الروائية التونسية أمينة زريق: عدنا من كربلاء محمّلين بالأمل وعبق الحسين (عليه السلام)
حوار: عماد بعو
بدايةً عرفينا عن اسمك الكريم وما هو عملكم؟
أنا أمينة زريق، روائية تونسية وناشرة، وصاحبة دار الأمينة للنشر والتوزيع بمدينة القيروان. سعدتُ كثيرًا بمشاركتي في هذا الملتقى الثقافي العراقي التونسي، فهو اكتشاف جديد بالنسبة لي وشرف كبير أيضًا.
ما رأيكِ بهذا الملتقى الثقافي العراقي التونسي الأول، وماذا أضاف لكم؟
أرى أن مثل هذه الملتقيات تفتح أبوابًا واسعة للحوار والتعارف بين الشعوب العربية، وتمنح المثقف فرصة لاكتشاف الآخر عن قرب بعيدًا عن الصور النمطية. بالنسبة لي، كانت تجربة ثرية جدًا على المستوى الإنساني والثقافي، وأشعرتني بعمق الروابط التي تجمع العراق وتونس رغم المسافات.
كيف رأيتم كربلاء المقدسة، وما الذي لفت انتباهكم فيها؟ وماذا يعني لكم الإمام الحسين عليه السلام؟
كربلاء المقدسة، حسب رأيي البسيط، تسكن في بواطن الإنسان المؤمن لأنها تحمل من الرمزية الكثير الكثير. كربلاء حزنٌ قديمٌ متجدد داخل المؤمن الحر، وهي أرض تطهرت لأجل الإنسانية جمعاء.
الإمام الحسين عليه السلام قدّم درسًا نحن اليوم بأمسّ الحاجة إليه؛ درسًا في العزة والإباء ورفض الظلم. لذلك انتابتنا مشاعر مختلطة حين وصلنا إلى هذه الأرض المقدسة، مشاعر حزن وفرح وقرب ووصل وأمل.
تونس والعراق يمتلكان إرثًا حضاريًا ضاربًا في القدم، من قرطاج إلى بابل، كيف يمكن استثمار هذا الإرث المشترك في صياغة خطاب ثقافي عربي حديث يتجاوز الحدود السياسية؟
تونس والعراق حضارتان عريقتان جدًا، وجسورهما لم تنقطع يومًا، لكن ربما انشغال البلدين بالشؤون السياسية والعامة جعل التواصل الثقافي يضعف في بعض الفترات.
لذلك فإن تنظيم الندوات والملتقيات الثقافية والعلمية من شأنه أن يمدّ جسورًا كبيرة للفكر والعمل المشترك، والأهم أن تلتف القلوب حول كلمة “الحق”، لأن ما يمر به العالم اليوم يجب أن يكون سببًا لجمع شتاتنا لا لتفريقنا.
إلى أي مدى تساهم الشخصيات التاريخية المشتركة مثل الإمام الحسين عليه السلام كرمز إنساني في تشكيل الوجدان الجمعي للشعب التونسي؟
التونسي، وأقصد هنا المواطن البسيط، يكنّ محبة كبيرة للإمام علي وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وربما يحتاج الإنسان فقط إلى بحث داخلي صادق حتى يسمع صوت الحسين عليه السلام بداخله، ذلك الصوت الذي يدعو إلى مواجهة الظلم ورفع راية الحق.
ونحن لا نحتاج إلى دليل كي نقترب من الحسين، فحبّ آل البيت يقودنا تلقائيًا إلى ذلك.
هل يمكن اعتبار كربلاء مختبرًا للهوية العابرة للأوطان؟ وكيف يقرأ الأكاديمي التونسي هذا التنوع الثقافي الكبير في بقعة جغرافية واحدة؟
التنوع الثقافي يفتح آفاقًا واسعة للتطور والانفتاح وقبول الآخر، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات. نحن نتشكل أيضًا من خلال الآخر، ولا يمكن أن نتطور بمعزل عنه.
