، انحسرت أعمالها اليوم لتقتصر على ثلاثة معامل فقط تتوزع بين الطوز وداقوق وكركوك.
نوزاد يشير بمرارة إلى أن تغير عوامل الطلب ومنافسة المستورد الأجنبي هما السببان الرئيسيان لهذا الانكماش.
على الرغم من أن الفخار المحلي يتفوق صحياً ووظيفياً على الأواني الحديثة والمستوردة، إلا أن المستهلك غالباً ما ينجذب نحو الأشكال الجمالية والأسعار المنخفضة للمنتجات الصينية والإيرانية. ومع ذلك، يظل "الحِب" البصري أو الكركوكي و"الترمز" الفخاري العراقي مطلوبين بشدة، خاصة في مناطق إقليم كردستان مثل رانية، حيث يدرك السياح أن الطين العراقي يمتلك خاصية تبريد وترشيح لا تتوفر في المنتجات "المكبوسة" المستوردة.
تعتبر قضية تعليم الحرف للأجيال الجديدة هي حجر الزاوية في أي خطة لمنع اندثار "الحرف المنسية".
في كركوك وداقوق، يبذل حرفيون مثل نوزاد عباس جهوداً مضنية لإيصال المهنة لأولادهم وأحفادهم، مؤكدين أن من يتعرف على أسرار الطين يصعب عليه التخلي عنه.
الارتباط الوجداني
تعتمد عملية نقل الخبرة حالياً على "التعليم بالملازمة" أو التدريب العائلي.
الحرفيون يرون في الفخار "صديقاً للإنسان" وفرصة للتفريغ النفسي، وهو ما يحاولون غرسه في نفوس الشباب. ففي بلدة آلتون كوبري التاريخية، لا تزال مهنة "الكواز" (صانع الفخار) محترمة، ويقودها حرفيون كبار مثل العم "إحسان الكواز" الذي يعتبر مرجعاً للأجيال الشابة في معرفة أنواع الطين ودرجات الحرق المناسبة.
التحديات الاقتصادية
لا تقتصر معوقات تعليم الحرف على غياب الرغبة لدى الشباب، بل تمتد لتشمل تكاليف التشغيل، فأصحاب معامل الفخار في كركوك يطالبون بدعم وزارة الثقافة لتزويدهم بالوقود (النفط الأبيض) بأسعار مدعومة، حيث يحتاج المعمل الواحد لحوالي 1000 لتر شهرياً لتشغيل الأفران. غياب هذا الدعم يجعل من الصعب على الحرفي تحمل تكاليف تدريب العمال الجدد، مما يهدد بإغلاق المعامل المتبقية وتحويل الحرفة إلى ذكرى في المتاحف.
وبرز دور المنظمات الدولية مثل اليونسكو، وبالتعاون مع وزارة الثقافة العراقية، لإطلاق مشاريع طموحة لحماية التراث.
الإدراج في قائمة التراث
حققت وزارة الثقافة العراقية نجاحات مهمة بإدراج عناصر تراثية جديدة ضمن قائمة اليونسكو.
هذا التوجه يمثل اعترافاً دولياً بأهمية المهارات والممارسات المرتبطة بالصناعات اليدوية فالحرفيون يطمحون اليوم لإدراج "مهارات البناء" و"تقنيات فخار بلاد الرافدين" ضمن هذه القائمة، لما في ذلك من حماية دولية وتسهيلات لتمويل مشاريع الحفاظ والتعليم الجيلي.
لا يمكن فهم إصرار حرفيي الفخار على البقاء دون غوص في الأبعاد النفسية والاجتماعية لعلاقتهم بمهنتهم.
ففي العراق، الحرفة هي "شخصية" وليست مجرد عمل، إذ إن فقدانها يعني فقدان جزء مهم من الشخصية البصرية.
الارتباط الوجودي بالطين
في كركوك، يرتبط الفخار بمفهوم "علاقة الإنسان بخالقه"، حيث يرى الحرفيون أن التعامل مع الطين هو تذكير بأصل البشرية. هذا البعد الروحي يجعل من صناعة الفخار مهنة "مقدسة" نوعاً ما، وهو ما يفسر استمرار بعض العائلات في العمل بها رغم الخسائر المادية.
