حرية مهددة وإجهاد متصاعد… من يحمي الصحفيين؟
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، باتت مهنة الصحافة واحدة من أكثر المهن عرضةً للضغوط النفسية والمخاطر الأمنية، سواء على المستوى الدولي أو في العراق. وبين واجب نقل الحقيقة ومخاطر الميدان، يجد الصحفي نفسه في مواجهة يومية مع الإرهاق المهني والتهديدات المباشرة، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: من يحمي من يحمون حق المجتمع في المعرفة؟
إرهاق يتجاوز حدود العمل
تشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 60% من الصحفيين في أوروبا يعانون من الإرهاق المهني نتيجة ضغوط العمل، وعدم الاستقرار الوظيفي، وتسارع وتيرة النشر في العصر الرقمي. هذا الإرهاق لا ينعكس فقط على الأداء المهني، بل يمتد ليؤثر على الصحة النفسية والجسدية للعاملين في القطاع الإعلامي.
وتؤكد بيانات صادرة عن لجنة حماية الصحفيين أن بيئات العمل الصحفي، خصوصًا في مناطق النزاع، تُعد من أكثر البيئات المهنية خطورة، سواء بسبب الاستهداف المباشر أو الضغوط النفسية المرتبطة بتغطية مشاهد العنف والصراعات.
أرقام دامية
ووفق تقارير حديثة نشرتها مراسلون بلا حدود، قُتل 124 صحفيًا في 18 دولة خلال عام 2024، في واحدة من أكثر السنوات دموية للعاملين في الحقل الإعلامي منذ عقود. هذه الأرقام لا تعكس فقط خطورة الميدان، بل تشير إلى تراجع مستويات الحماية والردع القانوني في العديد من الدول.
ويرى مختصون في الصحة النفسية أن التعرض المستمر لمشاهد الصراع والدمار قد يؤدي إلى اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق المزمن، خصوصًا في ظل غياب برامج دعم نفسي مؤسسية داخل كثير من وسائل الإعلام.
في العراق، تتقاطع التحديات المهنية مع إرث طويل من النزاعات المسلحة والعمليات الإرهابية. ويؤكد باحثون في الشأن الإعلامي أن الصحفي العراقي يعمل في بيئة تتسم بعدم الاستقرار الوظيفي، والضغوط الإدارية، إلى جانب المخاطر الأمنية، ما يزيد من احتمالات التعرض للإرهاق النفسي والجسدي.
تداعيات على المجتمع
لا تقتصر آثار هذه الأزمة على العاملين في المجال الإعلامي فحسب، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فتراجع جودة التغطية، أو انسحاب الصحفيين من الميدان، يعني ضعفًا في الرقابة المجتمعية وتراجعًا في كشف الحقائق، وهو ما يمسّ جوهر الديمقراطية وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات.
حلول مطروحة
يدعو مختصون ومراكز حقوقية إلى حزمة إجراءات متكاملة، تشمل:
سن تشريعات تضمن الحماية الجسدية والنفسية للصحفيين وتجرّم الاعتداء عليهم ، إنشاء وحدات وطنية مختصة بحماية الصحفيين والتعامل السريع مع التهديدات، إلزام المؤسسات الإعلامية بتوفير بيئة عمل آمنة ودعم نفسي دوري للعاملين ،إدراج الصحفيين ضمن أنظمة الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي ،تطوير برامج تدريب في الصحافة الآمنة وإدارة الصدمات.
بين الواجب والخطر
يبقى الصحفي في قلب المعادلة، يؤدي دوره في نقل الحقيقة رغم المخاطر. غير أن استمرار تجاهل التحديات النفسية والأمنية قد يؤدي إلى نزيف مهني يصعب تعويضه. فحماية الصحفيين ليست مطلبًا فئويًا، بل ضرورة مجتمعية لضمان إعلام حر ومسؤول.
ويبقى السؤال مفتوحا : هل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يتحول الإرهاق والخطر إلى عائق دائم أمام حرية الصحافة؟


