مراحل تذهيب القبّة العلوية المقدسة
فريق التحرير- مجلة العتبات
تصوير: وسام مطوك
كان بناء المرقد العلوي في العهد الصفوي مغلفاً بالحجر القاشاني الأزرق بعد اكتمال التشييد، ولكن بعد انتهاء عهد السلطة الصفوية وتولي السلطان نادر شاه الأفشاري الحكم في إيران أَمَرَ بقلع القاشاني عن القبّة والمنارتين والإيوان الشرقي الكبير واستبدالها بالصفائح النحاسية المطلية بالذهب الخالص، وقد ابتدأ العمل بالتذهيب في سنة 1155هـ/1742م وانتهى في سنة 1156هـ/1743م.
ونقلا عن الشيخ محمد حسين حرز الدين في تاريخه عن كتاب "نادر نامه" (فارسي) 473 الذي ورد في (تاريخ النجف الأشرف: ج/1 - ص/ 404) ما ترجمته: "حينما صدر الأمر من السلطان نادر شاه بتذهيب القبّة المباركة امتثل أمره بذلك خدّام العتبة الملوكية أحسن امتثال واعتنوا بتذهيب القبّة المطهرة أحسن عناية, وقد ضبطوا حساب ما صُرف لهذا المشروع فبلغ ما يعادل خمسين ألف تومان, وقد أحال حساب ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)".
ولعلَّ من المناسب أنْ نذكر هنا ما نقله البراقي في (اليتيمة الغروية والتحفة النجفية: ص/407) عن الشيخ محمد كبّة في كتابه "الدرر المنثورة" ما نصه: "وفي سنة خمس وخمسين ومائة وألف تم بناء قبّة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالذهب مع الحضرة الشريفة, والذي بناها نادر شاه حيث نذر إنْ أمكنه الله من بلاد الهند ليفعل ذلك, فأمكنه الله وفتح الهند وبلاد كثيرة وقيل له أبو الفتوح، فوعد بما عاهد نفسه من النذر".
وبغض النظر عن السبب الذي دفع نادر شاه إلى تذهيب المرقد العلوي فلا يخفى على المتأمل المعنى الرمزي الكبير لعملية التذهيب والتي تدل على انَّ الذهب قد جاء خاضعاً لمرقد أمير المؤمنين عليه السلام بعد أنْ زهد فيه وفي الدنيا بأجمعها, وله عليه السلام في ذم الدنيا والحث على الزهد خطب وأحاديث كثيرة.
ويلاحظ ان عملية التذهيب قد تضمنت الكثير من الزخارف الرائعة والصفائح التي نقش عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقصائد الشعرية باللغات العربية والفارسية والتركية, وتم توثيق عام اكتمال عملية التذهيب وهو (1156ه) بالتواريخ الشعرية وبالأرقام.
وقد أرّخ عدد من الشعراء والعلماء عام الشروع بتذهيب القبّة العلوية المطهرة (1155هـ), ومنهم العلاّمة السيد نصر الله الحائري (ت 1168هـ) إذ نظم قصيدة طويلة جاء في بعض أبياتها:
إذا ضامك الدهر يوماً وجارا فلُذْ بحمى أمنع الخلق جارا
وما يبلغ التبرُ من قبّــــــــةٍ بها عالــــــم المُلكِ زاد افتخارا
تُبدى سناها عياناً فأرّخــتُ (آنســتُ من جانب الطور نارا)
وورد في (دليل العتبة العلوية المقدسة: ص/133): "يطوّق القبّة في أعلى الرقبة شريط من المينا الزرقاء نُقشت عليه بحروف ذهبية آيات كريمة من سورة الفتح، ويوجد في أعلى وأسفل الآيات القرآنية أبيات شعرية فارسية وتركية. ومن الجدير بالذكر انَّ وضع الشريط بمكانه قد تمَّ في سنة 1156هـ, إذ كُتِب في اللوحة الأخيرة من حزام القبّة باللغة العربية ما نصه: (فالحمد لله الذي أكرمنا بهذه النعمة العظمى في سنة 1156هـ، قد تشرّف بكتابتها في طهران محمد حسين التبريزي".
وقد وُضع في أعلى الرمانة الذهبية للقبّة إكليلا ذهبياً ذو رمزية عقائدية مستوحاة من فكر أهل البيت عليهم السلام، إذ يتألف من طُرّة دائرية الشكل يبرز منها أربعة عشر شعاعاً ترمز للمعصومين الأربعة عشر (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين صلوات الله عليهم), ويعلو الطُرّة كفاً كُتب براحته الآية القرآنية {يدُ اللهِ فَوْقَ أَيْديهمْ} من (سورة الفتح الآية/10)، ولا يخفى انَّ الرمزية في الكف تشير إلى الخمسة أهل الكساء عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم والى بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام).
