جيل الـ(Z) العراقي: صوت يعلو فوق الضجيج.. إبداع رقمي وفنون حديثة تعيد تعريف الهوية
في قلب المنطقة التي شهدت بعضاً من أعقد التحولات السياسية في القرن الحالي، يولد واقع ثقافي واجتماعي مختلف، تقوده أصوات شابة ترفض أن تُختزل هويتها في الإطار السياسي وحده.
جيل الألفية، أو ما يُعرف بجيل الـ (Z) في العراق - والذي يشكل ما يقارب 60% من السكان تحت سن الخامسة والعشرين - لم يعد مجرد مستقبل البلاد، بل هو حاضرها النابض.
بعيداً عن أضواء السياسة وصراعاتها، يخلق هؤلاء الشباب عالماً موازياً، يعيدون من خلاله تعريف معنى أن تكون عراقياً في العصر الرقمي. يستخدمون أدوات العصر - من منصات التواصل إلى فنون الشارع - ليس للهروب من الواقع، بل لإعادة صياغته، وللبحث عن هوية تجمع بين عمق التراث وحرية التعبير المعاصر.
ميكروفونات جديدة
في بلد شهد عقوداً من تقلص الفضاءات العامة التقليدية، أصبح العالم الافتراضي هو الميدان الأوسع للتعبير. وفقاً لتقرير "هوتسويت" لعام 2023، فإن معدل انتشار الإنترنت في العراق بلغ 78%، مع قضاء الشباب ما يصل إلى 7 ساعات يومياً في المتوسط على المنصات الرقمية. لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى استوديوهات إبداع ومنابر رئيسية.
على "تيك توك"، يبرز صناع المحتوى الساخر مثل "علي الحسناوي"، الذي يحول الهموم اليومية للعراقي - من انقطاع الكهرباء إلى تعقيدات البيروقراطية - إلى سكتشات كوميدية يتابعها الملايين، مما يخلق شعوراً بالتضامن من خلال الضحك.
وفي مجال إعادة اكتشاف التراث، تظهر قنوات طهي مثل "مطبخ لمى" التي تقدم الأكلات العراقية التقليدية بطريقة عصرية ومرئية جذابة، موجهة للشباب داخل العراق والمغتربين خارجه. كما يبرز الفن الرقمي عبر حساب "Iraqi Digital Art" الذي يجمع أعمال رسامين يدمجون الرموز التاريخية كالآشوريين والبابليين بأسلوب الأنيمي أو الفنون الحديثة.
هذه النشاطات لا تعكس فقط رغبة في التعبير، بل تشكل سوقاً اقتصادياً ناشئاً للإعلانات والرعايات المحلية، مما يخلق مسارات مهنية جديدة مستقلة عن القطاعات التقليدية المتعثرة.
جدران تتكلم
إذا كان العالم الافتراضي منبراً، فإن جدران المدن العراقية تحولت إلى لوحات حية تعكس نبض الشارع. لم يعد فن الجرافيتي محصوراً بشعارات سياسية، بل تطور ليصبح شكلاً فنياً معقداً يناقش قضايا إنسانية وبيئية.
في منطقة الكرادة ببغداد، تظهر جدارية كبيرة للفنان "سنان حسين" بعنوان "أنا عراقي"، تصور وجوه أطفال من مختلف أطياف العراق متشابكين بألوان العلم. في البصرة، رُسمت على جدار مستشفى جدارية لطبيب يحضن الكرة الأرضية، تقديراً للعاملين الصحيين خلال جائحة كورونا. وفي أربيل، تستخدم الفنانة "ديلان أحمد" فن الشارع لتسليط الضوء على قضايا العنف ضد المرأة، برسوم رمزية قوية.
هذه الحركة لم تولد من فراغ. فهي تستلهم من تراث عريق في فن الحفر والنقش البصري، ولكنها تحوله إلى لغة معاصرة. تواجه هذه الفنون تحديات، منها اعتبارها "تشويهاً للمنظر العام" من قبل بعض الجهات الرسمية، أو تعرضها للتخريب من قبل فئات متطرفة. رغم ذلك، يستمر الفنانون، غالباً ليلاً، في تحويل الجدران المهملة إلى مساحات للحوار البصري، بدعم أحياناً من منظمات مجتمع مدني مثل "مبادرة جداريات".