ومن جهة أخرى، علينا أن ندرك أننا جميعًا نشكل فسيفساء اللوحة الإنسانية، كلٌّ بثقافته ودينه ومذهبه، لكننا نعود في النهاية إلى أصل إنساني واحد.
بعيدًا عن البعد الديني البحت، كيف يقرأ المثقف التونسي فلسفة المقاومة في حركة الإمام الحسين وتطبيقاتها في الأدب والفكر التونسي المعاصر؟
العلاقة بين الأدب والمقاومة قديمة ومثيرة للجدل؛ هل يفقد الأدب حريته حين يرتبط بقضايا الإنسان؟ أم أن الفن بلا رسالة يفقد معناه؟
أعتقد أن الأدب الحقيقي يجب أن يعكس صوت الإنسان وبيئته. واستشهاد الإمام الحسين يمثل لحظة إنسانية وفكرية عظيمة يمكن أن تنتج عنها أعمال أدبية وفنية خالدة، لأن تيمة الموت والفداء قُدمت في كربلاء بأعمق صورها.
كيف تصفين جماليات المكان في العتبات المقدسة؟ وهل هناك ما يذكّركم بمدينة القيروان؟
أنا ابنة القيروان، تربيت في رحاب جامع عقبة بن نافع، وفي كربلاء شعرت بعبق “القدامة” وعمق الروح الدينية.
المكان هنا مفعم بالأجواء الروحانية التي تأسر الزائر، ورغم اختلاف الطراز المعماري بين كربلاء والقيروان، إلا أن هذا الاختلاف جميل ويمنح الفضاءات روحًا متكاملة.
ما هو انطباعكم عن المنظومة الخدمية التطوعية في كربلاء؟
من خلال الزيارات الميدانية وما استمعنا إليه من القائمين على العتبات المقدسة، لاحظنا أن خدمة الإنسان هي جوهر هذه المنظومة، وهذا أمر يُحسب لكم.فالرسالة المحمدية الحقيقية تقوم على خدمة الإنسان واحترام كرامته، وهذا ما رأيناه بوضوح في سعيكم لتقديم الأفضل للزائر مهما كان دينه أو مذهبه.
ما هي أبرز القضايا المشتركة التي يجب أن تشكل أولوية في الحوار العراقي التونسي حول الهوية؟
خلال الجلسات الحوارية طُرح موضوع الأسرة المسلمة، وأراه من أهم القضايا التي تستحق الوقوف عندها.
المرأة هي أساس الأسرة، ولدينا في تاريخنا الإسلامي نماذج نسائية عظيمة يمكن الاقتداء بها، لكننا غالبًا ما نبحث عن القدوات في الغرب.
بعد أحداث غزة، بات من الضروري أن نعيد طرح سؤال جوهري: من هم المتحضرون حقًا؟
ما الذي رأيتهِ في شوارع كربلاء وأسواقها ولم تقرئيه في الكتب؟
الكرم العراقي معروف، لكن أن تعيشه وتلمسه بنفسك فهذا أمر مختلف تمامًا.
كربلاء ما تزال تشع بأخلاق أهلها وزائريها، في زمن بدأت فيه القيم تتراجع وتتحول فيه الديانات أحيانًا إلى طقوس خالية من المعنى.
ما الرسالة التي ستحملينها معكِ إلى تونس عن العراق الجديد؟
ككاتبة تونسية أشعر أن هذه الزيارة ستثمر لاحقًا حين أعود إلى مكتبي، وكناشرة أؤمن أن الكتب قادرة على أن تصنع أجنحة وتعبر المسافات.
المعرفة سلاح قوي إذا امتلكنا الإيمان الحقيقي بعدالة القضايا التي ندافع عنها.
أعود إلى القيروان وأنا ممتلئة بكربلاء.


