مفهوم التضامن في فكر القيادة المعاصرة
يمثل موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وفي مقدمتها آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، استمراراً واضحاً لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في مجال التضامن والوحدة.
التأصيل اللغوي والاصطلاحي
التضامن في اللغة العربية يدل على الاشتراك والتماسك، بحيث يكون أفراد المجتمع كالجسد الواحد يتضامن بعضهم مع بعض وقد عبرت عن هذا المعنى نصوص أهل البيت (عليهم السلام) بأبلغ تعبير، حيث جسّدت مفهوم التكافل الاجتماعي الذي يضمن للجميع حياة كريمة.
أما في الاصطلاح الإسلامي، فالتضامن يعني "تعاون أفراد المجتمع وتكاتفهم على تحقيق الخير العام، ودفع الضرر عن بعضهم البعض، وتحمُّل المسؤولية الاجتماعية تجاه الفئات المحتاجة" . وهو يشمل جانبي التكافل المادي والمعنوي، بحيث لا يقتصر على المساعدة المالية فقط، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والاجتماعي والفكري .
الأسس القرآنية للتضامن في فكر أهل البيت
استند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تأكيدهم على التضامن إلى جملة من الآيات القرآنية التي أرست قواعد التكافل الاجتماعي، ومن أبرزها:
1. أصل الخلقة الواحدة: قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" [الحجرات: 13]. وقد استند الإمام علي (عليه السلام) إلى هذا الأصل القرآني في تأكيده على وحدة البشرية، حيث قال في وصيته لمالك الأشتر: "وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ" .
2. التعاون على البر والتقوى: قال تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ" [المائدة: 2]. وهذه الآية تؤسس لمبدأ التعاون الذي جسّده أهل البيت (عليهم السلام) في سيرتهم العملية .
3. الإحسان إلى الفئات المحتاجة: قال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ" [البقرة: 215]. وقد كان هذا التوجيه القرآني حاضراً في توجيهات الأئمة (عليهم السلام) لأتباعهم .
نظرة أهل البيت (عليهم السلام) إلى الإنسان
امتاز فكر أهل البيت (عليهم السلام) بنظرة إنسانية جامعة تجاوزت حدود الانتماء المذهبي والديني، وهو ما يظهر جلياً في قول الإمام علي (عليه السلام) المشهور:
"النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ" .
هذه المقولة التي وردت في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، تمثل الرؤية الشاملة للتضامن في فكر أهل البيت، حيث تؤسس لعلاقة إنسانية قائمة على الكرامة المشتركة لجميع البشر، بغض النظر عن اختلافاتهم في الدين أو المذهب. فالإنسان - بحسب هذه النظرة - إما أن يكون معك في العقيدة، فتجمعك به أواصر الإيمان والأخوة الدينية، وإما أن يكون مشاركاً لك في الإنسانية، فتجمعه بك القيم الإنسانية المشتركة التي تفرض التعامل بالعدل والرحمة .
التضامن في الأحاديث الشريفة عن أهل البيت
روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: "الْمُسْلِمُونَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" .
كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ" .
التضامن مع غير المسلمين
لم يقتصر التضامن في فكر أهل البيت (عليهم السلام) على المسلمين فقط، بل امتد ليشمل غيرهم من البشر، تأسيساً على قاعدة "الناس نظير لك في الخلق". وقد جسّد الإمام علي (عليه السلام) هذا المبدأ في سيرته العملية، حيث كان يتعامل مع غير المسلمين بالعدل والرحمة.
وقد تجلّى هذا المبدأ في وصيته لمالك الأشتر عندما قال: "وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ" . فقد كانت هذه الوصية عامة لجميع الرعية، دون تخصيصها بالمسلمين فقط.
كما روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن الله تعالى قال: "إِنَّ خَلْقِي عِيَالِي، فَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ أَلْطَفُهُمْ بِهِمْ وَأَسْعَاهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ" . وهذا الحديث يؤسس لمبدأ خدمة البشر جميعاً كعبادة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، فجميع الناس "عيال الله"، أي في رعايته وحاجته إلى من يخدمهم.
نماذج تطبيقية من سيرة الأئمة
1. الإمام علي (عليه السلام) واليتيم: من أروع صور التضامن التي سجلها التاريخ ما روي عن الإمام علي (عليه السلام) من موقفه مع اليتيم الذي رآه يعمل عند يهودي، فعرض عليه أن يعمل عنده ويساعده حتى يقضي دينه ويُعتق. هذا الموقف يعكس النظرة الإنسانية الواسعة التي تربت عليها مدرسة أهل البيت.
2. الإمام زين العابدين (عليه السلام) والمحتاجين: كان الإمام السجاد (عليه السلام) يحمل الطعام ليلاً على ظهره إلى بيوت الفقراء والمساكين في المدينة، ويتصدق عليهم سراً حتى لا يعلم به أحد. وقد عُرف عنه أنه كان يقول: "إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ".