التحليل الاقتصادي
تواجه الحرف العراقية "حرباً اقتصادية" غير متكافئة، فالمستورد الأجنبي، يكتسح الأسواق بفضل سياسات الدعم الحكومي في بلدان المنشأ وتوفر الطاقة الكهربائية والوقود بأسعار زهيدة لتشغيل المصانع الكبيرة.
تشير البيانات الميدانية إلى مفارقة مثيرة، فبينما ينجذب المستهلك العادي للمنتج المستورد لرخص ثمنه وتناسق أشكاله الناتج عن القوالب الآلية، يظل الخبراء والسياح الواعون يفضلون المنتج المحلي.
والسبب يعود لخصائص فيزيائية فالطين المحلي في كركوك وداقوق يحتوي على مسامية طبيعية تسمح بالتبخير والتبريد، بينما الطين المستورد غالباً ما يكون "مكبوساً" بإحكام لغرض التصدير، مما يفقده وظيفة تبريد الماء ويحوله إلى مجرد وعاء تخزين.
لضمان بقاء هذه الحرف، يطالب المهنيون بسلسلة من الإجراءات الحمائية:
*تخصيص حصص وقود: تزويد معامل الفخار في كركوك وداقوق بالنفط الأبيض بأسعار تشجيعية (1000 لتر شهرياً لكل معمل).
* حماية جمركية: فرض رسوم على المنتجات الفخارية والخشبية التراثية المستوردة التي تمتلك بديلاً محلياً عالي الجودة.
* تفعيل المشتريات الحكومية: إلزام المؤسسات الثقافية والسياحية بتأثيث وتزيين مقراتها بالصناعات الحرفية المحلية لدعم الحرفيين اقتصادياً ومنحهم دفعة للاستمرار.
نحو استراتيجية وطنية
الحفاظ على "الحرف المنسية" يتطلب تجاوز الحلول الترقيعية نحو رؤية استراتيجية شاملة تدمج الحرف في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
يجب تحويل معامل الفخار في كركوك إلى "محميات ثقافية" حية هذا يتضمن تنظيم رحلات سياحية متخصصة، وإنشاء متاحف تفاعلية حيث يمكن للسياح تجربة صناعة الفخار أو نقش الخشب بأنفسهم، مما يخلق عوائد مالية مباشرة للحرفيين ويشجعهم على تعليم أسرار المهنة للأجيال الجديدة.
تحديث التصاميم مع الحفاظ على الأصالة
يرى بعض المعماريين الشباب ضرورة "عصرنة" الحرف.
كما يمكن تطوير منتجات فخارية تتماشى مع الذوق الحديث في الديكور المنزلي مع الحفاظ على "سر الصنعة" في معالجة الطين، وهو ما يفتح أسواقاً جديدة للحرفيين خارج النطاق التقليدي.
التوثيق الرقمي والبحث العلمي
يجب إطلاق مشروع وطني لتوثيق كافة الزخارف والنقوش والتقنيات الحرفية رقمياً، باستخدام تقنيات المسح الليزري والنمذجة ثلاثية الأبعاد، لضمان وجود "مرجع دقيق" للأجيال القادمة في حال غياب الحرفيين الكبار.
كما يجب تشجيع البحوث الجامعية في كليات الهندسة والعلوم لدراسة الخصائص الحرارية والميكانيكية للمواد التقليدية (طين كركوك)، لتقديم براهين علمية على تفوقها الوظيفي، مما يسهل عملية تسويقها وإعادة اعتمادها في البناء الحديث.
تظل قصة نوزاد عباس في كركوك صرخة في وادٍ يحتاج لصدى مؤسساتي قوي وإن الحفاظ على الفخار هو فعل استشرافي للمستقبل، ففي هذه الحرف تكمن حلول لأزمات الطاقة، والخصوصية، والهوية التي تعاني منها المدن العراقية المعاصرة.
إن يد الحرفي التي تشكل الطين أو تنقش الخشب هي ذات اليد التي تحفظ تاريخ العراق من الاندثار، وضمان استمرار هذه اليد في العمل هو مسؤولية تقع على عاتق الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية على حد سواء.
الحرف المنسية تستحق أن تتذكرها المناهج الدراسية، والسياسات الاقتصادية، والخطط العمرانية، لتبقى كركوك مدينة الطين والخلود.