ولقد جرت عدد من الإصلاحات على القبّة المنورة والمنارتين بعد فترة التذهيب الأولى في عهد نادر شاه وذُكرت في الكتب التي تحدثت عن تاريخ المرقد العلوي ولاسيما كتاب "ماضي النجف وحاضرها" للشيخ جعفر محبوبه وكتاب "تاريخ النجف الأشرف" للشيخ محمد حسين حرز الدين وكتاب "المفصل في تاريخ النجف الأشرف" للأستاذ الدكتور حسن الحكيم.
أما أهم الإصلاحات فهو ما قام به التاجر النجفي الحاج محمد رشاد مرزه الذي تبرَّع للقيام بترميم التصدّعات في القبّة المنورة وإعادة تذهيبها على نفقته الخاصة بعد نيله موافقة زعيم الطائفة يومذاك سماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه)، وقد ابتدأ العمل بالتذهيب في سنة 1388هـ/1968م وانتهى في سنة 1391هـ/1971م، وتمت إعادة تذهيب الصفائح للقسم البصلي العلوي من القبّة الذي يعلو الحزام فقط ولم يشمل العمل اعادة تذهيب الصفائح المغلّفة لرقبة القبّة، وقد تجاوزت كمية الذهب (50) كيلوغرام, وبلغت مصاريف العمل مليون دينار عراقي أي ما يعادل ثلاثة ملايين دولار في حينه؛ بحسب (طريق النور للكاتب عبدالحليم حاتم مرزه، قصة الحاج محمد رشاد مرزه مع العتبات المقدسة: ص/21)، وقد نُقش على الجانب الخلفي لإحدى الصفائح الذهبية تاريخ عام اكتمال التذهيب ما نصه: (تبرع الحاج محمد رشاد مرزه بتذهيب القبة سنة 1391هـ).
ماذا جرى على المرقد العلوي ابان الانتفاضة الشعبانية؟
في بداية ثمانينيات القرن الماضي قام النظام البعثي بقلع حزام القبّة وإنزال إكليلها الذهبي فضلاً عن خلع الأشرطة والصفائح الذهبية التي نُقشت عليها القصائد الشعرية بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) بدافع طائفي وعنصري لأنَّ هذه المدوَّنات قد كُتبت باللغات الفارسية والتركية، وأُبدلت المدوّنات الأصلية بصفائح صقيلة سبّبت تشويهاٍ واضحاً في منظر الإيوان الذهبي الذي يُعد السِمة الأجمل في عمارة المرقد العلوي المقدس, أما الإكليل الذهبي الأصلي فقد تم تغييبه وإبداله فيما بعد بإكليل آخر يحمل لفظ الجلالة (الله), في حين ظلّت القبّة عارية من حزامها.
وبعد قيام الانتفاضة الشعبانية في شهر آذار من عام 1991م قام النظام البعثي البائد بقصف مدينة النجف الأشرف بالصواريخ وقذائف المدفعية, فأصيبت القبّة الشريفة إصابات بالغة ولاسيما من الجهة الشمالية (جهة باب الطوسي), كما تضررت واجهة الإيوان الذهبي والباب الذهبية الكبيرة بفعل الرصاص وشظايا القذائف, ولم تراعَ حرمة المرقد العلوي المقدس من أزلام النظام الكافر, وبعد إخماد هذه الانتفاضة تم ترميم الأضرار بشكل متسرع وغير دقيق.
مشروع الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدسة في إعادة التذهيب
بعد زوال سلطة النظام البعثي في عام 2003م تولت المرجعية الدينية الرشيدة في النجف الأشرف مهمة الإشراف على العتبات المقدسة، وأصدر مجلس إدارة العتبة العلوية المقدسة قراراً نصَّ على: (إعادة كل ما رُفِع ورفع كل ما وُضِع في زمن النظام السابق ولأغراض سياسية بعيدة عن قدسية وتاريخ العتبة المقدسة وفي أي موقع منها)، بحسب (دليل العتبة العلوية المقدسة: ص/134).
وبناءً على ذلك قام المتخصصون في مجال ترميم اللوحات والكتائب التاريخية من لجنة إعمار العتبات المقدسة بتجديد الكتائب التي تمت إزالتها وتخريبها في عهد النظام البائد والتي كانت مرميّة في أحد مخازن الحرم العلوي الشريف، كما تم ترميم وتجديد الصفائح الذهبية المطعمة بالمينا الزرقاء الخاصة بشريط القبّة العلوية وأُعلن عن اكتمال العمل في 13 رجب 1430هـ الموافق 6 تموز 2009م.
واستمراراً للنهج المتبع من قبل إدارة العتبة العلوية المقدسة المتمثل بالاهتمام بالتراث الثقافي المادي وغير المادي للمرقد العلوي المطهر وتوظيف جميع الطاقات والإمكانيات المتوافرة من أجل خدمة هذا المكان المقدس, تم وضع الحجر الأساس لمشروع إعادة تذهيب المرقد العلوي المطهر في صباح يوم الخميس 10 ربيع الآخر 1434هـ الموافق 21 شباط 2013م.