3. الإمام الصادق (عليه السلام) وجيرانه: روي أن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يتفقد جيرانه، ويسأل عن أحوالهم، ويواسي محتاجهم، ويقول: "إِنَّ لِلْجَارِ عَلَى جَارِهِ حَقًّا، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا" . وهذا يؤكد أن التضامن ليس مقصوراً على أهل الملة الواحدة، بل هو واجب إنساني شامل.
4. الإمام الرضا (عليه السلام) وخدمة الناس: كان الإمام الرضا (عليه السلام) يجلس في المسجد النبوي في المدينة، فيقضي حوائج الناس ويفرج كروبهم، وكان يقول: "مَنْ سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ كَمَنْ سَعَى فِي حَوَائِجِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ".
أبعاد التضامن في فكر أهل البيت
يتعدد مفهوم التضامن في فكر أهل البيت (عليهم السلام) ليشمل أبعاداً متعددة:
1. البعد المادي: ويتمثل في التكافل المالي عبر الزكاة والصدقات والإنفاق على المحتاجين. وقد كان الأئمة (عليهم السلام) يحرصون على توزيع أموال الزكاة بأنفسهم، ويمنعون منعاً باتاً حبسها أو منعها عن مستحقيها .
2. البعد المعنوي: ويتمثل في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، مثل تفقد الأحوال، ومواساة المصابين، وإدخال السرور على المؤمنين. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ" .
3. البعد الاجتماعي: ويتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية، ورفع الظلم عن المظلومين، والدفاع عن المستضعفين. وقد كان الأئمة (عليهم السلام) يؤكدون على أن من أعظم الجهاد "كلمة حق عند سلطان جائر" .
4. البعد التربوي: ويتمثل في غرس قيم التضامن في نفوس الأجيال الناشئة، وتربيتهم على حب الخير للآخرين، والإحساس بمسؤوليتهم تجاه المجتمع .
التضامن والوحدة الإسلامية
لم يكن مفهوم التضامن عند أهل البيت (عليهم السلام) قاصراً على العلاقات الاجتماعية الفردية، بل امتد ليشمل العلاقات بين المسلمين عامة، باختلاف مذاهبهم وتياراتهم. فقد كان الأئمة (عليهم السلام) حريصين على وحدة الأمة الإسلامية، واعتبروا التفرق والتنازع من أعظم الآفات التي تهدد كيان الأمة.
يقول الإمام علي (عليه السلام) في هذا السياق: "وَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ يُنَادِي بِالْفُرْقَةِ، وَلَا يُحِبُّ الِاجْتِمَاعَ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ مَطْمَعَةٌ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ الْغَنَمَ الشَّارِدَةَ تَأْكُلُهَا الذِّئَابُ" . هذا النص الشريف يضع مبدأ الوحدة والتضامن في صلب العمل الإسلامي المشترك، ويحذر من خطورة التفرق الذي يجعل الأمة فريسة سهلة لأعدائها .
وقد كان الأئمة (عليهم السلام) نموذجاً عملياً في هذا المجال، فلم يلجأ الإمام علي (عليه السلام) إلى القتال رغم اعتقاده بحقه الشرعي في الخلافة، حفاظاً على وحدة الصف الإسلامي. وقد صرّح (عليه السلام) بأنه "تجنب الفتنة" و"آثر السلامة" خوفاً على تماسك الأمة .
التضامن في فكر القيادة المعاصرة
يمثل موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وفي مقدمتها آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، استمراراً واضحاً لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في مجال التضامن والوحدة.
ففي لقاء الإمام السيستاني مع البابا فرنسيس في النجف الأشرف عام 2021، تم التأكيد على مجموعة من المبادئ التي تعكس جوهر التضامن في فكر أهل البيت (عليهم السلام)، منها:
- - قدسية كل إنسان وكرامته .
- - رفض العنف والتطرف والظلم .
- - حماية المجتمعات المهمشة والمستضعفة .
- - تعزيز التعايش السلمي بين جميع أبناء المجتمع .
- - الدفاع عن المواطنة المتساوية للجميع .
هذا اللقاء التاريخي أثبت أن قيم التضامن التي أسس لها أهل البيت (عليهم السلام) قابلة للتطبيق في عصرنا، وقادرة على أن تشكل جسوراً للتواصل مع الآخر، وتحقيق الخير للإنسانية جمعاء .
وان الدعوة التي اطلقتها المرجعية الدينية للتضامن مع الشعوب المظلومة هو تجسيد لفكر اهل البيت (عليهم السلام) وامتداد لقيم التضامن التي أرساها أهل البيت (عليهم السلام) وهي الحل الأمثل لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية، من حروب وفقر واضطهاد، فهي الدعوة إلى عالم تسوده الرحمة والعدالة، حيث يكون البشر جميعاً إخوة في الإنسانية، يتعاونون على البر والتقوى، ويشعر كل منهم بمسؤولية تجاه الآخر.



