الحسين… مُعلّم القادة

2025-08-15 12:26

بقلم: رضي منصور العسيف


لم يكن الطريق إلى كربلاء مجرّد دربٍ محفوفٍ بالآهات والدموع،

بل كان على جانبيه لافتاتٌ تنطق بالعشق، وتروي رسائل لا تُنسى.

وبينما كنتُ أسير مع قاسم، استوقفتنا لافتةٌ صغيرة، كُتبت بخطٍ بسيط،

لكنها حملت بين كلماتها عظمةً تهزّ القلب:


(وجعلته سيدًا من السادة، وقائدًا من القادة)


تأملتُ العبارة وهمست: – من خطّ هذه الكلمات؟ من هذا العاشق الذي اختصر الحسين بكلمة واحدة: قائد؟

ابتسم قاسم وأجاب: – كتبها أحد شباب الأنصار… شاب جاء إلى كربلاء لا يحمل شيئًا من الدنيا،

إلا قلبًا نابضًا بالولاء، وفكرًا متّقدًا بالبصيرة.

يعرف أن الحسين ليس فقط إمامًا مظلومًا…

بل هو القائد الأعظم… قائد الروح والفكر والنهضة.


ثم أضاف بنبرةٍ واثقة: – جاء ليقول: أنا أتبَع هذا القائد، حتى لو أنكرت الأرض فضله…

فالسماء تعرفه، والملائكة تُجِلّه، والتاريخ ينحني لعظمته.


أطرقتُ رأسي وقلت: – ومن غير الحسين يستحق أن يكون قائدًا؟!


أجاب قاسم وهو ينظر نحو خيمة الحسين تلوح في الأفق كنورٍ في ليلٍ كثيف: – عندما تقف أمام شخصية الحسين، فأنت أمام قائدٍ من طرازٍ نادر…

قائدٌ لا يساوم، لا يضعف، لا يتراجع، لا يُهادن،

بل يواجه الطغاة بصلابة الحق، ويقول:

"والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرّ إقرار العبيد."


بهذا الموقف، جسّد معنى القيادة الإلهية التي أمر بها الله:

"فاستقم كما أُمرتَ ومن تاب معك…" [هود: 112]


ثم تابع قاسم: – كان الحسين قائدًا في كل تفصيلة من حياته:

في حلمه، في عدله، في بصيرته، في تواضعه…

لم يُفرّق بين عبدٍ وحر، ولا بين قريبٍ أو بعيد…

الجميع عنده سواء، تحت راية واحدة… راية الكرامة.


نظر إليّ قاسم وقال: – الحسين لم يخرج طمعًا في مُلك، ولا سعيًا وراء مكسب…

بل خرج ليُحيي أمة، ليُعيد للإنسان كرامته،

خرج ليكون المُلهم لا المُستبد،

ليكون القائد الذي يُوقظ الأرواح قبل أن يُحرّك السيوف.


وسكت لحظة، ثم قال: – أتدري كيف حفّز أصحابه على الثبات؟

قال لهم:

"قوموا رحمكم الله، إلى الموت الذي لا بدّ منه، فإن هذه السهام رُسل القوم إليكم…"

كان يدعوهم لا إلى الموت… بل إلى الخلود.


حينها شعرتُ أني أفهم اللافتة من جديد،

"قائدي حسين"... أي أني اخترت طريقي عن وعيٍ وبصيرة، لا عن تكرارٍ أو تقليد.

"ونِعم القائد"… لأنه قائد لا يضلّ، لا يخذل، لا يخون.


قلت لقاسم: – قادة اليوم يخشون أتباعهم من الموت…

أما الحسين، فقد منح أتباعه الأمان وهم في طريقهم إلى الشهادة.


أجابني قاسم: – نعم، هو الحسين… قائدُ الأحرار، وملهمُ الثوار، ومُربّي العاشقين.

سلامٌ على من علّمنا أن القيادة تعني الصدق لا الزيف،

الوفاء لا الخداع، الإلهام لا التسلّط.


وسلامٌ على من بايعه أصحابه بالدم لا بالحرف،

وقالوا: "قائدي حسين… ونِعم القائد."

العودة إلى الأعلى