فضاءات ثقافية ناشئة
بالتوازي مع الانفجار الرقمي، يشهد العراق نهضةً هادئةً ولكنها مؤثرة على الأرض: ظهور فضاءات ثقافية واجتماعية جديدة تقودها مبادرات شبابية. هذه الأماكن، غالباً ما تُقام في بنايات قديمة مُرممة، تملأ فراغاً تركه اضمحلال المراكز الثقافية الرسمية.
في بغداد، أصبح "مقهى الكتاب" في المنصور نقطة تجمع للمثقفين الشباب، حيث تُعقد أمسيات شعرية وقراءات كتب ونقاشات فكرية أسبوعياً. في النجف، مدينة الحوزة العلمية التقليدية، افتتح "مقهى ووركرز" كمساحة عمل مشتركة (Coworking Space) تجمع طلبة العلوم الدينية ومصممي الغرافيك ومطوري البرامج في مكان واحد، في حوار غير مسبوق.
وفي السليمانية، تتحول قاعة "سردم" الصغيرة بانتظام إلى معرض للفنون التشكيلية أو سينما لعرض أفلام مستقلة قصيرة من إنتاج محلي.
هذه الفضاءات ليست للترفيه الفكري فقط، بل هي حاضنات لمشاريع صغيرة. فهي توفر بيئة آمنة ومحفزة للإبداع، وتشكل شبكات دعم بين الشباب من تخصصات مختلفة. كما تعقد فيها ورشات لتعليم المهارات الرقمية واللغات والفنون، مما يخلق اقتصاداً معرفياً موازياً.
تقاليد وإمكانيات
رغم هذه النهضة، يواجه الجيل العراقي الشاب مجموعة معقدة من التحديات غير السياسية. أولها هو التوازن الدقيق بين التعبير الحر والضغوط الاجتماعية والتقليدية. فالكثير من الفنانين، خاصة النساء، يستخدمون أسماء مستعارة على الإنترنت أو يظهرون بشكل مجهول في الشارع لتجنب المشاكل الأسرية أو المضايقات.
التحدي الثاني اقتصادي بحت. فمعظم هذه المبادرات ذاتية التمويل، تعاني من نقص الدعم المالي والمؤسسي. لا توجد سياسات حكومية فعالة لدعم الصناعات الإبداعية أو منح للمشاريع الثقافية الصغيرة. كما أن انقطاع الكهرباء والإنترنت البطيء يشكلان عائقاً تقنياً مستمراً أمام المحتوى الرقمي.
أخيراً، هناك تحدي "البقاء". فالكثير من المبدعين الشباب، وهم الأكثر مهارة وتعلماً، يواجهون إغراء الهجرة بحثاً عن فرص أفضل، مما يهدد باستنزاف هذه الطاقة الإبداعية الناشئة.
رؤية للمستقبل
يسعى جيل الـ (Z) العراقي، من خلال كل هذه الأشكال التعبيرية، لتحقيق هدفين متلازمين: بناء هوية فردية وجماعية تليق بتنوعهم وطموحاتهم، وإعادة تقديم صورة العراق للعالم بعيداً عن سردية الصراع المستمر.
هم لا ينكرون تاريخ بلدهم أو تحدياته، لكنهم يرفضون أن يكون ذلك هو التعريف الوحيد لهم. بدلاً من ذلك، يقدمون أنفسهم كجزء من شباب عالمي، يتشارك مع أقرانه في كل مكان حب الفن والموسيقى والتكنولوجيا والضحك، مع الاحتفاظ بخصوصية ثقافية غنية. يرى الكثيرون منهم، كما عبرت مصممة الأزياء الشابة "زينة عبد الواحد" في إحدى المقابلات، أن "العراق ليس فقط أطلالاً وحروباً، بل هو أيضاً ألوان، ونكهات، ونكات، وأحلام لم تتحقق بعد."
هذا الجيل، برغم كل شيء، متفائل بطريقة واقعية. إنهم يبنون جسوراً مع المغتربين العراقيين عبر المحتوى الرقمي، ويعيدون ربط المدن العراقية ببعضها عبر الفنون المشتركة، ويخلقون لغة حوار جديدة مع العالم. قد لا تكون ثورتهم صاخبة، لكنها عميقة ومستمرة. هم لا ينتظرون التغيير، بل يصنعونه، كلوحة فنية على جدار، أو مقطع فيديو على "تيك توك"، أو جلسة حوار في مقهى كتب. إنهم ببساطة، يعيدون اختراع العراق، بدءاً من أنفسهم.



