الأجنحة العابرة: أهوار العراق "محطة الاستراحة" الأهم في صراع البقاء الكوني

: فريق التحرير 2026-02-16 09:25

في كل عام، ومع أولى نسمات البرد القادمة من القطب الشمالي وسهوب سيبيريا، تشهد سماء العراق واحداً من أعظم العروض البيولوجية على وجه الأرض. ملايين الطيور، التي تنتمي لمئات الأنواع، تبدأ رحلة ملحمية تمتد لآلاف الكيلومترات، لتضع رحالها في المسطحات المائية العراقية، محولة إياها إلى "مطار دولي" طبيعي لا يعرف الحدود السياسية، بل يعرف لغة البقاء والاستمرار.

يحتل العراق موقعاً جغرافياً فريداً يجعله العقدة الأهم في "مسار هجرة غرب آسيا وأفريقيا" وهذه الطريق التي تسلكها الطيور هرباً من شتاء أوراسيا القارس باتجاه دفء أفريقيا، تجعل من الأهوار العراقية وبحيرات البلاد "مناطق استراحة" لا يمكن الاستغناء عنها. 

بالنسبة للطائر المنهك الذي قطع جبال القوقاز وصحاري آسيا الوسطى، تمثل أهوار الجبايش والحويزة والرزازة وسواحل الفاو "فنادق بيئية" توفر الغذاء الوفير والأمان النسبي.

يقول خبراء البيئة إن هذه المسطحات المائية ليست مجرد مساحات من الماء، بل هي مخازن استراتيجية للطاقة، فالطيور المهاجرة تفقد ما يصل إلى 40% من وزنها أثناء الطيران، وتحتاج إلى بيئة غنية بالأسماك الصغيرة، والقشريات، والنباتات المائية لتعويض هذا الفقد قبل إكمال رحلتها الشاقة نحو الجنوب، أو الاستقرار في العراق طوال فصل الشتاء.


ضيوف الشرف

تستقبل المياه العراقية أنواعاً نادرة تضع العراق على الخارطة الدولية لمنظمات حماية الطبيعة. لعل أبرز هذه الأنواع هو "الفلامينغو" (النحام الكبير)، الذي يحل بمجموعات هائلة تحيل لون البحيرات إلى الوردي الساحر. وإلى جانبه، يأتي "البجع الأبيض الكبير" بوقاره المعهود، وأنواع نادرة من البط مثل "الرخامي" و"الخضيري".

لكن الأهمية العلمية الكبرى تكمن في طيور لا يراها الشخص العادي بسهولة، مثل "هازجة قصب البصرة"، هذا الطائر الصغير الذي اتخذ من اسمه هوية، حيث لا يتكاثر في أي مكان في العالم إلا في أهوار جنوب العراق، مما يجعله رمزاً بيئياً وطنياً يتطلب حماية دولية. كما يُرصد بانتظام "عقاب ملكي شرقي" و"صقر الغزال"، وهي طيور جارحة تستخدم سماء العراق كطريق سريع في هجرتها السنوية.


علاقة عمرها آلاف السنين

لم تكن علاقة العراقي بالطيور المهاجرة يوماً مجرد علاقة عابرة، ففي النقوش السومرية والأختام الأسطوانية، نجد حضوراً طاغياً لطيور الماء فان سكان الأهوار الحاليين، يمتلكون معرفة فطرية بمواعيد وصول هذه الطيور، ويطلقون عليها أسماءً محلية تعكس ارتباطهم بها. بالنسبة لهم، وصول "الخضيري" أو "الكركي" هو إعلان رسمي عن بدء فصل الشتاء وموسم الخير.

هذا التنوع الإحيائي كان سبباً رئيساً في إدراج أهوار جنوب العراق على لائحة التراث العالمي لليونسكو في عام 2016، فالمنظمة الدولية لم تنظر للأهوار كآثار تاريخية فحسب، بل كمنظومة بيئية حيوية تضمن بقاء أنواع من الكائنات الحية التي ستنقرض حتماً إذا ما اختفت هذه المسطحات المائية.


صرخة في وجه الجفاف والصيد

رغم الجمال، يواجه هذا "الترانزيت" العالمي تحديات وجودية فان التحدي الأبرز هو التغير المناخي وشح المياه وان جفاف أجزاء واسعة من الأهوار نتيجة تراجع مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات يؤدي إلى تقلص "الموائل الطبيعية". 

عندما يصل الطائر المهاجر ولا يجد الماء، فإنه يضطر لإكمال طيرانه وهو منهك، مما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة منها قبل الوصول إلى وجهتها النهائية.

أما التحدي الثاني فهو الصيد الجائر وفي بعض المناطق، تتحول هذه الطيور المهاجرة إلى صيد سهل باستخدام الشباك الكبيرة أو السموم، وتباع في الأسواق المحلية (مثل سوق الشيوخ أو سوق النهضة). 

ورغم القوانين التي تمنع صيد الأنواع النادرة، إلا أن ضعف الرقابة البيئية يجعل من هذه الرحلة "مغامرة محفوفة بالمخاطر" للطيور.

سياحة مراقبة الطيور: الكنز المفقود

يشير التقرير إلى فرصة اقتصادية ضائعة في العراق، وهي "سياحة مراقبة الطيور" وفي دول العالم، ينفق السياح المليارات سنوياً للسفر ومشاهدة الطيور النادرة. 

العراق، بما يملكه من تنوع، يمكن أن يكون وجهة عالمية لهذا النوع من السياحة البيئية، مما يوفر فرص عمل لسكان الأهوار بعيداً عن الصيد، ويحولهم إلى حماة لهذه البيئة وأدلاء سياحيين.

هناك مبادرات شبابية واعدة بدأت تظهر في البصرة والناصرية، حيث يقوم مصورون وناشطون بيئيون بتوثيق هذه الطيور ونشر صورها عالمياً، مما بدأ يغير الصورة النمطية عن العراق، ويظهره كبلد يتمتع بطبيعة بكر تستحق الزيارة والحماية.


أجنحة تربط الأرض

في نهاية المطاف، تظل هجرة الطيور إلى العراق رسالة سنوية تذكرنا بأننا نعيش في كوكب متصل فالطائر الذي يطير فوق سماء موسكو اليوم، يسبح في مياه الجبايش غداً، ليغرد بعد أسبوع في أدغال أفريقيا.

إن حماية هذه الأجنحة المهاجرة مسؤولية وزارة البيئة وهي مسؤولية أيضا وطنية وأخلاقية للحفاظ على واحدة من أجمل هبات الطبيعة لبلاد الرافدين.

وإن استعادة عافية الأهوار وضمان تدفق المياه إليها هو عهد دولي قطعه العراق أمام العالم للحفاظ على هذا "الإرث الكوني". فسلامة الطيور المهاجرة هي المؤشر الحقيقي على سلامة البيئة العراقية، وبقاؤها يعني أن الحياة لا تزال تنبض في قلب بلاد الرافدين.


حقائق سريعة:

 عدد الأنواع: يُسجل في العراق أكثر من 400 نوع من الطيور، منها حوالي 200 نوع مهاجر.

المواقع الرئيسية: أهوار الحويزة، الجبايش، بحيرة الحبانية، سد الموصل، وشط العرب.

الموسم الذروة: من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) وحتى نهاية شباط (فبراير).

العودة إلى الأعلى