ما أهمية مشروع تذهيب القبة المشرفة؟
تتمثل أهمية هذا المشروع في إصلاح التصدعات في جدران القبّة الخارجية وإصلاح الصفائح الذهبية المزينِّة للمرقد المطهر والتي تضررت بسبب الظروف الجوية والأحداث العسكرية, إذ انَّ من أهم الاولويات هو الحفاظ على التراث العمراني والثقافي والشواهد التاريخية للعمارة العلوية الحالية. ومن الجدير بالذكر انَّ مشروع إعادة التذهيب قد تمت الموافقة عليه بعد اطّلاع المرجعية الدينية العليا على جميع التفاصيل وإعطائها التوجيهات اللازمة وتأكيدها على ضرورة الحفاظ على الصفائح الذهبية الأصلية وضرورة صيانتها وطلائها وإعادتها إلى أماكنها الطبيعية من أجل الحفاظ على الجوانب التراثية والتاريخية للمرقد المقدس.
وكان قد تم الاتفاق على أن يتولى فريق عمل متخصص من كوادر الدائرة الهندسية في العتبة العباسية المقدسة من ذوي الخبرة والمهارة المباشرة بالمرحلة الأولى من مشروع التذهيب وذلك بإعادة تذهيب رقبة القبّة، وبلغ عدد الصفائح الذهبية للرقبة (2525) صفيحة مرتبة بـ(18) صف (حلقة دائرية), ويبلغ قياس الصفيحة الواحدة (18×24)سم, أما كمية الذهب المستعملة فكانت (45) كيلوغراما, واكتملت هذه المرحلة في عام 2014م.
أما المرحلة الثانية من المشروع المتمثلة بتذهيب القسم العلوي للقبّة فقد أُسندت إلى الكوادر الهندسية والفنية لمؤسسة الكوثر الإيرانية بالتعاون مع كوادر فنية متخصصة من العتبة العلوية المقدسة, وتم في عام 2014م نصب الركائز الحديدية حول القبّة وقلع جميع الصفائح الذهبية, وفي شهر كانون الأول من عام 2015 تم افتتاح ورشتي العمل الخاصتين بإعادة تذهيب الصفائح الذهبية، وتمت تهيئة جميع الأجهزة والأدوات والمستلزمات المادية الخاصة بالعمل ومن ضمنها إنشاء مصعد كهربائي خاص بنقل المواد المستخدمة في عملية التذهيب.
وجرى في يوم الأحد 13 ربيع الآخر 1437هـ الموافق 24 كانون الثاني 2016م حفل افتتاح الشروع بتنفيذ المرحلة الثانية من اعادة تذهيب القبّة بحضور جمع غفير من الشخصيات الدينية والثقافية والأكاديمية والاجتماعية.
عودة الاكليل الذهبي
نظراً للأهمية التراثية والرمزية الكبيرة للإكليل الذهبي الأصلي المفقود فقد تم تصنيع نسخة طبق الأصل من هذا الإكليل في إيران وذلك بالاستعانة بأرشيف الصور القديمة، وقد روعي في عملية تصنيع الإكليل تطبيق أدق التفاصيل من حيث المواصفات والحجم وبسعي الدكتور هادي الأنصاري، وتم صنع الإكليل من النحاس في مؤسسة الكوثر في طهران بإشراف مهندسين وخبراء متخصصين بالتراث, وتم طلائه بنحو كيلو ونصف من الذهب الخالص في ورشة العتبة العلوية المقدسة في النجف الأشرف. علماً انّ الارتفاع الكلي للإكليل مع الرمانة التي يرتكز عليها يساوي (473,5)سم.
وفي عصر يوم الأربعاء السابع من ربيع الأول 1438هـ الموافق السابع من كانون الأول 2016م أقيمت مراسم احتفالية مهيبة لاستقبال موكب الإكليل الذهبي عند دخوله رحاب الصحن الحيدري الشريف شارك فيها رجال الدين ورؤساء العشائر ومنتسبو العتبة المقدسة وزائرو مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) وتم وضع الإكليل في مكانه الطبيعي متوجاً القبّة المنورة لسيد الأوصياء (عليه السلام).
وقد تكحلت الأعين يوم 17 ربيع الأول عام 1438ه الموافق 17 كانون الأول عام 2016م في بإزاحة الستار عن قبّة مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد إعادة تذهيبها تزامناً مع ذكرى ولادة سيد الرسل النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله).
الشاعر علي الصفار الكربلائي يؤرخ تذهيب القبة العلوية المشرفة:
قدْ جَدَّدَ العَزمُ والإخلاصُ عَسجَدَها فَطأْطأَتْ عِندها الأعيانُ والرُّتَبُ
للدَّهـــــرِ أرِّخْ (عليٌّ يا أبا حســـــنٍ بمولدِ المصطفى قَدْ جُدِّدَ الذّهبُ)
الشاعر إبراهيم الكعبي يؤرخ تذهيب القبة العلوية المشرفة:
وهذا التبرُ ينطق كلَّ يومٍ بتفضيلِ الوصيِّ على الرقابِ
أقـــــــــولُ مبيِّنــاً لمؤرخيهِ (بأنَّ التبرَ قـــــولُ أبي تُراب)



